مكاشفات دراما تؤكد تطابق الحجّاج مع دكتاتوريات اليوم – فنون – مجيدالسامرائي

درة أعمال مهرجان الأردن المسرحي الثاني والعشرين بعمان :

مكاشفات دراما تؤكد تطابق الحجّاج مع دكتاتوريات اليوم – فنون –  مجيدالسامرائي

ألحجاجُ يحب من الالفاظ .. نعم ( نصغي بذهول للصوت القادم من فوق المسرح )

عائشة :أُعفيك من الردِ ومن نُطقٍ يتلجلَجُ في شفتيك

الحجاج: صوغي لي رداً بجواب يتقبله مولانا

عائشة: ليس جواباً.. بل صمتاً الصمتُ هو الرد .

هو ذاك . لا تنطق حرفاً ان عدت إليه

بل إبصق في عينيه .

الحجاج أمير المِصرين ؟

والمنتصِر الظافرِ في حربِ الشرقين ؟؟

عائشة :ووجه بطانته :

الخائف والزاني والسارق

والشاعرِ والكاذبِ والمارق

والحاملِ في كلِ مناسبة وجهين

ستراهم في مجلِسِهِ الموبؤ الآن

إني راحلةُ عن أرض الكوفة

وجنانُ الحيرةِ تنتظرُ خطاي … أتفهمني ؟!!

 هذاسرد من جنبات صورة لاتكتمل الا أذا تمسكت بمكانك لاتبرحه حتى ساعة ونصف على قاعة المركز الثقافي الملكي بعمان .

 لأن هناك مفاجآت خارج النص الذي اعده الراحل قاسم محمد عن خالد محيي الدين البرادعي وبعض مقاطع من مسرحية أبن جلا لمحمود تيمور .

 النص شعري أعده قاسم محمد ليمثل شخصية الحجاج عام 1995 امام نضال الاشقر التي كان خطط لكي ليسند لها دور عائشة بنت طلحة التيمية من رواة الحديث النبوي، روت أحاديث في الصحاح، قيل أنها كانت أجمل نساء زمانها وأرأسهن.

 لكن الاقدار شاءت ان تمثل الدور شذى سالم امام ميمون الخالدي ؛ في عمل تعهده أخراجيا غانم حميد الذي اجتهد في اقتراح سينوغرافيا فيها منبر زلق ان اعتلاه الحجاج اهتز وكاد يسقط من عليائه  فوق ارضية من وبر او وفر او عهن منفوش او غيم احمر كالذي يتبدى لك من نافذة الطائرة على ارتفاعات عالية جدا .

 النص جميل شعري أخاذ فلابد لمؤد من طراز خاص ؛ فلم يكن أمام غانم ان يختار ميمون الخالدي الذي يعد آخر اساتذة الصوت وعلم الالقاء في كلية الفنون الجميلة .ولم يجد من يكافئه في الاداء الا شذى سالم استاذة الادب المسرحي في  الكلية ذاتها.

 ولكل من الممثلين تأريخ ومكانة

 تقول لي شذى سالم : عائشة أمرأة بكل معاني الكلمة ؛ عراقية ؛ عربية ؛ بوقوفها صخرة امام الطغيان المتمثل بالحجاج .هي أمرأة فيها عنف ؛ وقوة ؛ وهي انثى ؛ ايضا ؛ تمسكت بها لانها تعود لقاسم محمد ..

 نعود لننصت

ألحجاج: أقسمُ إني مسكونٌ بالحبِ ومغسولٌ بالعشقِ

عائشة: متى كان السجنُ أو السيفُ يخيفُ إمرأةً مثلي

هل تعرفُ هذا يا حجاج ؟

الحجاج [ يوغل في تخفيفه ] لو تمكثُ سيدتي ..

هادئة وأنا أتدبر هذا الامر ولو بدمي

عائشة [ من بين اسنانها ] هل تطمعُ بي يا هذا الباغي ؟ أم يغريك ظهوري سافرةٌ ؟ أم تتمنى وطءَ فراشي زوجاً ؟ أم شيطانُ الطغيانِ وسوسَ في صدغكِ ليتطغى ؟

وسط هذا الاداء المتصاعد يبادر غانم حميد الى كسر الايهام او يحدث شيئا يدعى الغروتسيك .تقول عائشه : يمعود دطير !! فيضج الناس بالضحك .

 يقول لي غانم حميد : هي كما  أفهمها عادة بمعنى التنافر الشكلي بشكل قبيح أو فكاهي أو شيئ من هذا القبيل… انها نوع من كسر الايهام على الطريقة البريشتية .

( تبدأ عائشة بإسلوب القاء متدرج متصاعد حتى تصل إلى الكريشندو – وذلك من القرار العميق حتى الجواب العالي مصاحبة ذلك بتدرج مماثل في الشعور والإنفعال …)

عائشة والدمُ ؟

والأعناقٌ المقطوعةُ غدراً ؟

والموتى في ليلِ سجونك صبراً ؟

وأكفُ الناس ِ المصلوبةِ فوقَ الجدران ؟

والرعبُ المزروعُ بافئدةِالنسوةِ والولدان ؟

والخوفُ المتنقلُ في الطرقاتِ المُغلقة …

وكأن جميع الناس على فوهةِ بركان؟

يتلفتُ عاقلهمُ ليُبَلِغَ غافلهِم :

أن … حاذر …. حاذر …. حاذر

سيف الحجاج قريبٌ منك

حاذر إن الحجاج بكل مكان

حاذر … حاذر …. حاذر ….

جاءَ الموتُ في هيئة انسان …!

حاذر يا انسان

حاذر هذا اٌلانسان حاذر إن الحجاج بكل مكان

بكل زمان ….

بكل ……….

-يطلق الحجاج صرخة مدوية متدرجة ..

الحجاج لا ….. لا ….لـــ ….

مهلاً مهلا… مهلا مهلا …

[ ما أن يصل ذروة التصاعد حتى يسكت ليسود صمت عظيم . ثم يصبح صوت الحجاج لاهثاً ]

مهلاً يا أبنةَ طلحة

زمن الفتنةِ زمنٌ طارئ

ومتى كفكفتِ الفتنةُ اذرعها

تفتحُ كل شبابيكِ الحبِ وتشرقُ شمسُ السلم

لارَمَ … لا قتلَ … ولا سَجْنَ ولا سجان

عائشة لا ……..

ما أحسبكَ ستدرِكُ زمناً

يغشاه السلمُ ويغسلهٌ الحب

الحجاج ومتى كانت مؤمنةٌ ، حسناء ، كعائشة ٍ

تسجنُ عقل َالزمن وترجمُ بالغيبْ ؟

عائشة لا ارجم بالغيب

إذا كانت ايامُ الناس كنسوتهم تتوالد

والحبلى تنجبُ طفلاً ، والنخلةُ تُلقي رطباً

لكن السيف عقيم

الحجاج أعرف ان السيفَ عقيم

والحاكم لا يحملُ سيفاً إلا بَعد هلاك وسائله

الاخرى .. سأغمدُ هذا السيف ، ساعة تبتسم

الدنيا لرخاء الناس .

ميمون الخالدي بعد ان أدى مبارزة حامية الوطيس مع فاضل عباس  الذي أدى دور خادم العرض في اقتراح اقدم عليه بأجتهاد خاص غانم حميد  بطبقات  صوتية صعبة بلياقة تليق برجل تجاوز العقد السادس بخفة ابن ثلاثين ونيف

يقول لي في لوبي  فندق غراند بلاس مقر اقامة المسرحيين العرب  :مطلوب منا ان نستدعي الحجاج الاشكالي الماضوي الى الزمن الحاضر .هنالك حجاجون كثر ؛ حجاج يتلبس ثوب الفضيله وأخر يمشي ويجلس بين ظهرانينا ؛وهم جميعا يدافعون بضرواة عن افعالهم .

 عدت مسرحية مكاشفات درة اعمال مهرجان ألاردن المسرحي الثاني والعشرين والذي شاركت فيه الى جانب البلد المضيف – الاردن – الامارات ؛تونس ؛ السعودية ؛ومصر ثم الكويت ..

 جاء العراقيون – كما يفعلون في مناصرة المنتخب الوطني – عن بكرة ابيهم ؛ لمساندة ابطال مكاشفات وكانت ليلة عرض عراقية بأمتياز ؛ وكنت فرحا جذلا بينهم !