السنين ان حكت
مع شخوص الحلي وذاكرته – اضواء – فاضل الكعبي
في علم نفس القراءة والمطالعة هناك كتاب تثقلك صفحاته وترهقك، فتصيبك بالضجر والرتابة، وتشعرك بالغثيان والملل شيئا فشيئا وهما يتسللان من صفحات هذا الكتاب الى ثنايا روحك واحساسك ونفسك، فتود لحظتها لو كانت هذه الصفحات اقل واقصر مما هي عليه الان في هذا الكتاب وبالنتيجة تضطرك حالتك النفسية في هذه القراءة الى قطع التواصل مع هذا الكتاب ومنه جانبا غير مأسوف عليه! وبالمقابل هناك كتاب يشدك في الحال ويأخذك اليه منذ أولى صفحاته فتقرأ وتتابع صفحاته التاليات وانت في كامل النشوة والاثارة والاستمتاع، وفي عقلك وفي عينيك وفي روحك وفي احساسك تستشعر المتعة وطعم الحلاوة التي اتتك من اطباق الصفحات في مائدة هذا الكتاب الغزيرة واللذيذة! فلا يسعك الحال الا ان تواصل متعتك بالقراءة لهذا الكتاب حتى النهاية، فتتمنى حينها لو تمتد الصفحات وتزداد بصفحات أخرى اكثر واكثر وتمتد بك القراءة ما امتد بها الوقت والمجال!
وبين هذا وذاك تتوضح امامنا معالم الصورة المثلى لآلية الاقدام على القراءة في طقسها الحقيقي الهادي الى سبل الإمساك بمفاتيح القراءة الصحيحة تلك التي تفتح لنا مغاليق المقروء، وتضعنا وجها لوجه في مواجهته للقيام بمهارات القراءة الجيدة والممتعة للكتاب المقروء الذي يتصف أولا بصفتي الجودة والمتعة، حين تخلص ذائقة القراءة وحساسيتها في ذلك الى التمييز الدقيق بين طعمين ومذاقين لا ثالث لهما في الطعم والمذاق لاطباق القراءة، فيمكن على هذا الأساس اعتبار الكتاب الممل بالتصنيف الأول وتصنيف الثاني بصنف الكتاب الجيد..
اسوق هذه المقدمة وانا انتهي من قراءة كتاب جديد ينتمي الى التصنيف الثاني، ذلك هو الكتاب الموسوم: (السنين ان حكمت – شخوص على ورق الذاكرة) الصادر عن منشورات بابل في بغداد المؤلف الزميل والصديق الكاتب الصحفي المعروف زيد الحلي.. حقيقة لم يكن في برنامجي في هذا الوقت ان اقرأ هذا الكتاب بهذه السرعة وبهذا القدر من الجدية والاهتمام، وذلك لانشغالي بقراءات منهجية وعلمية متواصلة لكتب متعددة تصب في مجالات دراساتي المتخصصة في ادب وثقافة الأطفال، غير انني ما ان تصفحت الكتاب وطالعته للوهلة الأولى من باب الفضول لمعرفة ما يحتويه بعد ان حصلت على نسخة مهداة بتوقيع المؤلف، حتى وجدت نفسي وشغفي يهتمان بهذا الكتاب بعد ان تركت القراءات المنهجية جانبا ورحت اقرأ صفحات الكتاب بحرص شديد وباستمتاع اكيد، بل رحت التهم صفحاته هذه صفحة تلو الصفحة، متواصلا مع هذا المقروء الممتع بدافع اللذة والتشويق الذي يتدفق منه، ورغم كسلي وتقاعسي عن الكتابة في مواضيع خارج اطار ما اكتب فيه الان من مجال، اندفعت باهتمام واضح لاكتب عن هذا الكتاب واسلط مزيدا من الضوء عليه، لانه يستحق ذلك بامتياز لاسباب عدة ستتوضح لكم في الاسطر التالية وتتوضح اكثر عند قراءة هذا الكتاب..
(السنين ان حكت) كتاب سيرة موجزة ومركزة تركيزا دقيقا لشخوص تتحرك وتنطق على ورق ذاكرة الحلي منذ سنين طويلة، حتى جاء وقتها لتبوح بما لديها وتتكلم في صفحات هذا الكتاب، وهؤلاء الشخوص على اختلاف توجيهاتهم وتخصصاتهم واشتغالاتهم، يعدون في منظور الثقافة العراقية قامات كبيرة وعلامات بارزة في افق هذه الثقافة، ففيهم المفكر والفيلسوف والمؤرخ كهادي العلوي وجلال الحنفي وعلي الوردي وعبد الحسين شعبان وحميد المطبعي وشاكر مصطفى وصفاء الحيدري، والشاعر والروائي والاديب كالجواهري وحسين مردان وحميد سعيد وعبد الستار ناصر وعبد الرحمن مجيد الربيعي وابتسام عبد الله ونجيب محفوظ وعبد الاله الصائغ وموفق خضر وانعام كجه جي، والصحفي الكاتب كفيصل حسون ومحمد حسنين هيكل وسجاد الغازي وامري سليم وناظم سعود والتشكيلي والمسرحي والموسيقي كشوكت الربيعي وراكان دبدوب ومصدق الحبيب ورشاد حاتم وحسين الاعظمي وعبد الهادي مبارك وفيصل لعيبي وجبر علوان وسامي عبد الحميد وشفيق المهدي. كل هؤلاء لهم في ذاكرة الحلي سير وذكريات ومواقف واحداث لها أهميتها واثرها في الواقع الثقافي المعاصر، وقد قدم الحلي هذه الأسماء بشيء من الالفة والاستحضار الموضوعي الحي، الذي عكس أهمية الشخصية على أهمية الواقع عبر سرد صحفي وادبي يتجرد من الحالة الشخصاتية الضيقة ليتلبس الحالة العامة التي يحياها الواقع الموضوعي العام الذي تعيشه الشخصية صاحبة السير، ويعيشه المتلقي لاحداث هذه الشخصية، وقد نجح الحلي في توظيف ذلك توظيفا بانوراميا عميقا يربط ويمزج بين المعلومة التاريخية الخاصة والعامة للشخصية وللمجتمع مع حالة الانطباع الشخصي وقواعده الاجتماعية والصحفية والثقافية بشكل عام، وهكذا فقد كان الأستاذ الحلي بارعا في رسم الواقع وتأشير قوة الاحداث التاريخية والثقافية التي عاشتها ودارت في خضمها شخصيات الكتاب المسرود عنها.. وبذلك فقد استطاع الحلي بقلمه الرائع واسلوبه الرشيق وهو يفرش لنا أوراق ذاكرته المضيئة والمكتنزة بحلاوة السرد والقول والتوثيق ان يشدنا بيسر اليه والى كتابته السيرية والشخصية والشخصاتية، والى لغته الصحفية التي تعبق برائحة التشويق والفائدة والاثارة، مضاف الى ذلك خبرة النقاد الى الشخصية المكتوب عنها والدخول الى اسرارها العميقة، فليس هنالك ابدع واروع من كتابة مثقلة بالتجارب والصدق والموضوعية مع ما يرافقها ويؤطرها من غنى الجمال في لغة الأسلوب والمعرفة. وبذلك نرى الحلي شاعرا مع الشعراء وقاصا مع القصاصين ومؤرخا مع المؤرخين ومسرحيا مع المسرحيين الى جانب وظيفته الكتابية في الصحافة والتي برع فيها في خارطتها بصمته الخاصة كصحفي متميز وبارع ومؤثر.. تقول الزميلة الصحفية الكاتبة والروائية انعام كجه جي في تقديمها للكتاب (يؤسفني ان اعترف والاسى يأكل قلبي، ان زيدا زميلي القديم هو الوحيد الذي ينافسني منافسة شريفة في عشق الصحافة، وهو مستعد لان يهيم في البراري والقفار مثل قيس بن الملوح في سبيل خبر ينفرد به، او عمود يكتبه بفكرة جديدة، او لقاء خاص ينطوي على معلومات واسرار لم تكشف من قبل.. انه انيق العبارة قبل أي اناقة أخرى، وهذه موهبة فطرية تعود للالمام باللغة والحساسية في انتقاء المفردات وهو لم يحاول يوما ان يتفلسف في أسلوبه ولا يتورط في تحرير المقالات التنظيرية التي لا يفهم القارئ رأسها من اسفلها، وللمفارقة فقد كان كتاب تلك المقالات من المرموقين ولهم تحجز المناصب العالية وتفرد المكاتب والسيارات الخاصة المكيفة الهواء، بينما ينحشر محررو الخبر والتحقيق في الغرف الضيقة ومع هذا ينتزع زيد الحلي جائزة افضل تحقيق صحفي في مسابقة نظمتها نقابة الصحفيين العراقيين أواسط السبعينات الماضية، منافسا اشهر محرري ومحررات تلك الفترة، كما كان برنامجه الإذاعي اليومي عن الصحافة قد وفر له شهرة واسعة بين الناس).. وهذه الشهرة مسؤولية وقدرة وتميز قبل ان تكون وجاهة كما يعتقد البعض، فزيد الحلي الذي بلور خبرته العميقة في مهنيته العالية وتميزه الواضح في أسلوبه وفي مقدرته على محاورة المحاور والنقاد الى اعماقه لاستخلاص منه ما يمكن ان يثير القارئ ويشده ويدهشه، وهذه ميزة لا تتيسر الا لمن امتلك القدرة على فهم الشخصية وكيفية الدخول الى اعماقها والوصول الى ما هو مخبوء في تلك الأعماق، وهذه القدرة هي شأن العمق المتميز والمقتدر، نعم (فهذا هو شأن الصحفيين الكبار، انهم يمتلكون ذاكرتين ذاكرة إنسانية مدربة على الحفظ وذاكرة مكتوبة يشكل رؤوس الكلام او بشيء من التفصيل) هكذا هو الصحفي المتميز والبارع والمثير للقارئ، انه كما يقول الحلي: (الذاكرة الجمعية للمجتمع، وهو شاهد عيان على عصره). وزيد الحلي سار على هذا الخط وعمل عليه منذ البداية، جاعلا من كبار الصحفيين والكتاب قدوة له، فراح يطمح ويحقق طموحه بصداقتهم مثلما فعل ذلك مع (هيكل) الذي انشد اليه وتابعه واتلتقاه في لقاءات متفرقة ومتباعدة في اكثر من عاصمة ومكان، تارة في البعينات وأخرى في الثمانينات وثالثة في التسعينات وخلال تلك اللقاءات نجح الحلي في صداقة هيكل والاستحواذ على محبته وجعله يكشف له جانبا مهما من أوراقه السرية تلك التي تختص بالكتابة والصحافة ويبوح له باسرار المهنة، ومنها تلك الاسرار التي جعلته يقف في صدارة الصحفيين العرب، وهي الاسرار التي تتكشف فيها وتبرز مقومات الصحفي الناضج، وبذلك حين همس هيكل وقال للحلي في لقاء لهما جرى في بغداد: (انا اميز بين ما يغري القارئ ويجعله مستمتعا بالقراءة وبين ما يشعر انه ثقيل ومفروض عليه) ويتابع هيكل يقول للحلي: (ان مهمة الكاتب إيصال أفكاره ومعلوماته الى أوسع الشرائح في المجتمع، وهذه المهمة لن تتحقق الا بمحبة القارئ للكاتب وثقته به، وصدق الكاتب مع قرائه، فليس كل ما يكتب يقرأ وانني على ثقة كبيرة بعفوية القراء وهي عفوية احترمها ويخطئ من يعاكس هذه الحقيقة البسيطة وأيضا هناك القراءة التي احببتها في صغري، فالقراءة كالماء العذب يحي النبات والانسان، والجهل ماء مالح يحرق جذور الأشجار والنبات ولا يشربه أحد!). في هذا القول ثمة دروس بليغة ادركها الحلي تماما وخاض الامتحان فيها ونجح بجدارة ليجعل من كتاباته المتواصلة خزائن سردية تثري الذاكرة الصحفية العراقية بكل ما يثري المعرفة والثقافة والتوثيق، فما فعله الحلي مع هيكل قام بمثله مع شاعر العرب الأكبر الجواهري، وهادي العلوي.. و..و.. ومجمل الشخوص الذين سرد سيرهم وذكرياته معهم في صفحات (السنين ان حكت) ولو اردنا التعرض لشخوص الكتاب كلها لطال بنا القول واخذنا الى صفحات وصفحات، ولهذا فان كتاب الأستاذ زيد الحلي هذا يستحق اكثر من قراءة لانه جدير بتلك القراءة وفوق ذلك اقولها صراحة ان صفحات كتاب (السنين ان حكت) لا تقرأ فحسب بل من المفيد جدا ان تعتمد وتدرس في معاهد وكليات الصحافة لان فيها – كما أرى – دروسا فنية وعملية واقعية تتفوق على اكثر من تلك الدروس الاكاديمية التي درسناها وتعلمناها في المهنية الصحفية التي يشوبها الغموض والجمود كالهرم المقلوب واخواته، فدروس الحلي الحية باعتقادي اكثر فائدة وايسر في التعليم والخبرة امام الصحفيين الجدد خاصة في ما يتعلق باستكشاف الشخصية ومحاورتها والدخول الى اعماقها وحمل ما ينفع للقارئ من تلك الأعماق مع كيفية تكوين الانطباعات الشخصية وصياغتها في الكتابة الصحفية وغير ذلك الكثير..
وختام القول هناك ملاحظة اذكر فيها صديقي المبدع الكبير الحلي تلك التي تختص بتضييف اللجنة الثقافية في نقابة الصحفيين للعلامة علي الوردي عام 1993، فقد ذكر أعضاء اللجنة القريبين والبعيدين ولم يذكر كاتب السطور الذي كان عضوا في هذه اللجنة وحاضرا ومحاورا للدكتور الوردي في ذلك اللقاء التاريخي الذي جرى في مبنى النقابة في الوزيرية وبادارة الحلي بوصفه رئيسا لتلك اللجنة.. وهذه الملاحظة تبقى في جانب ودعوتي الى الاحتفاء بالكتاب ومؤلفة بشكل واسع مع قراءة الكتاب وتكرار هذه القراءة والاستمتاع فيها تأخذ كل الجوانب التي يستحقها هذا الكتاب وكاتبه بجدارة…























