
معرض الفنان محي خليفة
إستلهام روح الفروسية والأساطير الفولكلورية
علي إبراهـيم الدليمي
في خضم زمن الصراعات المحموم والتكنولوجيا الحديثة والآراء المزدحمة، ما أحوجنا لفسحة من التأمل والإسترخاء بواحة الخط واللون والأفكار المبسطة لإعادة التوازن النفسي لنا جميعاً.. ذلك هو معرضي الثامن (تشكيل) النزهة للروح والبدن.
هكذا.. قدم الفنان العراقي محي خليفة، معرضه الشخصي الجديد على قاعة دائرة الفنون التشكيلية، يوم 22/3/2012، والذي ضم أكثر من 60) ) لوحة زيتية مع تخطيطات بالحبر والفحم، متفاوتة الأحجام.. ولكنها جميعاً تشترك بالواقعية المحلية، “المحلة والطبيعة والتعبيرات الإنسانية الشعبية.. إلخ”. نعم.. بعدما هيمنت الفنون البصرية والرقمية في العالم على المشهد التشكيلي عموماً.. وألقت ظلالها على النتاج الفني، يفاجئنا الفنان محي خليفة بالعودة إلى الواقعية التعبيرية والإنطباعية.. بالوانها وزخارفها الملونة والحياة الإجتماعية الجميلة وتقاليدها البغدادية الراسخة، والحرف والمهن الشعبية..
محي خليفة، هذا الفنان الذي يعشق الأكاديمية في الرسم، ويتلذذ بها، حتى النخاع، منذ كان طالباً في معهد الفنون الجميلة.. حتى تتلمذه على يد الفنان فائق حسن، في كلية الفنون الجميلة (بكالوريوس/1983 )، لم يبارح الرسم التخطيطي “الكلاسيكي” بالحبر أو المائية أو الزيتية، من خلال عمله في الصحافة وخصوصاً في صحافة الأطفال منذ عام 1976? وحتى الآن، فقد رسم وصمم أكثر من خمسين غلافاً لقصص الأطفال، وعدد كبير من السيناريوهات والصفحات القصصية الأخرى.. كما مارس فن النحت، وله مشاريع وجداريات داخل العراق وخارجه، فقد أنجز تمثال في الكاظمية، وجدارية لواجهة إحدى الفنادق… الخيول العربية، إحدى أهم المفردات الشاخصة في أعمال محي خليفة، كونها إحدى المرتكزات التي تشكل له بصمة قديمة في إسلوبه منذ أن تأثر بخيول فائق حسن، كما أن عشقه الأثير بها يجذر في أحاسيسه ووجدانه.
شغف الرسم
والفنان محي خليفة (مواليد بغداد/ 1956)، منذ طفولته وهو إبن الرابعة من عمره، شغف كثيراً بالرسم، وهو يرى زوج شقيقته، الذي كان يسكن معهم، يرسم أجمل المناظر الطبيعية، ليقوم هو بعدها بتقليدها بحذافيرها، وبعد دخوله الإبتدائية، أخذ يرسم هذه المناظر على السبورة، وفي دفاتر زملائه، الذين أنبهروا برسوماته الجميلة، وكان ذلك بمثابة دافع معنوي كبير وعميق جعله يعتنق فن الرسم حتى الآن.
في السنة الرابعة عشر من عمره، ذهب الصبي محي خليفة برسوماته، إلى دار ثقافة الأطفال ليقدمها للفنان الكبير (طالب مكي) لينبهر بها ويشجعه ويواصل معهم في رفد مجلة (مجلتي) ببعض من رسوماته.. التي أخذت بالنشر..
وبعدها أخذ ينشر رسوماته في مطبوعات الأطفال كافة، الذي عشقها بجد وتواصل.. وما يزال.
دخل الفنان محي خليفة بعدها معهد الفنون الجميلة/ دبلوم – 1979، ومنذ مرحلته الأولى في المعهد، أخذ ينشر رسوماته في أغلب مطبوعات الأطفال والصحف المحلية الأخرى.. إلى رسم الكتب المتخصصة في عالم الطفولة.
لم يترك محي خليفة، التخطيط بالحبر والرصاص والرسم بالمائية قط منذ أن بدأ مسيرته الفنية، فضلاً عن الرسم الزيتي، فهو غزير الإنتاج، بشكل يومي ومتواصل، وقد أكمل دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة على أيدي عمالقة الفنانين العراقيين المعروفين آنذاك وفي مقدمتهم الفنان فائق حسن، الذي تعلم منه الكثير الكثير بشكل مباشر.
أهتم محي خليفة بإستلهام موضوعات الفروسية والأساطير الفلكلورية ورسم القصص التأريخية، وطبيعة الريف العراقي، فضلاً عن له عشرات الأعمال المعاصرة، المستلهمة من مدارس الفن الحديث، حيث تتميز ألوانه بلمسة وسحر الشرق البارز والمشع.. التي تعطي خيال واسع ومتفاعل مع أعماله المتنوعة.
تخيلات انسانية
كما أن قصص ألف ليلى وليلى وكلكامش هي الأخرى لا تبارح خياله أبداً فهو يستلهم من صورها أجمل التخيلات الإنسانية.. حيث رموز الحب والتضحية والبطولة والتاريخ العميق والأساطير الملحمية الخالدة.
منذ أن عرفت الفنان محي خليفة في ثمانينات القرن الماضي، وحتى هذه اللحظة لا يتوانى أبداً عن الرسم اليومي دون كلل أو ملل، فالرسم عنده كالنفس الصاعد والنازل في رئتيه، بل شريان إضافي مع شرايين جسمه.. يحتفظ بمئات التخطيطات الدراسية المتنوعة وعشرات اللوحات الزيتية، التي تجذب المتلقي ليقف أمامها ويتعاطف معها.
والجدير بالذكر أن الفنان محي خليفة، قد بيعت له لوحتين عامي 1994 و 1998 ، في مزاد المغتربين العراقيين في المانيا، وذهب ريعها لصالح شراء دواء للأطفال، بسبب فرض الحصار الظالم على العراق، فضلاً عن إدخال لوحاته في متحف البغدادي مع رواد الواقعية في العراق..
{ مدرس ورئيس فرع الرسم في معهد الفنون الجميلة ببغداد. حاز عشر جوائز تقديرية أخرها جائزة ملحمة كلكامش في النحت العراقي.























