
قصة قصيرة
معالي صاحب القمامة
– مزهر الخفاجي
حشد التكاتك والستوتات الصغيرة … بأصوات منبهاتها ، والاغاني التي تصدح منها تثير فضول واستغراب ودهشة الناس مرة تحديآ واخرى اعتراضآ.
لنؤجل الحديث عن الفضول والفضوليين وأحدثكم عن دهشتي وانا اقرأ عبارة مكتوبة على مؤخرة أحد الستوتات والتي مكتوب فيها :(ياباني الدار لاتعلوا بقامتها …إن الديار ستبقى بعد بانيها) .
وحين اقتربت لأسأل صاحب الستوتة عن سبب كتابته هذه العبارة … وإذ بي أفاجأ أن صاحبها الصغير ذو ال (16) عامآ وأسمه (عدنان) وهو من الذين يقدمون الخدمة لحيّنا ، في رفع النفايات والقمامة من البيوت ، (عدنان) شاباً أسمراً نحيلاً ، اكل منه التعب والتجوال في الشوارع الكثير الكثير ، أعرف عدنان منذ ثلاث سنوات ، وأقصد عام (2017) حينما غزت هذه العجلات الصغيرة شوارع ومناطق بغداد والمحافظات …
نسيت ان اقولكم ان احد اصدقائي من الموظفين الذي يعمل في دائرة الاستيراد والتصدير يقول : أستوردنا هذهِ العربات الصغيرة وهي مسجلة في السجلات كونها (ألعاب أطفال) وزينة مناسبات .
ياسلام ….
ليس مهم …
عدنان يمر كل يومين في زقاقنا الطويل …طارقاً ابواب البيوت ليحمل ماتيسر من القمامة … والغريب أنه في صيف تموز اللاهب ينتظر بصبره الطفولي … ان يفتح له احد الباب ليحمل (هدايا) هذهِ المنازل من براميل النفايات ، ورأيت انه قليلاً مايطلب اجرة …او مكافأه التي أعتاد سكان بغداد اعطائها … وهو يقنع بالقليل دوماً وكنت ألاحظه حين يمسك المكافأه فهو يقبلها ويضعها على جبهته ثم ليدخلها بعد ذلك في جيبه ..
والغريب ان بعض المعطى ل(عدنان) ليس مالاً… مرة تعطيه احد العجائز خبزة او برتقالة او قنينة ماءً، ليس بخلاً بل قد يكون بسبب عدم وجود الفكة ( الخردة) …وحين يتأخر احد البيوت في اعطاءه المكافأه ( مالاً او هدية)ينتقل بنُبل الفقير الى بيت اخر ، دافعآ عن نفسه وعن صاحب ذاك البيت صعوبة السؤال عن الأجرة …
عدنان ومنذ ذلك الوقت اصبح ضيف الزقاق ومنقذه من القمامة وفقيرآ وفارساً وما أثار استغرابي حين عرفتُ ….انه ارجعَ محفظة صغيرة فيها مبلغ (35) ألف دينار بعد ان رماها أحد الاطفال في برميل القمامة دون عِلم أهله …وقد أعادها بعد ان تعرفَ على صورة أحد شباب ذلك البيت وهي داخل المحفظة ….
وحين أرادوا مكافأته اجاب ، خالة ، أنا ابنكم واهلي علموني ان الامانة شرف ، ومكافئتي عند الله .
وفي مطلع تشرين الاول من عام (2019)أدار عدنان ظهره لقمامة الزقاق وأستأذن فقره ليتجه صوب الوطن …وذلك السبب هو الذي دفع شباب وختيارية المنطقة من أن يخرجوا قمامة بيوتهم ليمشوا مسافات طويلة لكي يرموها على جادة الطريق …
بعد فترة ليست بالطويلة وبعد أن أطلت (كورونا) …بكل خبثها علينا حتى فوجئت بالصبي (عدنان) صاحب القمامة وهو يطرق بابنا …نهظت مُسرعاً لأرحبَ به ولأسألهُ : هااا (عدنان) عسى ان يكون الامر خيرآ …قال خيرآ عمي …كنت أساعد الشباب في التحرير وأحمل الذين أرهقهم غاز الأخوة وفضلات الشرفاء ….
كُنت (أتونس) عند نحيب الوطن …وأنحبُ حين يصرخون (ياعراق ترجع شي اكيد بحيلك ، يضحك نهارك ياوطن وي ليلك ).
قلت لهُ: من الذي ورطك ،فأجابني: العراق ورطني عمي…
ويستمر عدنان بكلامه معي (سمعت من عمي چاسب) أن (نعومي)وهو أستاذ مثلك ،وقد عرفت فيما بعد انهُ كان يقصد (نعوم جومسكي) ، وهو يقول : ( عليك ان لاتحزن ابداً…ويجب ان تعرف ان الطغاة المتسلطين عليك …لم تنتخبهم ولم تأتي بهم أنت …
أكرمتُ (عدنان) بمبلغ اكبر من الطبيعي فرفض قائلاً:أستاذ الف وبطل مي ، أحسن مما اتعلم على أجرة مااستحقها…ولما مااحصل عليها أگوم أبوك ؟؟؟.
ادهشني كلام هذا الزاهد الفقير ….وقررت أن اعرف عن (عدنان) المزيد….
وبدون ان أخبر أحداً …ذهبت الى (كورة -مكان تجمع النفايات) وهو يقع بظهر أحد الاقسام الداخلية ، والغريب ان مجموعة من اصحاب العجلات الصغيرة (ستوتات وتكاتك)يلتقون هناك عصراً ، يحرس بضائعهم رجل متوسط العمر اسمهُ(چاسب)وقد عرفتُ انهُ حارساً ليليلاً،
والبقية (حسوني وعدنان وحمزة ) ومعهم احد طلاب القسم الداخلي وأسمه (علي) هو أمين صندوق مؤسستهم وراعي صالونهم الأدبي …بعد أن عَرفهم (عدنان) عليَّ واطمأنوا ، صرت لمدة اسبوع أبادلهم الحديث واتعرف على احوالهم ….
بدأ (چاسب ) بالحديث معي وقال لي بترافة القنوع استاذ أنا … اعمل في هذهِ المهنة لكي لا أحدث خللاً في موازين دخل البيت (فالداخلية) ويقصدُ بها في الفلكلور الاجتماعي البغدادي زوجتهُ ،هي صاحبة الدخل ولكي لانصل الى مرحلة الطلاق (مثل الحكومة والأقليم ) قالت لي : (الراتب إلنا ، والعرگ عليك ) …
وقد لجأت لهذهِ المهنة …لان الحكومة خذلتنا لاوفرت النة منافذ للعمل ، ولاسدت محلات الشرب …وأنشد قائلاً:
ألهي أن قلبي نبيٌ تعلعل
فلا أرختهُ الشرائع يومآ
ولاقالت لهُ.. ياچاسب هيا… أرحل
عرضٌ شيق من رجل أدمن المتعة …وأستسهل وحشة الطريق …
وحين اقترتب لأحدث ذات يوم (حمزة) طالب القسم الداخلي ، قال بلكنته الفراتية ومفرداته القروية الفريدة …
” أستاذ أشجابك على المر … غير الأمر منة ،
أنا طالب علوم من أهل الديوانية والدي متوفي ووالدتي أمرأة كبيرة وتقاعد الوالد لايكفي …
والشباب من اصحاب المعالي( الستوتات والتكاتك )قد تعرفتُ عليهم بالصدفة… وهولاء اصحاب الفاقة كانوا أرق علينا من كثير من الذين يطلون عبر شاشات التلفاز وهم وشيوخ قبائلنا و ذو البدلات والأربطة الانيقة من أهل السيادة والسماحة والمعالي …
فهم يجلبون لنا في القسم الداخلي الثواب الحسيني او ثواب مجالس الفاتحة … وفي ايام الضنك وجدت من الوفاء أن أرد لهم الدين ، فهم قد ملئوا بطني وبطون اصدقائي بالثوابات واكرمونا بالذي يحصلون عليه من بقايا نفايات (علوة جميلة) حين يحملون بعض الفواكه والخُضر بعد نقل زبائنهم من (علوة جميلة) الى السوق … ويأتون لنا بالذي يبقى من هناك … وبعض الاحيان يقاسموننا مايحصلون عليه من هدايا من الناس ( من قنينة الماء الى رأس الجزر) وانا أحاول خدمتهم في عزل القمامة عن بعضها (بلاستك، فافون، حديد، ملابس) ليسحبوها بعد ذلك الى محلات العتاگة….
أستاذ ، مصائب قومً عند قومً فوائدُ”…
انقطع صوت حديثنا بقدوم طالب اخر من طلبة الاقسام الداخلية ، والذين اختلطت وجوههم مع تراب بلدهم وتشابكت همومهم مع هموم عدنان وحسوني ، وچاسب وحتى حمزة …
أقترب وقال مبادراً : أستاذ لاتطيب خواطرنا…نحن نعيش بالعافية … ودموعنا كثيراً ماتعالج لواعجنا ، وتطفىء النار التي يومياً تشب في صدورنا … تنهد الطالب ( علي )وقال:كنا كلما يجرحنا الوطن …نلفُ نلفُ اجسادنا وجراحاتها …بأثواب امهاتنا السوداء …
هناك هتف چاسب :
هذا حرام ماعانيناه من حروب وحصارات ،ونزف مشاعر …أخاف ان يبقى هولاء ويسمُون عراقيون بالأسم فقط…
أستمرت (عذربة) چاسب (دونكيشوت)..
يُنظر في صالون القمامة الأدبي ، فغنى ناحباً وقال:
ردنا العافية وبرودة الگاع ….
ماصَحت ييمة شحال القصور….
وأكمل …”أنا يا أستاذ مُستقيلٌ من هذهِ الحياة …لكنني كلما أرى هؤلاء الفقراء البرره….يمسك العراق بي ، وأمسكُ بأذياله، فهم وجههُ الاتقى وناموسهُ المقدس” .
فجأة قفز صاحب القامة الصغير (حسوني) بعد أن ألقى بحمولته وماجادت بهِ من فضلات ، فصعد (حسوني ) على تل القمامة وغرد بصوته الطفولي العذب :
إذا خان الأمير وكاتباهُ …..
وقاضي الأرض واهن في القضاءُ
فويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ …..
لقاضي الأرض من قاضي السماءُ
وأردف حسوني …”بجاه هذا العراق وهؤلاء الأئمة تطلع حوبتنا بإلي كذبوا علينا “….
اثار صوت (حسوني ) غضب صاحب القمامة وحارسها (چاسب) فأنبرى ، وهو يحثُ الخُطى ،مستمرآ بالمشي بدى كأنهُ فارسٌ يشهرُ سيفه مودعاً اصدقاءه ( عمال القمامة) يلوح بيده وواضعاً الأخرى على قلبه ، منشداً : أيها الشباب اودعكم في قول فارسٌ من أجدادنا يقول :
خليلي للبغضاء حال مبينٌ
وللحب أثارٌ ترى ومعارفُ …
فما تنكره العينان فالقلبُ منكرٌ
وماتعرفُ العينان فالقلب عارفُ…
أمام هذا الأحتدام الأنساني الذي أفضى فيه اصحاب المعالي (عمال القمامة)كنتُ أءخرُ دمعتي وأقدم قدمي ، وأضجُ بصمتي… فتيان وشباب يعطرون مساءهم ببقايا مافاضت بهِ موائد العراقيين ، اخيارهم ولؤمائهم …يأكلون الحزن كخبزٌ لهم ويشربون الصبر من وجوه ابائهم وأمهاتهم ومايجود بهِ عرق وجوه ألشرفاء من اهالي بغداد…
تركتهم … بعدما عجز لساني عن شكرهم …فقد لقنوني هؤلاء (أصحاب المعالي) درساً في الخير وفي القناعة وفي الألتصاق بالعراق الجريح …
ألغوا من ذاكرتي ابطال ( البؤساء) لفكتور هيگو ، و( الارض اليباب) لأيليوت ، و ( الفردوس المفقود ) لهملتون ، وتذكرت السياب في ترنيمته…مامر عامٌ إلا والعراق فيه جوعٌ… أي عالم ذاك الذي يحيل الموت الى حياة ، والقمامة الى خصبً أخضر مجلجلاً …
أيتُها قناعةٌ تلك التي تجعل حارس القمامة ( حمزة ) فيلسوفآ ومنُظراً ومن (عدنان) زعيم ُ براءة ، ومن ( حسوني) أمين محلة ، ومن (علي) أمير عاصمة الحزن ، ومن (چاسب) فارسها الأبلج …
أي نُبلٌ هذا الذي لايرتدي ولايسكن ولا يأكل كما يجب ، ويدعوهم رغم ذلك ان يعاندوا الموت ليبقون ويؤسسوا (يوتبياه)وطنهم الذي يريدون …
نعم لسان حالهم يقول:
تحدى الموت واغتزلَ الزمانَ …..
فتىً لوى من الزمن العنانى….
























