مشرحة بغداد بين التاريخ والمتخيّل الروائي
نجاح هادي كبة
أ – المتن الروائي :
مشرحة بغداد رواية لبرهان شاوي صادرة عن دار ميزوبوتوميا , بغداد , 2014م , ط2 , بحدود ( 220 ) صفحة من القطع المتوسط تقريباً , والرواية من روايات الوجع العراقي بعد التغيير العام 2003م وتكشف على لسان جثث الموتى في مشرحة بغداد وخارجها التاريخ الدموي الذي أصاب العراقيين – كما يرى الروائي – بعد دخول القوات الاميركية لبغداد وتغيير النظام السابق نتيجة الانقسام العقلي الذي أصاب الكثير من الأفراد , ويتعمق الروائي في تسجيل هذا التأريخ على شكل سيرة ( بيبولوغرافيا ) لعديد من الشخوص التي أصابها القتل والذبح بأبشع الوسائل , والرواية تنساب على لسان الراوي العليم ( مؤلف الرواية ) فهو الذي يدير الاحداث ويوجه الحبكات الدرامية , ويوظف المنولوجات الداخلية والخارجية , ويسرد الحكايات على لسان جثث الموتى في المشرحة فالروائي منح جثث الموتى في المشرحة صفات الأحياء في الحوار وسرد الأحداث واعطاهم الصفة الاحيائية في التحرك والتنقل والتعبير عن آلامهم ومشاعرهم وما آل إليه حالهم جثثا تسرد الاسباب والمسببات لقتلهم بحرية تامة وكأنما لم يكونوا أمواتاً قد فقدوا الحياة وصاروا جثثاً هامدة معروضة للترشيح في ثلاجات المشرحة والروائي في هذا التوظيف لجثث الموتى أفاد من الموروث الديني الاسلامي إذ ورد ان الميت في القبر يتعرض لاسئلة الملائكة عن أعماله في القبر ويجيب عنها .
يتابع الروائي سيرة حارس المشرحة آدم من البداية الى النهاية بخاصة تتبع آدم لحوارات الجثث وشكواها والاحداث التي مرت بها قبل ان تصبح جثثاً هامدة , حتى أحال الروائي آدم الحارس الى شخصية مريضة عصابيا ونفسيا وهو يمارس عمله كحارس في المقبرة فآدم قد تغيرت حياته السوية في المقبرة واصابته الهلاوس والشكوك وهو يسترق حوارات الجثث في دفاعها عن نفسها أو انتقامها من أعدائها وما كانت تمارسه في حياتها قبل القتل , حتى فقد آدم السيطرة على نفسه وأصبح يزحف لاداء عمله بدلا من أن يمشي منتصب القدمين وقد شعر انه من الأموات مثل هذه الجثث في المشرحة التي تتحدث عن تاريخها , لكن ماذا قصد الروائي من دور شخصية آدم في السرد ؟ هل أراد أن يقول للمتلقي ان آدم صورة مصغرة لواقع حال العديد من الافراد الذين هم على مساس بما يحدث من قتل وذبح وتفجير وان مصيرهم كمصير آدم في الشكوك , الخوف , الهلاوس , الادراكات غير الصحيحة … الخ , وآدم لم يجد لذة حتى في الفيلم الجنسي بل تماثل مع حياة الرعب في المشرحة ( لا يدري لماذا هو قلق الليلة , سأل نفسه عن دافعه لأن يشاهد هذا القرص التسجيلي الواقعي قبل الفيلم الجنسي فلم يجد نفسه جواباً مقنعاً – الذي يعرفه ان هناك رغبة داخلية مشوبة بخوف خفي واسئلة غامضة لم تتضح في أعماقه تدفعه لمشاهدة ذلك القرص … في الصورة يبدو وجه فتى في السادسة عشرة أو أكثر بقليل . كان يجلس في وسط المكان . وجهه مذعور ونظراته قلقة , لكن كان يحاول ان يبدو طبيعياً , ظهر على الشاشة خمسة أشخاص آخرون , إضافة للمصوِّر حامل الكاميرا … ما هو اسمك … ؟ سأله أحد الرجال الجالسين – اسمي آدم المهدي …. وماذا تفعل في منطقتنا , أجمع بقايا أكياس الاسمنت من أماكن البناء لتصنع أمي منها أكياساً صغيرة لبائعي الخضراوات , وتعيش من بيعها – أنت تكذب ؟ … قل انك من جيش المهدي … لكني لست من جيش المهدي ولا أعرفه … يعني أنك لا تريد ان تخرج سالماً من هنا ؟ … على بركة الله … لقد اعترفت … وحلّ عليه القصاص … على بركة الله … اقترب اثنان من الواقفين …. وأجبراه على الجلوس على ركبتيه عند حافة الحوض ( البانيو ) … في هذه الاثناء ضغط الاثنان على ذراعي الفتى المذعور , يبدي مقاومة ضعيفة لا إرادية , في تلك اللحظة امسك حامل السكين بخصلة شعر أمامية ساحباً رأس الفتى المذعور الى الأعلى بقوة , بينما مرر نصل سكينه الكبير بقوة على عنقه ذابحاً إياه . نفر الدم بقوة ملوثاً الحائط ) ص 15 – 6 .
الروائي أراد أن يعمم حالة القتل والذبح والموت المجاني في المجتمع العراقي عن طريق المتاجرة بأمثال هذه الأقراص التي تكشف عن وحشية قتل الانسان لأخيه الانسان , كما ان الروائي اتخذ من هذا التقديم للوصول الى ضربته المفاجئة وهي مشاركة آدم حوارات جثث الموتى داخل المشرحة لتكون أقراص الذبح والقتل والموت حقيقة إذ يكون التطبيق العملي لواقعية هذه الاقراص .
ب – حوارات الجثث ودور الحارس آدم :
لا بد من أن أشير أولاً الى أن الروائي قسّم روايته على اثني عشر فصلا وكل فصل من فصول الرواية يمكن عدّها قصة قصيرة ومجموعها الرواية ( مشرحة بغداد ) هذا البناء الفني أتاح للروائي ان يعكس في كل فصل حوارات الجثث بشكل يختلف عن الحوارات في الفصل الآخر وان يعطي لآدم الحارس دوراً متميزا في كل حوار يتسق وحوارات الجثث .
وفصول الرواية جاءت وعلى النحو الآتي :
1 – الذبح بسكين المطبخ في البانيو . 2 – الآخرون . 3 – تأملات من قاعة التشريح . 4 – يوم عراقي جداً . 5 – ألهؤلاء … والمنسيون . 6 – الضيوف . 7 – حواء هانوفر . 8 – فضول الموتى . 9 – حواء البغدادي 10 – الجثث الهاربة . 11 – حراس السجن المظلم . 12 – صباح الجثث .
حاول الروائي ان يستبطن جثث القتلى ( ان صحّ التعبير ) وان يكون حوارها فيما بينها انسيابياً عما آل إليه حالها مقتولة في المشرحة , ومحفوظة في الثلاجات وكأن نسغ الحياة ودبيبها قد بعث فيها مرة أخرى في المشرحة أمام ذهول الحارس آدم الذي جعله الروائي شاهد عيان ومشارك في تلك الحوارات وما أصابه من آلام وامراض نفسية ( كان احياناً يحس بمشاعر حب خاصة تتملكه نحو جثث بعض النساء الشابات …
























