مسرحية “تحت القصف” على خشبة مسرح جامعة الموصل

الموصل – د. زيد طارق السنجري

شهدت خشبة مسرح جامعة الموصل، عرض مسرحية “تحت القصف” التي استلهمت معاناة أهالي الموصل اثناء الحرب على داعش.
وتتلخص القصة التي استلهمها العرض، معاناة أهالي الموصل اثناء الحرب على داعش، فهنالك امرأة من الجانب القديم والبيوت العتيقة المتصدعة تفقد كل عائلتها في قصف جوي ، وتخرج وحيدة ناجيةً من بين الركام تارةً تحدث الاخرين عن قصتها منذ أن وعت وحتى اليوم الذي احتل فيه الغرباء مدينتها واستباحوا ،وأسروا كل شيء فيها البشر والحجر، وتتحدث تارةً اخرى لجنينها الذي لم يولد بعد أملها المنشود وبصيص النور الذي تنتظره.

العرض المسرحي

أثثَ المخرج (محمود بهجت) مستهل أحداث عرضه المسرحي (تحت القصف) لمؤلفه العربي المصري ( أحمد سمير) بدايةً عبر مشهد سينمائي (داتاشو) لطفل رضيع يمسك بأصبع امه ، وهي تداعبه حتى تتحول هذه الأصابع الى يد طفلة صغيرة في مقتبل العمر وهي تمسك بيد امها، وفي إشارة سيمائية عابرة أخرى لجنين في طور التكوين مع صوت دقات قلب سرعان ما يقطع هذا الصوت ، وهذا المشهد الحالم أصوات القنابل والطائرات الحربية ومشاهد لبيوت وعمارات مهدمة (سوريا- الموصل – غزة) ومن ثم طائرات ونار ودخان وغبار. هدوء يعم المكان.

المشهد الاول: حطام بيت موصلي مهدم مبعثر فيه الاثاث بدلالة (حب) الماء الفخاري الفلكلوري وذلك الصندوق العتيق (الصندقجة) لتخرج بطلة المسرحية (تمارا) من بين كل هذه الفوضى زاحفة خائرة القوى متسائلة ذات الاسئلة التي من الصعب الإجابة عليها إلى متى نعيش في دوامة الألم والحزن والموت؟. إلى متى ننتظر؟ فلم يعد في العمر الكثير؟ تستذكر (زهراء) ابنتها البكر التي قتلت دون ذنب اقترفته ليوظف المخرج الحبل المتدلي من أعلى السقف في مشهد اغتيال وقتل زهراء البراءة والطفولة وليتحقق الاستخدام المتعدد (الاكسسوار- الغرض) المسرحي في ايصال ثيمة العرض، وفي مشهد أخر تدخل زهراء الممثلة (رحمة محمود) في زي الملاك الابيض / الطفلة حيز الاداء قاطعةً ونافيةً الشكل المونودرامي ليصبح المشهد الحالم هذا ديودرامي !! تشترك في تجسيده (تمارا) و (رحمة) التي تحدث أمها عن طمأنينتها وسعادتها في العالم الآخر حيث الهدوء وهي تعلو فوق الطائرات التي كانت تخاف منها وتقلقلها ولا تتذكر من عالمها المادي سوى رغيف الخبز الشهي الذي كانت تنتظره بشوق ولهفة من يد أمها وسرعان ما تغادر لتستفيق الأم من الحلم وألم الفراق إلى كابوس ترزح تحت وطأته في عالم الحرب- والموت – والدم – والمجهول، ولم يتبق من زهراء سوى ذلك المنديل الأبيض الصغير دليل السلام والبراءة والطفولة فكان بحد ذاته شخصية أخرى نابضة بالحيوية تحسب للمخرج تعاملت معه (تمارا) بإحساس عال ،وكان معادلاً موضوعيا في أهميته الادائية لمنديل (دزدومنة) في (عطيل/ شكسبير)، وفي انتقال ادائي ومشهد أخر تخشى الأم أن يأتي أحد الظلاميين ويخرجها من بيت الزوجية الذي احبته بالرغم من كل شيء حدث معها لتتذكر مشهد الطفولة التي سرعان ما سرقت منها ، وهي ترغم على الزواج في سن مبكرة ودميتها في يدها مازالت تحتضنها وتلاعبها، لكن مجتمعها الأبوي الذكوري الشرقي القبلي التقليدي يرغمها بالاقتران بابن عمها وبدون قول كلمة واحدة فقط ، إي كان الزواج دون إرادتها أي بدون” موافقتها” لتؤدي (تمارا) دور الصبية والأب المتسلط (محمد مقداد) مقلدةً نبرة صوته الحازمة،

وهنا جاء دور الاضاءة ليوحي بهذا التحول في المشهد قبل أن يقطع الغرباء واصوات اقدامهم هذه اللحظات الماضوية الاستذكارية ” انهم قادمون نحوي” لتنتقل الاحداث من جديد الى الحاضر، وفي انتقال ادائي غير ممهد له مفاجئ للمتلقي تتحدث الأم الناجية إى (جنينها) الذي تنتظر ولادته وهي وحيدة/ خائفة/ قلقة/ جائعة/ تنتظر المجهول لكنها تحدثه عن أبيه الذي استشهد في معركة سابقة، وفي زمن مضى ، أي في حرب اخر ؛ فالحروب في بلادي موجودة قبل ان نولد، تخبر جنينها بوجوب عدم اكتشاف بقائها في البيت لحد الآن وعلى الرغم انه بيت محطم مدمر فهو مع كل هذا وطن صغير منزل الذكريات حتى وان كانت اليمة قاسية لن تتحدث بصوت عال والا سيطردها الذين تسببوا في كل هذا الدمار والحزن والألم لها ولمدينها ووطنها، تحاور الجنين الذي في بطنها ، بانها يجب أن تبحث عن الطعام الذي لم تذقه وفقدته منذ زمن هي، وأبناء المدينة المنكوبة كي تواصل العيش ، ويظل هو على قيد الحياة، وان لا يموتا جوعاً وفعلا تحصل على بعض فتات خبز مرمي تحت الانقاض فتنتشله وتأكله بنهم وتمهد للحدث القادم بكلمات شاعرية ” يا بني رأيت الموت يطفو حولي” لتأتي آلم المخاض والولادة ومعها صوت ازير الطائرات وتوسلها للغرباء الذين طردوها من بيتها دون جدوى لترتفع مرة اخرى اعمدة الدخان وليكسر هذا الرعب والدمار صوت ولادة طفل ولادة أمل جديد يعيش في وطن ليس كما عاش فيه الآباء والأجداد.
(تحت القصف) عرض مسرحي لم يخل من هبوط الايقاع والترهل في بعض من مشاهده سيما المشاهد التي تكرر فيها الحديث التشاؤمي والحزن وعدم اشغال مناطق الاداء التسعة وانما تركز الاداء في اغلب مواضع المسرحية على وسط الوسط واسفل واعلى الوسط ونسيان الشخصية البطلة بعض الحوارات الذي تداركته بحرفة تعابير الوجه المؤثرة على الرائي واخطاء اللغة العربية ، ولكن كل هذه الملاحظات لا تقلل من اهمية اعلان مشروع ممثلة واعدة (تمارا نزار محمد) وجهود زميلها المخرج (محمود بهجت) ورحمة محمود ومحمد مقداد وباقي كادر العمل.

الجدير بالذكر بأن هذا العرض المسرحي هو أحد عروض المهرجان المسرحي الطلابي ( 21 ) في كلية الفنون الجميلة بجامعة الموصل للفترة من 11-2-2024 ولغاية 20-2-2024 ، والذي حفل بالعديد من الفعاليات التي استقطبت جمهورا من خارج أسوار الجامعة .