قراءة في قصيدة زهير بردى
محنة الجسد وفانوس الأحفاد – نصوص – سمير الخليل
تتميز لغة النص الشعري في دواوين الشاعر زهير بهنام بردى بالطرافة والشعرية العالية وقلّما يقرب اللغة التقريرية الجوفاء فهو شاعر يعمل بصمت وبجد وقد أصدر اكثر من سبعة دواوين جميعها قصائد نثر بأطوال تنم عن نفس شعري يديم الموضوع ويحّرك النص ويسمو بأسلوب الجملة الشعرية ذات الانزياح العالي ، زهير يكتب الشعر بيسر المتمكن من أداته وبعمق المتأمل في مجريات حياته بل حتى اختياره لعنوانات قصائده تحيل إلى انتقاء خاص وأنيق وقد تأخذنا بعض تلك العنوانات إلى انتماءاته المحلية والأسرية وأبعادها الإنسانية ، في ديوانه الذي بين أيدينا والموسوم (( الجسد أمامي وأحفادي فانوس )) الصادر من دار الينابيع – دمشق 2010 من القطع الصغيرة ، نعثر على قصائد ذات أطوال متباينة ولكنه ليس من الذين يستنفذون تجربتهم بالقصير من القصائد وسنحاول ان نتعامل نقديا مع نص شعري واحد أمتد على مساحة ثماني عشرة صفحة عنوانه ( نون الصيد في البرق ) والشاعر في هذا النص الشعري يؤسطر الواقع ويخلق عالمه الشعري الخاص البديل عن هموم الواقع المزري ، لعلّه يريد أن يرسخ اسماً شعرياً بتجربة فذّة تمتزج فيها الذات والواقع والأسطورة والشعرية المكثفة ، ولقد وقفت عند هذا النص لأنه لفت نظري بعد أن جعله الشاعر أول قصائد الديوان فالشعرية تواجهك بدءا من العنوان حين جعل للصيد نوناً يشع في البرق الخاطف فالعالم الذي نعيشه اليوم ، هو عالم يكتنفه التناقض ويعمه الاحتجاج ، وتتسع فيه ثغرات الخراب وتؤطره المدينة بهالة من القوانين والأنظمة التي تحد من حرية الإنسان ، وتكبل توقه إلى معانقة طبيعته السمحة التي تنشد البساطة والاطمئنان (1) وبعد توضيح المدارات الدلالية والإنتاجية والتأشيرية في دليل قصيدة الشاعر بردى ، سنحاول هنا إظهار كيفية ( مؤشرات الأسطورة ) و ( محورية الإظهار النصي ) وكيفية انشطار عاملية المدار النصي الى محطة مدارات فرعية متضامنة ومؤولة وذلك انطلاقا من قصيدة ( نون الصيد في البرق ) إذ نجد سياسة تخطيط المنتج الخطابي مبرمجة بوصفها إجراءات نازلة من طبقات العلامة الإظهارية اللاقطة لحيثيات التصوير الفضائي المتمثل في تجسيد الشفرة الاتصالية في مكتنز ذاكرة الرؤية الشعرية :
إلى الضريح
سرْ
التوبات تتبختر أمامك
لا يمكن لهذه المقطعية الأولى من زمن دلالة قراءة النص أن تفهم ، إلا على أساس معرفتنا بمستويات الخصائص الترابطية والمتتاليات العلائقية التي في طبيعة خطاطة دال البنية العلامية فالجملة الأولى مرتبطة بتداولية العسكرة مع استبدال ( إلى الأمام ) ب ( إلى الضريح ) مما خلق جواً مشحونا بالشعرية .
وعند الإمعان والتدقيق في إجرائية الوظيفة الانبعاثية في عتبة العنونة ( نون الصيد في البرق ) نلاحظ بان مستوى وضعية الإرسال العنواني ، قادمة من أفق شروط لفظية خاصة في اصدارية القيمة الانزياحية المتشكلة وحدود سلطة الاستجابة في دال ( الضريح ) ثم إلى دال خاصية المحتوى التبئيري الآخر ( سر ) ثم إلى جهة فرضية ومقاربة دال ( التوبات ) .
إن القارئ لهذه الوظائف الدالية في النص لربما يجد بأن علاقات هذه الخصائص الملفوظية المخصوصة في النص ، تنسجم وحدود المتحاورات في الجدلية وفي شكل تواضعية قيمة النص الشعري وفي أساس قبول قابلية علائقية فضلا عن أن هناك عوامل كلامية ، وقد استخدم الشاعر بعض مخططات التداولية الإدراكية في شرطية فهم العلاقة بين خلاصات الترابط الكلية وبين موضوعية فوقية النص الاستبدائية التي تشكل في ذاتها مؤشرا على واقع الخطاب وعلى مسالة محورية حديث الأشياء بدقة تنصيصية ..:
وكان عليك
يا الخرافة
أن تنفخي
في الغيوم
أزم شفتي من الضحك
تتساقط قبل الثلج
السماء(2).
إن النص بإيحاءات الدال في كثافة وانشطار محور الإظهار للنص ، يأتينا عبر هذه المقطعية ، وكأنه مجموعة مسارات لافتة من أحوال الأشياء الإيهامية المتجاوزة في مناخات خطية وفي تفاصيل مراوغة المصادر الحلمية وهي تحاول أن تؤسس لذاتها ثمة أوليات مركزية في حركة الدوال المتعلقة في جوهر الأسطوري والخرافي من حياة حلم الواقع الإظهاري :
عند بوابة أجنحة الهة
أضعت نطقة
وأقمت جنازة للشمس قهوتها الحب
والمشيعون شمعات (3)
إن لغة الإفاضة في هذا النص ، تغدو في ملفوظ دال (( أجنحة إلهة )) كأنها مجال تطوير أدوات شعرية فكرة لغة تجد غايتها في ذاتها اذ يتداخل من خلال التشكيل المؤشراتي معبرا عن فضاء واسع من دون مستوى حركتها نحو القدرة والطاقة المقصودة جهدا ومجهودا في عضوية حوهر التأويل في اللغة المتوهجة :
أزم شفتي من الضحك ، تتساقط قبل الثلج (4)
من هنا نرى ما آل إليه مستوى مؤشرات الأظهارية المحورية في صورة المشهد النصي . و أذا سلطنا عليه الضوء أكثر ، سوف ندرك بأن حاضرية دال ( أزم شفتي من الضحك ) ما هي إلا كيانية ترسيمية في فعالية مشهد مداليل أحادية في عام مشهد قصيدة الشاعر ، ولقد استثمر الشاعر التنثيث التنقيطي وهو يترك للمتلقي ملأه بما ينسجم وآلية الدلالة المستوحاة إذ تكرر الحذف (………..) بين أجزاء القصيدة بطريقة لافتة ذات بعد رؤيوي خاص بالشاعر وهو يترك مساحات ليتحرك بها النص والمتلقي معاً .
وفي الختام يمكن أن نجد عند زهير بهنام بردى في ديوانه (( الجسد أمامي وأحفادي فانوس )) ان هناك خيطا شفافا يمتد بين الأسطورة والمرأة في قصائد المجموعة في مكون واحد إذ يقول :
اضئ له مصطبة قديمة
من تايتنك
تفيض – مارتا – الاسبارطية
ربما صباح زوين البيروتية
بترتيلة قداس اول
يستيقظ من عشائه الأخير (5)
فهو لا يقصد ( مارتا الاسبارطية ) وإنما قصد بذلك امرأة أخرى اراد ان يشبع النص الشعري ببعض الإشارات الأرجاعية الأسطورية لتدل على الواقعية لدى الشاعر .
الهوامش
(1) ينظر : عبد الرضا علي ، الأسطورة في شعر السياب ، منشورات وزارة الثقافة العراقية ، 1978 : 19.
(2) زهير بهنام بردى ، الجسد أمامي وأحفادي فانوس ، دار الينابيع ، سوريا ، 2010 : 7.
(3) م . ن : 8 .
(4) م . ن : 15.
(5) م . ن : 8.
- م . ن : 17 .























