محمد صابر عبيد قارئاً لعلي أحمد سعيد النّص المنقود كأنّه ضيف
ما كان أدونيس ليكون ريفيّاً أو حتّى مُتريِّفاً
رعـد فاضـل
غالباً ما نقرأ نقداً أشبه ما يكون بالمطالعة وإن كانت على نوع من التّخصص، غير أنّها ليست سوى قراءة عابرة قياساً بالمعنى النّقدي الحقيقيّ. قراءة السّطح التي تضيء لِتُفسِّر، وما النّص المنقود في عرف هذا النّقد إلاّ وكأنّه ضيف» وما هذا النقد إلاّ وكأنه مُضَيِّفٌ» وما قراءته إلا وكأنّها نَزْل.
المنقود الذي يُضَيَّفُ لا ليسكن بوصفه شريكَ سكنى دائماً، وإنّما بكونه ينزل ليأوي إلى حين ثمّ يمضي وكأنه عابر سبيل. شيفرة أدونيس الشّعرية بيت بالمعنى التّام للبيتوتيّة النقدية من وجهة النّظر هذه » وما
ليس الماء وحده جواباً عن العطش إلاّ شريك في هذا البيت، لا من جهة الثّبات بطبيعة
المعنى، وإنما من جهة الأحقّية الكاملة للوجود مُشاركة وحراكاً ونسيجاً وحواراً وحياة.
…الأثر قوّته تكمن في قابليّته على الإمِّحاء علامتا التّعجّب ستفقدان أهمّيتهما بعد حين ذلك أنّه في الآن ذاته يتمتّع بقدرة خارقة على المقاومة ــ مقاومة الحضور ــ حضورِهِ. وما تلك المقاومة إلاّ الغياب الذي لا يشتغل إلاّ وفقَه، وحسبَهُ الأثر. وبما أنّ القراءة لا يمكن أن أعني إلاّ القراءة العميقة ــ قراءة الأثر، وتقصّيه تعمل على تبادل الأدوار مع المقروء وهنا أختلف مع غالبيّة شُرّاح دريدا ، وبمعنىً آخر تتحوّل القراءة نفسها بعد إتمامها لمهمّتها إلى مكتوبٍ آخر يكون هو الآخر قابلاً للقراءة من قِبل قراءة أخرى. فكأنّنا بذلك قد توافرنا على قراءتين قراءةٍ قرأت المقروء وما إن نقلت نفسَها إلى خَطِّيَّتها، صارت مكتوباً هو الآخر يتطلّب قراءة أخرى…، وهكذا إلى ما لانهاية ما دام المكتوب يظلّ قابلاً للقراءة في كلّ مرَّة.
سأستعين بدريدا، وأستعير منه فهمه الخلاّق المعروف بـ بذر ــ نثر ذلك المفهوم الذي لا يعني إلاّ أنّ القراءة هذه القراءة لا تلعب إلا كما لعب المقروءُ، وذلك كما يلمِّح به العنوان الفرعي لـ شيفرة أدونيس الشعريّة سيمياء الدّال ولعبة المعنى ، ولكن بتفكيك المعنى إلى مَعْنَمات تظلّ هي الأخرى قابلةً لتشكُّلات معانٍ أُخَر في كلّ عبور قِرائيّ لها. لاحظ العلاقة الدّلاليّة المُعلَنة ــ الخفيّة ما بين لفظتي بَذر ــ نثر .
من هنا كلّ كتابة أدبيّة هذا ما يعنيني لا يمكن أن تكون مُبدِعة خلاّقةً إنْ لم تكن بِذاراً» ونثراً. ولا يمكن للقراءة التي أعنيها أن تكون كذلك إنْ لم تكن هي الأخرى كذلك.
عتبتان نصّيّتان
… كأنّه بتصديره الأوّل لكتابه المهمّ شيفرة أدونيس الشّعريّة إلى آمنة ملاذه الوحيد.. الذي هو في الآنِ نفسه ليس هو الملاذَ فحسبُ، وإنّما الملاذ ــ الجوابُ» وليس كذلك فحسب، وإنّما هو آمنة ــ الملاذ ــ الجوابُ الذي يؤنِّث ظمأ اللغة في آنٍ معاً.
وبتأنيثه للظّمأ يُلمِّح محمد صابر عبيد إلى نوع آخر مِن الرَّواء، بوصف الأنثى بعامّةٍ رحِمَ الإنسان، والعالَم، والأشياء. وبكثافة أشدّ بوصف الرّحم مُنتِجاً للحياة نفسها.
ثمّ وهذا الماء الذي يُثري قصيدةَ العطَش . أرى أنّ هذا التّبطيْن يستحقّ منّي التّغاضي عنه كي لا أُفقِدهُ ولو بعضاً من سحره بهذا التّفكيك والتَّبدِّي. لأدَعْهُ إذاً أثراً دون تحويله إلى عَين . هذا الأثر الذي لا يلمع حضورهُ إلاّ في ليل غيابه وما أيّ حفر مُجتهد فيه» واستقصاءٍ لهُ بهذا المعنى، من جهتي، إلاّ دفع له إلى منطقة الحضور ــ حضور قراءتي له، مهما اجتهدتُ في غيابي.
لعلّي في قراءتي لتصديره الثاني سأكتفي شخصيّاً ببعض التّلميحات انطلاقاً من مستلاّت لِكُتّابٍ لويس شادون» باشلار» بورخيس» وسأرجّئُ الآن مُستلَّ القارئ ــ الناقد من أدونيس نفسه.
مستلاّت تلتقي في الخفاء من جهتي الماء» والطّفولة مع العنوان الأدونيسيّ ليس الماء وحدهُ جواباً عنِ العطش كما في التّصدير الأوّل. اعتمدها محمد عتبات نصيّةً لكتابه
ــ طفولتي حُزمةُ روائح.
ــ الطفولةُ هي بئر الكائن.
ــ الماءُ مادّة اليأس.
ــ إنَّ الماء هو وطن الحوريّات الحيّة. هو أيضاً وطن الحوريّات الميّتة. إنّه المادّة الحقيقيّة للموت المؤنّث كثيراً.
ــ إنَّ طعم التّفاحة ليس في التّفاحة نفسها، ولا في فم مَنْ يأكلها، وإنّما في التّواصل بين الاثنين.
أُنبِّهُ إلى أنّ التفاحة هي نفسها نِتاج آخر للماء في مُستلّ بورخيس، لا بل هي
ماء كلّها .
الآن أدفع مُستلّه من أدونيس أنبّه أيضاً إلى أنّه ثبَّته في آخر درجات سلّم ترتيب مُستلاّته العَتبيَّة من عتبة لا ليكون مِسكَ ختام مُبرّزاً كما قد يبدو لأوّل وهلة، نكون أنا وهو، عمقيّاً، أُفقيينِ إن دفعنا هذه الملاحظة بهذا الاتّجاه، وإنّما ليكون هذا المُستلّ أشبه ما يكون بنتيجة، أو مُعادل موضوعيّ خفيّ للأثر
هل يَحِقُّ لي أنْ أتخيَّلَ
أنّني أمرُّ تحتَ شُبّاكِ البيتِ
الذي وُلِدتُ فيهِ؟
ولِمَنْ أوجِّهُ السّؤالَ، يا هذهِ الرّيح؟.
نتيجةٌ عجيبة وموضوعيّة في آنٍ معاً . ذلك أنّها تبدأ بسؤال مُركَّب بقدر ما فيه من يأس» وإحباط» وقنوط» وهزيمة هل يحقُّ لي أنْ أتخيّل..؟ بقدر ما فيه من خبرة التّساؤل» وحنكته» وطفولته.
نتيجة كأنّها توحي بأنَّ الوقت جواد، وما بغيتُها إلاّ لَوْي عَنانه، علَّه يعود أدراجه إلى وراء.
وكأنّ الجواب هنا لا بدّ أن يكون هَمساً، وفي الخفاء نعم يحقّ لك أن تتخيّل، وأن تمُرّ وإلاّ لَما كان ليس الماءُ وحدَه جواباً عن العَطَش كتاباً حقق بيننا حضوره بكلّ ما فيه من حُرقة السّؤال» والتّفاؤل بالجواب .
ذلك هو جواب محمد صابر عبيد على ما يبدو لي، عِبرَ هذا المُستلّ ــ السّؤالِ ــ الجواب. وتُوَطَّدُ النّتيجةُ ــ المُعادل الموضوعيّ أتطيّرُ كثيراً من مفهوم المُعادل الموضوعيّ، غير أني وجدتني مُجبَراً على التّعامل معه بسؤال أعمق استفهاماً، وإثارةً للحيرة الشّعريّة
ولِمَنْ أوجّه السّؤالَ…؟ والأكثر إدهاشاً وافتناناً وسحراً وإشكالية أنّ السّؤال مُوجّهٌ إلى الرّيح، وكأنّ أدونيس المقروء» ومحمد صابر القارئ الذي كان قصديّاً بتمام المعنى في اختياره لهذا المُستلّ، يوحيان إلى قراءتنا بسؤال آخر قبل أن تستنتج لِتُجيب تنبّه جيداً إلى معنى الرّيح ومغزاه.
الرّيح؟ . كأنّها هنا هي الزّمن نفسه، وإلاّ ما معنى أن يسألها شاعر في الثّمانين من طفولته مثل هذا السؤال؟.
كأنّه يطلب منها أن توفّر له وقتاً من دون أن تذروهُ، ليمرَّ ولو مرّةً من تحت شباك بيت طفولته ذاك؟ . حقّاً إذاً يجب على النّقد إذا أراد أن يكون خلاّقاً، أن يُشدِّد على مُتَّجَهِ النّص الشّعريّ، لا على مُنْبَثَقهِ، وعلى منظوراته، لا على شروطه 1 .
قصّابين» زُمّار
ما كان أدونيس ليكون ريفيّاً أو حتّى مُتريِّفاً من بعيد بأيّ معنىً من المعاني الدّارجة للكلمة، وإن وُلِد، وتَفتَّى، وشبَّ في قصّابينَ ــ القرية.
قصّابين التي أتكلّم عليها هنا هي القرية الأدونيسيّة، ذلك ما أجدهُ التّعبير الدّقيق المُتيسِّر لي، كي لا نغفل الجذر التّاريخيّ لأدونيس ــ الاسم بوصفه أسطورةً غنيّة عن التّعريف.
قصّابين التي وُلِدتْ وشبّت على ساحل البحر المتوسط حيث وُلِدت الأبجديّة أيضاً. إنها جارة أوغاريت. وارثة اللغة العربيّة القريبة من المَحكيّة الكنعانيّة. إنّها تنتمي إلى التّاريخ الأقدم.. 2 .
وفي هذا الضّوء تكون قصّابين بالنسبة إلى أدونيس هي الرّحِمَ» والمهدَ» والبحرَ» ومهدَ الأبجديّة» والأصلَ» وسميَّةَ أوغاريتَ» بل إنّها التّاريخ نفسه. حسناً لا تتوقّف قصّابينُ القرية والطفولة والذّاكرة والحلم المستمرّ بقسوة في الكيان والضّمير والرّؤية والرّؤيا عند حدود انتماء أدونيس التّقليديّ المُنَمّط لها بوصفها أنموذجاً مُلخّصاً لريف السّاحل السّوريّ الذي أنجبه .
تلك هي إذاً زاوية نظر محمد صابر عبيد إلى قصّابين أدونيس بشرط أدونيس الأسطوري، إذ كيف يمكن لها أن تكون رؤيا» وخارج حدود انتماء أدونيس التّقليديّ المنمّط لها… بوصفها ريفاً من دون هذا الشّرط؟ .
حقّاً إنّها لَلُعبةٌ. لعبةُ الشعر ــ الرّؤيا كما وصفها محمد بمعنىً قريب من هذا، بكلّ ما في قراءته الشّعريّة أؤكّد على الشّعريّة من سحر وجمال» ودقّة نقديّة أؤكّد على نقديّة وافتتان وعمق في طاقة اللعب في القراءة 3 . حقّاً إذاً إنَّ للعبِ جدّيته كما عبّر غادامير.
وتلك جدّية قراءة عبيد. جديّةٌ قرأت لعبة المجاز الشّعريّ شعريّاً وليس نقديّاً فحسب، ذلك أنّها ظلّت تقرأ كلّ ما هو خفيّ بأسلوب الخَفاء نفسه، بأسلوب الشِّعر ذاته، وكأنّي بها كلّما جَلَتْ خَفيّاً تحوّل هذا المَجْلوُّ إلى خفيٍّ… وهكذا… مِمّا جعلها قراءة تظلّ هي الأخرى كما المقروء في حاجة مستمرّة إلى قراءات أُخر.
تلك هي ما يمكن أن أسمّيها قوّة القراءة الشّخصيّة المزدوجة.
X
زُمّار هي الأخرى قرية ولكن في الرّيف العراقيّ ــ المُوصليّ. يحتضنها دجلة مثل قوس أو هلال. يبدو كأنّه مُكِبٌّ عليها كَمِثل أب.
تتمتّع زمّار بخليط سكّانيّ خلاّق بتنوّعه. قرية هجينة، كأنّها الحداثة» وقصيدة النّثر. قرب إحدى خاصراتها آبار عين زالة النفطيّة التي انكبّتْ عليها شركة نفط انكليزيّة ردحاً من الزّمن. من هنا على ما يبدو تمتّعتْ زمّار بلمسة رُقيٍّ كمثل عين زالة؛ أناقةً وحضوراً ولياقةً عبر ذاك الفضاء الانكليزيّ الذي هيمن على ضفّة دجلة كلّها هناك ــ آنذاك.
ذلك توكيد آخر يدعم تخميني لاختيار محمد صابر عبيد ــ الزُّمّاريّ لنصّ غيمة فوق قصّابين لأدونيس ــ قصّابين، وبدافع نفسيّ وتاريخيّ وحلميّ… أيضاً، كما وصّف هو نفسُه علاقة أدونيس بقصّابين ــ القرية.
إنّه الجذر القرويّ بكل توصيفاته التي خلَّقها أدونيس عِبرَ قصّابين المكان ــ الحلم ــ الأبجديّة ــ التّاريخ ــ الأب ــ الأمّ ــ الجَدّ ــ الطبيعة…، حتى صار هو نفسه الغيمةَ ــ العينَ التي تمرّ من فوق قصّابين، ولكن بهذه التّوصيفات التي خُيِّلَتْ إليه» وخَيَّلَها هو بدوره إلينا» وارتآها محمد، وكأنّه هو الآخر أراد لِزُمّاره أن تكون قصّابينَ أخرى ــ قصّابينَهُ هو بالمعنى الشّعريّ طبعاً، وليس بمعناها الانتمائي الدّارج.
زُمّار هي الأخرى المُخلَّصة من ريفيّتها، أي من ثباتها» زمّار المُحوَّلة إلى الحَراك ــ حَراك ابنها الرّائي الذي يرى أنّه هو الآخر كما ابن قصّابين قد تحوّل إلى غيمة ليمرّ من فوق زُمّاره، وهو يكتب قراءته عن قصّابين.
X
اَلجَمال الذي تنسجه الطبيعة ثوباً للقرية يولّد بهجة وفرحاً، غيرَ أنّهما على ما يبدو
آنيّان ولا أقول سطحيين.
بهجة وفرحاً هما نفساهُما يُكابدان كلّ أنواع القسوة والضّيم والتّعب والأحلام المؤجّلة
باستمرار.
هذا الجَمال الذي لا يلبث طويلاً كما حلم قصير العمر.
الجمال المُتسربل بالعَوز بعامّة، و الخوف من الحياة بخاصّة كما عبّر الرّائي المقروء،
وشدَّ على كفّ تعبيره الرّائي القارئ.
جمالٌ لا يمكنُ أن يصعد سلّمَ فرحِه، شعريّاً، إلاّ ليتفاجأ رأسُهُ بسقف من الحزن . وهذا
في ظنّي ما حرّض أدونيس ليكتب
قُبيلَ الغروبِ،
كانتْ أصواتُ العَنادلِ تملأُ أرجاءَ بيتِنا،
بموسيقى خضراء.
وكانَ البيتُ فيما يسمعُ،
يصعدُ سُلَّمَ الفرحِ،
مُرتَطِماً بسقفِ الحُزن.
وهذا نفسه كما يُخيَّلُ إليّ ما دفع محمداً لقراءة خطاب هذا المشهد بالمعنى الذي ذهب إليه، كونه يدرك جيداً بوصفه ناقداً مبدعاً أنّ النّقد خطاب حول خطاب. هو قول ثانٍ، أو قولٌ واصِف 4 .
وأثبِّتًُ من جهتي بل إنَّ النقد المُبدع خطاب في خطاب» وقول في قول.
أ
صحيح أنّ صابر عبيد ــ الأبّ أُجبِرَ، أو آثر العمل لبقية حياته مُنقِّباً أجيراً عن النفط في عين زالة، بعد أن هجر سِكّة الفلاحة، ليكتسي طابعاً آخر، غير أنّه بالمعنى الخفيّ للكلمة ظلّ مرتبطاً بالطبيعة والأرض من فلاحة الأرض إلى التّنقيب فيها فيراه محمد
جبلٌ مِن الصّمتِ المُحمَّلِ بالنّخيلِ وبالصّحارى
تشرئبُّ الخيلُ في عينيهِ.. 5 .
أمّا أحمد سعيد ــ الأب فكان قد آثر الدِّين والتّفقّه فيه، وغالباً ما يرى أدونيس أباهُ ملاذاً وعلامةً لِمَن حوله، بل نقطة الدّائرة . وأحمد هو الآخر ظلّ في اتّصال جذريّ مع قصّابين ــ الأرض، كونها بالنسبة إليه الوطنَ الدّائم، والسّيرة المتواصلةَ، وأوّلَ الملاذ وآخرَه.
ذلك على ما يبدو ما جعل أنساغَهما لا تزال في صعودها وهبوطها ضاجّةً بمحمولات ريفيّة في خِطابَي أدونيس، ومحمد صابر عبيد، غير أنّ ما في هذين الخطابيْن من سحر وإدهاش ورُقيّ وافتتان ما رفع هذا الانتماء القدريّ التّاريخيّ التقليديّ لكليهما إلى منطقة جَمالات عجيبة، بالنسبة لأدونيس بوصفه شاعراً ومفكِّراً خلاّقاً، ومحمد صابر بوصفه ناقداً خلاّقاً في شيفرة أدونيس الشّعرية .
بَداهةً الانتماء الجذريّ قَدَر، غير أنّ الهويّة الإبداعيّة والثقافيّة هي حقّاً اسمٌ شخصيّ، كونها تربيةَ وعيٍ، وحريّة اختيار، وصناعة حياة شخصيّة عبر الكتابة، لا انتماءً تقليديّاً بأيّما معنىً من المعاني، وما يبرز في العَلن والخفاء من احالات ما هو إلاّ تلك المحمولات الدّالة، ولكن المُحوَّلة باللعب الشعريّ والثقافي ما من مدلول يُفلت من لعبة الإحالات الدّالة…… إنّ قيام الكتابة هو قيام اللعب 6 .
والآن تنقل الرواية السير ذاتيّة الشعرية مسار حركة الأب ذات المناخ الاجتماعي
الأليف المُتكشّف عن حضور بارز….. انسجاماً مع حسّاسية الطفل الذي يرى في أبيه
أنموذجاً يجب أن يحذو حذوه … لم تكن بهدف فنّيّ محض تحقّقهُ عينُ الطفل السينمائيّة
الرّائية فحسب، بل حاجة نفسيّة وروحيّة ضاغطة لا مجال لتفاديها في الوقت ذاته 7 .
وهي لكذلك حاجة نفسيّة وروحيّة ضاغطة بالنسبة إلى الطفل محمد صابر عبيد، وليس
لأدونيس ــ الطّفل فحسب.
ب
ـ في مقطع أبي يكتب محمد صابر عبيد
جبلٌ مِنَ الصّمتِ المُحَمَّلِ بالنخيل وبالصّحارى
تشرئبُّ الخيلُ في عينيهِ،
تطوي البيْدَ،
تلوي ــ خلفَ سرعتها ــ عباءات الرّياح. 8
ـ يكتب أدونيس
كان أبي يزورُ أصدقاءهُ في القرى
يسيرُ حاملاً عصاهُ المُقوَّسةَ الرّأسِ،
وراءَ ظهرِهِ.
كنتُ أسرِّحُ بصري في خطواتهِ
إلى أن تصبحَ ضباباً.
وكانَ، فيما يبتعدُ، يمدُّ أحياناً هذهِ العصا
في اتّجاهي، كَمِثلِ شهابٍ نحيل. 9
ـ يكتب أدونيس
كان الجيرانُ
يحيطونَ بأبي كأنّهُ نقطةُ الدّائرة. 10
والآن
الأب صابر عبيد
جبلٌ مِن الصّمتِ المُحمَّلِ بالنخيلِ وبالصّحارى.
تشرئبُّ الخيلُ في عينيهِ
الأب أحمد سعيد
عصاهُ مقوّسة الرّأس
للعصا بطبيعة الحال دلالات عِدَّة .
وراءَ ظهرِهِ.
ولهذه الحركة دلالاتها
يمدّ أحياناً هذهِ العصا
في اتّجاهي، كمثلِ شهابٍ نحيل.
لاحظ دلالة العصا مشبَّهةً بشهاب .
… كأنّهُ نقطةُ الدّائرة. مركز. قيادة، وإمامَة .
هل يبدو هذا استطراداً منّي؟ . أظنّه إضاءةً ــ من بعيدٍ ــ للتأثير الأبويّ على خِطابَيْ المقروء أدونيس والقارئ محمد صابر عبيد من زاوية الرّؤية والرّؤيا معاً.
هذه الزاوية التي أراها مُحرِّضاً خفيّاً آخر يُعدّ من أهمّ المُحرِّضات الرّئيسة التي كانت وراء اختيار محمّد لنَصّي غيمة فوق قصّابين و العين دون سواهما.
تلك الزّاوية هي مَن أشعلت أمامي ليل كتابتي هذه؛ نجوماً ورؤىً، وفتحت لي أفقها، فتلمّست هذا الجذر المشترَك بينهما بانتماءيه القدريّ التقليديّ» والآخر الإبداعيّ، ولا أزالُ أنصتُ إلى هسيس هذا الجذر الحيّ» وهَسيسَيهما.
X
علاقة خفيّة ــ جليّة أخرى ما بين المقروء» والقارئ. علاقة محورها ،هذه المرّة، الأمّ القرويّة، كتب أدونيس
أحياناً في غياب أبي،
كنتُ أرى القمرَ ينزلُ على دَرجِ الليلِ،
خطوةً خطوةً،
لكي ينامَ خفيةً على ذراعِ أمّي
وكثيراً ما رأيتُ النّجومَ تذوب فوقي 11
كتب محمد صابر في مقطع أمّي
ما لهذا الوجهِ تحتفلُ النّجومُ بهِ
يهفو الفؤادُ،
فتنثني الشّمسُ ويخضرُّ القمر. 12
والآن ــ القمر ينزل على درج الليل
ما لهذا الوجه تحتفل به النّجوم.
ــ ينام خفيةً على ذراع أمّي
يهفو الفؤاد.
ــ كثيراً ما رأيتُ النجوم تذوبُ فوقي
فتنثني الشّمس ويخضرّ القمر.
تلك ليست مؤثّرات كما قد يُزيَّنُ لنا، بقدر ما هي ابتكارات.
الأمّ في القرية غيرها في مكان آخر، ذلك أنّها بالنّسبة إلى أبنائها كلّ شيء تقريباً من صياح الدّيك حتّى صياحه في كلّ مرّة، فكيف إذا ما كانوا كَمِثل أدونيس ومحمد؟ .
القمر والنّجوم في سماء القرية هم أيضاً غيرهم في سماء أخرى، يكونون قريبين جداً منك كأنهم أحياناً يتحلّقون معك حول شعلة نار.
كأنهم يتجولون معك في صيف الحقول.
باختصار كأنّ الأمّ في القرية الطبيعةُ ذاتها بسمائها وعشبها ومائها.
باختصار أكثر الطبيعة نفسها تتحوّل في القرية إلى امرأة خلاّبة غير مُقفَّصة كما في مكان آخر.
اَلطبيعة في القرية امرأة حرّة.
اَلطبيعة في المدينة امرأة مُحجَّبة.
هنا أحاول اللعب على مفهومين الحرية بوصفها غياباً حضوريّاً بالمعنى الآيديولوجي العام للكلمة» والحجب كونه لا يزال غياباً سطحيّاً بالمعنى نفسه ــ عندنا، غير أنّي أحاول أن ألعب عبرهما بالمعنى الفلسفي للكلمة.
أَدونيس شاعر انعطافات وإشكاليّاتٍ خلاّقٌ، ذلك أنّه شِعراً وفِكْراً يظلّ في كلّ مرحلة وعبور، مفتوحاً على تمرّده المفتوح هو الآخر على سحر الأسرار والمجهول، وهذا بداهةً يتطلّب نقداً يتمتّع بذلك كلّه، كي يتمكّن من قراءته قراءةً عضويّة كأنّها جزء لا يتجزّأ من حركة الشِّعر الدّاخليّة ذاتها، ليتمكّن من جسّ دلالاته الخفيّة وفحصها» دلالاته التي تنبض كجمر تحت رماد المعنى الظّاهر» وتلصف كَمِثل نجم بعيد لم يُكتَشف بعد.
وهذا في ظنّي ما كانت عليه قراءة محمد صابر عبيد في شيفرة أدونيس الشعرية .
قراءةٌ خلاّقة في كتابة شعريّة لشدّة سِحرها لا يمكن أن يُرى لمعانها إلاّ في العمق، ذلك أنها باختصار كتابة طبقات.
قراءةٌ كأنها شفرة كلما كشطت طبقةً من تلك الطّبقات ازدادت هي نفسها سحراً ولمعانا.
/5/2012 Issue 4211 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4211 التاريخ 28»5»2012
AZP09
























