محسن سليمان يستجيب لمتطلبات النص القصصي.. الآخر الغائب في كائن كالظل
جابر خليفة جابر
ستة عشر نصا قصصيا هي ما قدمه القاص محسن سليمان في كتابه ” كائن كالظل ” وشغلت 80 صفحة، ومن الوعي النقدي أن يحجم المؤلف عن تجنيس كتابه هذا، إذ لم يقل على الغلاف شيئاً بهذا الخصوص، لم يجنسه لا بنصوص ولا بقصص ولا بأي تجنيس آخر، ولكن المتن هو من يكشف عن أن أغلب ما حوته المجموعة هو نصوص قصصية، عدا بعضها مثل (بائع الذرة) القصة الجميلة، و(نسمة من الشمال) وربما غيرها بنسبة ما، لكن الغالب هو أنها أقرب إلى التجنيس كمجموعة نصوص قصصية منها إلى قصص قصيرة. وهذا هو سبب إحجام المؤلف عن تجنيسها وكان محقاً، كما كان دقيقاً باختياره لشكل غلافه بذاك الرجل الظل المنتعل لحذاء حقيقي وبالخلفية التي تكاد تكون رمادية وبدا هذا التشكيل الفني متناسقا مع عنوان المجموعة (كائن كالظل) وكلاهما ينسجم تماما مع المتن القصصي فشخصيات النصوص لا تكاد تظهر إلا خفيفة الحضور وخفية الملامح، فهي كائنات هلامية أقرب إلى الغياب على الرغم من حضورها في الأحداث، ففي النص الأول والذي حملت المجموعة اسمه (كائن كالظل) يتم اختراق حاسوب الراوي من قبل هاكرز مهذب لا يؤذيه بل يدعوه إلى اللقاء وهو في خضم آلامه ومعاناته من مرض القولون واضطراره إلى تحمل انتهاكات الناظور لجسده، كلاهما متلصص نافع أو مهذب إذن الهاكرز و الناظور، فالأول تسلل إلى معلوماته وصوره وحياته الرقمية الافتراضية و الناظور تسلل إلى حياته وأسرار جسده الخفية حتى عنه شخصيا، في هذا النص يضعنا القاص محسن سليمان أم تسونامي الاجتياحات العلمية لخصوصية الإنسان وأسراره مما يجعله هكذا مكشوفا بشكل موجع ومرضيٍّ أمام كائنات يشعر بحضورها ولا يراها ، أنه فعلا كائن كالظل، متلازم معنا ومتخف عنا في آن. وقريب من هذا التشكل نجد أن الراوي في نص (حلم وحقيقة ) يكاد يتماهي مع الأخر، مع ظله ويكاد يغيب فيه، مُضافاً إلى تلك الغربة التي يشعر بها الراوي بين غرباء هم الهنود ومدينة غريبة هي بومباي، ولعل إلحاح الراوي بعدم وجود غربة هو من جهة أخرى تأكيد لغربته، وكما يقول بورخس: إخفاء الشيء أفضل طرق الإشارة إليه. بل أن الراوي يكثر من التشبيهات لنفسه حتى يكاد يكون هو ذاته ظلا . وذات الأمر في نصه القصير ( صديقي اللدود) يرسم لنا المؤلف تماهيات شخوصه ببعضها إلى درجة تبادل الذات وعرضها للقارئ بحالة رجراجة غير مستقرة وبأشكال هي اقرب إلى التغير والهلامية من الثبات. وفي (مقطع من نيسان) يلفت العدد ” أربعة ” انتباه القارئ فنيسان هو الشهر الرابع من السنة الشمسية وفقا للأسماء الرافدينية العراقية للشهور وفي حوار للراوي مع رفيقه الحلم يقول : ( أربعة أشهر عجاف) ويقول في موضع قبله: ( على مدى أربعة أيام .. كنت رفيقاُ) ثم يصف هذا الرفيق بمواصفات لظل كائن وليس لكائن حقيقي فلا كلام بينهما ولا أية ملامح واضحة للكائن الظل، سوى أنه لا يظهر إلا متثائباً أو حين يعطس، يغطي وجهه ومن عادته الغموض. ويختتم النص بإعلان صارخ عن الغياب، الغياب غير التام كما هو ديدن كل الشخصيات في هذه المجموعة: ( أقترب منك / تبتعد/ وتظل صورتك ناقصة ). وتتشح نصوص عديدة أخرى من المجموعة بهذا الظل وهذه الشبحية للآخر الحاضر والمتخفي في آن كما هو في نص ( شيطان) و ( نزهة قصيرة مع رجل أخرس) الخرس هنا غياب جزئي، بل أن الآخر النابع من الذات متعدد الأوجه هنا ( أقدمك إليهم بتسعة أوجه). والمؤلف يصرح بلسان إحدى شخصيات نصه ( أفروديت) : أنا أحب الغرائبية ، بل أن مادة كالآيس كريم غلبت بسطوتها النصية على أسطورة وحكايات ايروس وافروديت، هذه المفترضات التي تزيح الواقع وتحل مكانه تمثل الثيمة الأساس في هذه المجموعة النصية، فالأخر الغائب المزاح هو الواقع الحقيقي المغيب أما الذات الحاضرة، ذات الراوي فهي ذات قلقة لا تكاد تستقر ولاشيء لها ولا ثبات وكل ما فيها مستباح ومرئي ، وهذا ما يقوله نص ( تلصص) بوضوح عبر شبكة من أفعال التلصص بين الراوي والرجل الجالس بجنبه وبين النادل وحتى القارئ يتم استدراجه للتلصص على شخصيات هذا النص القصصي القصير الثري بالإشارات. وكما تقدم فكل نصوص المجموعة تقريبا تنطــــــــوي تحت هذه الظلال الشبحية وتحقق حضورا باهتا لشخوصها وغيابا واضحا في آن ، ولكن القص تتغير نغمته وطريقته في القصة القصيرة خاتمة المجموعة وعنوانها ( بائع الذرة) ومع أن الغياب بقي هنا هو المهيمن على المشهد القصصي فقد مات أبو نوار وأخته وعريسها غرقوا هم وما معهم، كما غابت الشقراء الأجنبية وان أعطت لنوار مبلغا جيدا، غابت على أمل ان تعود ، كأنه أمل بعودة الأب لينقذ نوار من معاناته وهو يعيل تحت حر الفجيرة أسرته ببيع كيزان الذرة، لكن تلك العودة التي تحققت فعلا ، إنما بطريقة مأساوية وفانتازية معا ، حضرت الشقراء بنقودها، لكن النقود اختفت بأيدي اللصوص الأفغان، وما أن غابت نقود الشقراء حتى حضرت هب بذاته ولكنه حضور تزامن مع غياب نوار ذاته تحت عجلات السيارة التي تقل الشقراء، متوالية الحضور والغياب في قصة بائع الذرة وإثاراتها الإنسانية المؤلمة هي ختام جميل لمجموعة نصوص قصصية ثرية للقاص الإماراتي المبدع محسن سليمان .
























