متى يرفع الحصار عن الكتاب ؟

متى يرفع الحصار عن الكتاب ؟

أتيح لي ان اجري حوارات مع أصحاب دور النشر العراقية، كما أتيح لي ان احضر ندوات عقدتها هذه الدور لمناقشة ودراسة العلاقة بين هذه الدور ووزارة الثقافة، حيث كانت الدور وما تزال تعاني من عدم قدرتها على تصدير المطبوعات العراقية الى الخارج، والمشاركة في المعارض العربية والدولية، ذلك لان وزارة الثقافة مازالت رغم خروج العراق من الحصار تتمسك بالقرارات الصادرة اثناء الحصار اذ يعامل الكتاب مثل السلع الغذائية والاستهلاكية وتفرض على تصديره مبالغ نقدية معينة، ويرى أصحاب دور النشر ان قرارات الحصار تحول بينهم وبين التعامل الحر مع الكتاب الذي يعد سلعة ثقافية معروضة بارخص الأسعار، وبكل الأوقات والظروف وعدم تحميله تبعات وابعاد الظروف الاستثنائية. وفضلا عن ذلك فان استمرار هذه الظروف والاحوال من شأنه اغلاق الأبواب على الكتاب العراقي وعدم قدرته على منافسة الكتاب العربي وبالتالي جعله محصورا داخل الحدود العراقية، ويطرح أصحاب دور النشر العراقية تعرضهم لخسائر كبيرة بسبب الحصار المفروض على الكتاب العراقي، وهي في الغالب خسائر معنوية وثقافية وقد تنسحب هذه الخسائر على البحوث والدراسات، اذ يجد الباحثون انهم مرغمون على ما يريدون بحثه ودراسته، لان المراجع والمصادر غير متوفرة ولان الحصول عليها يتطلب الكثير من النقود والأموال ويرون ان تعامل الحصار مع الإصدارات في العراق ينبغي ان يكون حالة مرهونة بظروفها، وقد انتهت هذه الظروف ولم يعد للحصار ما يبرره، وما يؤدي الى استمراره ويرى أصحاب النشر العراقية ان في العراق تقاليد ثقافية سالفة، تعطي للكتاب أهمية كبيرة وتبعده عن التعامل المادي البحت، والتعامل السلفي وان من غير المعقول فرض حالة استثنائية على العلاقة مع الكتاب، وجعله محكوما بها ومقيدا باغلالها. والعلاقة مع الكتاب بهذه الصيغة يجعل الناشرين العراقيين في موقع ادنى من زملائهم العرب والأجانب، حيث يستطيع صاحب دار النشر العربية والأجنبية ان يصدر للعراق ما يريد من مطبوعات وان يشارك في معارض الكتاب العربية والأجنبية فيما لا يستطيع صاحب دور النشر العراقية القيام بذلك. ان الشكوى العراقية من تعامل السلطات العراقية مع الكتاب هي شكوى موضوعية ومحقة وعادلة وهي شكوى تستحق من الحكومة العراقية دراستها ووضع الإجراءات الكفيلة بمعالجتها، ولكن الشكوى لا تحل هذه مشكلات وقد طرحت هذه الشكوى في العديد من الندوات والاجتماعات، وقدمت بشأنها مراسلات ومذكرات رسمية، وبلورت وعود وإجراءات بشأنها ولم يحسم الرأي النهائي بذلك، ان اهتمام الناشرين العراقيين بهذه القضية المهمة اهتمام يتطلب المتابعة المستمرة وعدم التوقف عند حدود الجزيئات والوعود الآنية، اذ يتطلب هذا الاهتمام عدم حصر الندوات في اطار اتحاد الناشرين العراقيين فقط، وانما فتحها امام مشاركات الاتحادات والمنظمات الثقافية بحيث تكون عملية المطالبة برفع قيود الحصار عن الكتاب العراقي عملية تخص كل المثقفين العراقيين بكل انتمائهم واختصاصاتهم، اذ رغم أهمية الكتابة للمؤسسات الاكاديمية، الا انهم لم ترفع صوتها لجعله متاحا بكل عناوينه واختصاصه ولم يشهد شارع المتنبي رغم كونه شارع الكتاب اية فعالية تخص الكتاب بمشاركة واسعة من المثقفين. ويفتح المركز الثقافي البغدادي فرصا واسعة لاقامة ندوات واجتماعات للدفاع عن الكتاب العراقي في مواجهة قرارات وإجراءات الحصار ولكن ذلك لم يحدث بشكل دائم، كما ان الندوات والاجتماعات كانت محدودة وآنية وغير فاعلة وغير مستمرة ومن المقترحات المهمة إقامة فعاليات إعلامية وثقافية في معارض الكتاب العربية والأجنبية التي تقام في بغداد والمحافظات العراقية ويتم فيها عرض نماذج من الكتب التي تعرضت للحصار، ولم يرفع عنها حتى الان، ومن المهم في هذا المجال إقامة معرض للكتب المستنسخة اذ جاء الاستنساخ لتوفير الكتاب بأسعار زهيدة وتوفيره بعناوين قابلة لشرائه من الباحثين والقراء العراقيين. ان السائد في العراق ان الجهات الرسمية في وزارات النقل والاتصالات كانت تتعامل مع المثقفين الموفدين لأغراض ثقافية بشكل مختلف مع غيرهم من الفئات والشرائح الاجتماعية والمهنية، اذ كانت هذه الجهات تسمح بإصدار الكتب بمبالغ نقدية زهيدة ويتم اصدار تذاكر سفر زهيدة أيضا بالمقارنة مع المسافرين الاخرين. والمهم ان يتم الضغط على الجهات الحكومية لاعادة العمل بالإجراءات نفسها، وتعزيزها بمزيد من الاحترام والتقدير للكتاب وان يتحقق ذلك في استخدام وحشد كل الإجراءات والصيغ الرسمية وغير الرسمية الداعية الى التعامل الحر مع الكتاب وجعله منطلقا أساسيا للحرية في الميادين الأخرى.