متحف ألف ليلة وليلة حلم فنان ظل معلّقاً – فنون – علي ناصر الكناني

رحيل التشكيلي الرائد علاء الشبلي

فقدت الاوساط الفنية والثقافية الفنان التشكيلي علاء الدين محمد صالح الشبلي بوفاته يوم الاثنين 14-12-2015  عن عمر تجاوز الـ70  عاما الشبلي بعد صراع طويل مع المرض استمر لاكثر من عامين ويعتبر الشبلي من الفنانين التشكيليين الرواد الذين حرصوا على توثيق العديد من ملامح الحياة البغدادية عبر لوحاته التي قدمها عبر سيرته الفنية التي امتدت لاكثر من نصف قرن من الزمان اقام خلالها العديد من المعارض الفنية داخل العراق وخارجه وتواصل في ممارسة الرسم حتى اصابته بالشلل الذي افقده قدرة الحركة والنطق من جانبها اصدرت امانة بغداد بيانا نعت فيه الفنان التشكيلي الراحل علاء الشبلي كونه يعمل خبيرا في المتحف البغدادي التابع لها والذي يعد احد مؤسسي المتحف في بداية سبعينات القرن الماضي مع الفنان الراحل فخري الزبيدي واشار البيان الى ان مجلس الفاتحة قد اقيم على روحة الطاهرة في جامع الخضيري في بغداد ولمدة ثلاثة ايام بحضور عدد كبير من الشخصيات الادبية والفنية وعدد من المدراء العامين في الامانة والعاملين فيها واعرب الفنان صباح المندلاوي نقيب الفنانين عن بالغ حزنه واسفه عن وفاة الفنان الرائد علاء الشبلي واضاف بان رحيل هذا المبدع الكبير يعد خسارة فادحة للمشهد الفني والساحة الثقافية والفنية في العراق مشيرا الى ان وفد من النقابة قام بزيارة وتكريم الفقيد قبيل رحيله باايام مع عدد اخر من الفنانين الذين اقعدهم المرض عن مواصلة عطائهم الفني في شتى الاتجاهات بالتعاون مع وزارة الثقافة.

  وكنت قبيل وفاته قد قمت بزيارته في شقته المتواضعة في منطقة البتاوين واستقبلتني عائلته الكريمة في حينها وخلال احتفالية يوم بغداد التي اقامتها الامانة في 15 /11/2015 حيث تم اقامة معرض استعادي وتكريمي له وكانت جريدتنا (صوت بغداد) قد اجرت معه حواراً موسعاً قبيل مرضه اثرنا ان نعيد نشر جوانب منه تقديراً لمكانة هذا الفنان المبدع الذي ستبقى اعماله الابداعية خالدة في ذاكرة المشهد الفني العراقي ومحبيه من المبدعين والمهتمين وليرحم الله سبحانه الفنان علاء الشبلي ويتغمده بواسع رحمته ويلهم اهله وذويه الصبر والسلوان (انا لله وانا اليه راجعون)

الخطوة الاولى:

اما عن  بدايات الفنان التشكيلي علاء الشبلي تولد عام 1943 والذي يعد من جيل مابعد الرواد ربما تكون متشابهة مع الكثير من البدايات الاولى لمعظم الفنانين التشكيليين لكن دخول هذا الفنان المبدع الى التفاصيل الدقيقة للحياة الاجتماعية البغدادية والتعبير عن مختلف الطبقات الشعبية ومجمل العادات والتقاليد التراثية والفولكلورية التي عرف بها البغداديون خلال العقود الماضية جعله يتميز ويتألق في مجال رسم اللوحات الانطباعية والواقعية أضافة الى حبه وولعه بهذه الجوانب الحياتية وتفاصيلها وحرصه على نقلها بدقة متناهية عبر موضوعات لوحاته التي قدمها طوال مسيرته الفنية التي ظل يتواصل معها على مدى أكثر من خمسين عاماً .

كانت بداياته الفنية مع الرسم منذ مرحلة الدراسة الابتدائية وبتشجيع من اقاربه الفنان المسرحي جمعة الشبلي ومدرس مادة الرسم الاستاذ عيدان الشيخلي وفي اواخر الستينات وبعد أفتتاح المتحف البغدادي الذي تم تعيينه فيما بعد مديراً له توثقت معرفته بعدد كبير من الفنانين المعروفين الذين من بينهم صلاح جياد وفيصل لعيبي واخرين كما تعرف على فنانين كبار اخرين مثل حافظ الدروبي ووليد شيت وما هود أحمد وشاكر الشاوي ونعمان هادي وتم تكليف هؤلاء جميعاً برسم لوحات فنية مازالت تزين جدران وقاعات المتحف البغدادي منذ ذلك الوقت ولحد الان .

أخر لقاء لي معه كان قبل عامين تقريباً وذلك قبل سفره الى الولايات المتحدة الامريكية كما اخبرني بإقامة معرض شخصي له بدعوة من الجالية العراقية هناك وقد ضم المعرض أكثر من سبعين عملاً فنياً تحاكي موضوعاته الحياة الشعبية والتراثية البغدادية ولكن وللاسف الشديد أنه أضطر الى تأمين هذه اللوحات لدى أشخاص يعرفهم لغرض عرضها في مكان أخر بعد عودته الى العراق ولكن فاجأه المرض ولزم الفراش وعند أتصال عائلته بهؤلاء هاتفياً لغرض معرفة عنوانهم بغية أعادة اللوحات لهم الا انهم توقفوا عن الاجابة على المكالمات الهاتفية وهكذا فقدت عائلته ثروة كبيرة تضم أكثر من سبعين لوحة فنية رائعة أبدعتها أنامل فنان عراقي اصيل . ويذكر لي نجله محمد بأن والده أشترى ذات مرة احدى لوحاته التي فقدها منذ سنوات من أحد محلات بيع اللوحات الفنية في الكرادة وبعد أن دفع ثمنها أخبره البائع بان هذه اللوحة النادرة تعود الى الستينات وقد توفي الرسام الذي قام برسمها , وعندها ضحك الشبلي واخبره وهو يغادر المكان بانه هو من رسمها ومازال حياً يرزق .

اما زوجته السيدة ام محمد فقالت لي في معرض حديثها أنهم على الرغم من الظروف المعيشية الصعبة التي يمرون بها الا انهم رفضوا بيع العديد من اللوحات التي مازالوا يحتفظون بها رغم وجود راغبين كثر بالشراء سواء في داخل العراق او خارجه . والهدف من ذلك كما تقول زوجته هو لاقامة معرض أستعادي له باشراف ولده محمد ليضم العديد من أعماله والتي وجدت قسماً منها خلال زيارتي له قد علقها على جدران شقته ومن بينها آخر لوحة رسمها ولم يكملها بسبب مرضه وهي تمثل الحلاقة في بغداد أيام زمان . كما ان آخر معرض شخصي أقامه كان في التسعينات من القرن الماضي.

 ويذكر أن الفنان الشبلي كان له الفضل الكبير في الحفاظ على مقتنيات وموجودات المتحف البغدادي مع بعض حراسه من السرقة والنهب بعد سقوط النظام السابق عام 2003 ونقل العديد من المقتنيات الثمينة والذهبية الى بيته للحفاظ عليها وقد قام بتسليمها الى أمين بغداد آنذاك علاء التميمي بعد أستتباب الامن وعودة الحياة الى طبيعتها في بغداد وقد حظيت مبادرته هذه بتقدير واعتزاز الجميع .

تأثر الشبلي بعدد من الفنانين الرواد الكبار أمثال فائق حسن واسماعيل الشيخلي وحافظ الدروبي أضافة الى الاسماء التي ذكرها .

وأقام العديد من المعارض الشخصية بين فترة السبعينات والتسعينات الى جانب مشاركاته الفنية الجماعية الكثيرة ويذكر انه كان قد قدم قبل عامين مشروعاً جديداً هو متحف الف ليلة وليلة و يضم مجموعة كبيرة من اللوحات الفنية التي تحكي كل واحدة منها أحدى قصص الف ليلة وليلة بالاضافة الى مكتبة عامة ودار سينما ومسرح تقام فيه المسرحيات والمهرجانات والمناسبات ومنتدى ثقافي وصالات مختلفة أخرى ومنوعة . وقد حصلت موافقة الجهات المعنية عليه والذي كان من المؤمل اقامته في مطار المثنى وعلى مساحة (100) دونم الا ان مرضه حال دون ذلك وقد كان هذا المشروع كما قال لي قبل مرضه بانه يمثل حلم حياته .