
لقاء مثمر – رجاء فوزي التميمي
أثناء تجوالي في السوق استوقفني محل لبيع التحف و الانتيكات التراثية و لوحات الفلوكلور العراقي و لوحات من الخط العربي والكوفي والزخرف المغربي و نماذج لآثار التراث العراقي من كل العصور التي مر بها العراق بالإضافة إلى أسد بابل و مسلة حمورابي وملوية سامراء والزقورات العراقية مع الأهرامات الفرعونية و اشكال من نماذج قواعد البخور الهندية مع أشكال المصابيح السحرية، و زين المحل بشتى أنواع الآثار العربية، مكان يأخذك إلى عالم ساحر من الجمال والفن والإبداع كان هناك صبي بعمر الزهور حدود الثامنة عشر سنة جميل بصباه يحمل ابتسامة بريئة نقية طاهرة بنظرات خجولة تحمل كل الترحيب بالزبون القادم لهذا المحل
قال: تفضل ست …
جاملته بابتسامة و شكر على أخلاقه الكريمة ….
دار بيننا كلام حول التحف و جمالها و تراث أجدادنا العظام .
كان الصبي لا يعرف إلا شيء قليل جداً بالتحف ودون معرفة بمكانتها الأثرية وقيمة الآثار عند الشعوب و الانسان شد انتباهي تمثال مسلة حمورابي و كيف سن القوانين حــــــول المسلة وانا اتمعن بها سألت عن ثمنها.
قلت: ولله يابني قليلاً بحقها مهما كان السعر غالياً
سأل الصبي: لماذا ست هذه قيمة هو مجرد تمثال من فخار؟ انتبهت بأن هذا الصبي لا يعرف عن الآثار شيئاً ولا عن التراث و قيمته عند الشعوب لا يعرف أن حضارة الأوطان بتراثها حاولت ولو شيء بسيط أن اشرح له عن آثارنا و حضارتنا و عمرها الذي يمتد أكثر من سبعة آلاف سنة و عن الدول البابلية والآشورية والسومرية و الأكدية
و من هو حمورابي و كيف سن القوانين تلك الدولة و عن أسد بابل و ماذا تمثل لنا ملوية سامراء و اشكال الزقورات و موقعها الجغرافي اسمي له التماثيل باسمائها الصحيحة اشرح له بكل انفعال و توضيح عن هذه الأمة العريقة و الصبي يصغي لي بكل انتباه و تركيز ثم قال نحن أصحاب هذه الحضارة ؟
قلت نعم يا بني..
قال كيف و نحن نستورد هذه التماثيل من الصين !!!
هم يصنعون تاريخنا على شكل نماذج لنزين بها بيوتنا أليس من المفروض نحن نتفنن بصناعة التماثيل و نصدرها للعالم ، الصبي يتكلم بلغة التجارة بأنه سيجني مالاً وفير ويكون وارداً آخر للعراق ، برغم الصبي كان يتكلم بمنطق تجاري بسيط لكن الدهشة والانفعال رسم على وجهه قال انا لا أعرف عن التاريخ شيئاً و قال بصوت يرتجف(ست) هل أنت مدرسة قلت له لا يا يابني أنا صحفية؛ أحسست إن الصبي لن ينل من الدراسة إلا شيئاً بسيطاً وأنا انظر إلى تقاسيم وجهه المنفعلة
انكس الصبي رأسه وقال أنا لم أكمل دراستي حتى مرحلة الإبتدائية ، الألم عصر قلبي على هذا الشاب الخلوق الذي يحمل كل معاني الأدب و الطموح و الفكر النير رغم أنه لم ينل من التعلم شيئاً.
سألته لماذا ؟
قال أنا وحيد امي أبي استشهد بأحد الانفجار التي حدثت في بغداد و امي مريضة بالسكري والضغط جدي حالته المادية ضعيف جداً نزلت لسوق الخضار ثم التحقت بخدمة الجيش بعدها طلبت مني امي أن أترك الجيش و اعمل هنا بهذا المحل و صاحب المحل أحد أقارب ابي.
اخذتني الصفنه وأنا انظر لحركات الشاب الانفعالية وهو يتلوى مع الحسرة و إلاه والالم حاولت أن الطف الجو و امتص غضب الشاب بابتسامة لطيفة و كلام سلس بإن العلم ليس لديه عمر محدد و لا قانون يمنع سألته هل تريد أن تكمل دراستك ؟ قال بكل عزم نعم… و انا افكر بهذا الموضوع لكن كيف؟ انعش قلبي بإصراره على التعلم كأنه أحد أبنائي وأنا أشد عزمه قلت له لك خياران أما الدراسة المسائية أو الدراسة الخارجية قال اختار الخارجي حتى أحافظ على رزقي و ادرس بالمحل ولي أصدقاء خريجين لم يتح لهم التعيين يساعدوني بالدراسة
قلت: وانا أكمل لك معاملة التقديم على الخارجي .
اغمرت الفرحة قلب الشاب و قال أقسم بربي و روح ابي الشهيد لأستمر بدراستي
واختار قسم التاريخ
و هذا وعد و عهد لك ست أثلج قلبي عهده لي بأكمال دراسته
وزرع في نفسي بذرة ألتفاؤل بأن ألغد أفضل نعم هكذا بدا لي طموح
ذلك ألصبي جليا بملامحه ألتي رايت فيها أدانة واضحه وصرخة رفض لواقع مجحف لم يأخذ فيه ألمستحق حقه بينما غيره يتنعم أخذ ماله وماليس له بغير وجه حق وصنع لنا جيلا محروما من أبسط ألحقوق ألاوهيء سبل ألعيش ألكريم وامكانية ألتعليم قد يكون صبينا هذا أوفر حظا من طوابير ألايتام وألمعوزين ألتي تعج بهم ألطرقات يفترشون ألارض ويلتحفون ألسماء يعصف بهم غبار ألسيارت ألفارهة من كل جانب.


















