لبنان عيد التحرير والفلتان الأمني

لبنان عيد التحرير والفلتان الأمني
رائد جبر
تطل ذكرى التحرير في لبنان هذا العام وهو يعيش ظروفا استثنائية، لا تقتصر على الفلتان الأمني وتداعياته الخطيرة، ولا على الأزمة السياسية المستفحلة، فهذان الأمران كما يقول أحد المعلقين، باتا جزءا من المشهد اللبناني الحافل بمتناقضات تطل برأسها عند المنعطفات الحاسمة لتعيد البلد الى واجهة الحدث الاقليمي، كلما حاول أن ينأى بنفسه قليلا كي يرتب أوراقه الداخلية ويستعيد بعضا من حياته الطبيعية. يتعرض لبنان، وهو يستعيد ذكرى التحرير المجيدة، الى محاولات محمومة لتصدير أزمات الجوار اليه. المقلق أنه بدلا من أن يتم توظيف ذكرى أول وأهم انتصار عربي على اسرائيل لتعزيز جبهة لبنان وتحصينه، تبرز محاولات استخدام ذكرى الانتصار لتعزيز مواقع طرف ضد آخر وكأن النصر لم يكن لكل اللبنانيين كما قال أكثر من مرة السيد حسن نصر الله. حال الفلتان الأمني المتجول التي فرضت حضورها في الأيام الأخيرة وأودت بحياة عدد من اللبنانيين تفرض التوقف أمام عدد من الأسئلة في يوم عيد النصر والتحرير.
والسؤال الأساسي المطروح بقوة الى أين يتجه لبنان بعد مسلسل الاضطرابات والاحتقانات المتصاعدة؟ وكيف يمكن للدولة أن تبرر عجزها عن احتواء الأزمة المتصاعدة ومنع الانزلاق نحو الأسوأ؟ فشل مجلس الوزراء اللبناني في وضع خطوات محددة المعالم لمنع انجرار البلاد نحو الفوضى برغم حضور الكلام العام عن دعم الجيش و فتح تحقيق في أحداث عكار وغيرها من حالات الفلتان الأمني التي هزت البلاد أخيرا. والواضح أن انعكاس حال الانقسام السياسي على أداء الحكومة ستكون له تداعيات أخطر لجهة اظهار العجز عن مواجهة الموقف المتفاقم ووقف تدهور الوضع الميداني. لكن الأسوأ من ذلك، أن تعيد التطورات العنصر الطائفي في الانزلاق الحاصل الى الواجهة، ما يوحي بأن محاولات جر لبنان الى مسار الأزمة السورية باتت موضع التنفيذ العملي. وليست جديدة محاولات النظام السوري نقل معركته الى الداخل اللبناني، مراهنا على تثبيت مقولته بأن مصير المنطقة مرتبط بمصير سوريا . لكن الخطر يكمن هذه المرة في بروز عجز المجتمع الدولي عن التعاطي مع الملف الداخلي السوري وهو أمر ينسحب على المحيط العربي الذي وان سعى لتهدئة التوتر كما ظهر من خلال محاولات السعودية لتخفيف حال الاحتقان، لكن هذه المساعي مازالت تبدو محدودة التأثير على الفرقاء اللبنانيين. ويبدو تفجير لبنان حاليا، أبرز أوراق النظام السوري لزيادة الضغوط على المجتمع الدولي، وهو أمر يجد توافقا من جانب حلفاء النظام السوري، لأن هذا التطور ينسجم مع توجهات طهران الساعية لفك الحصار الاقتصادي وتخفيف الضغوط عليها تزامنا مع المناقشات حول البرنامج النووي. ويخدم تعزيز المخاوف من نشاط السلفيين والأصوليين في لبنان أصحاب هذا التوجه، خصوصا أن هذا الموضوع تم توظيفه بنجاح في فترات سابقة، ومثال فتح الاسلام في الشمال اللبناني ليس بعيدا جدا. يبدو لبنان اذا عشية احتفاله بانتصاره الكبير الكعكة التي يستعد محور الأزمات لتقديمها بهدف تخفيف الضغوط عليه. وعلى هذه الخلفية تتخذ السجالات حول دور المقاومة ومكانتها بعدا جديدا. وتعيد ذكرى النصر الى الواجهة نقاشات أطراف الأزمة اللبنانية حول دور سلاح حزب الله الجديد، وما يوصف بأنه محاولات لتوظيفه في الداخل اللبناني، وهو أمر رد عليه السيد حسن نصر الله أكثر من مرة بالتأكيد على أن سلاح المقاومة خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
الأكيد أن المقاومة امتلكت رصيدا جارفا من التأييد في الشارع العربي، ولا يكاد يختلف اثنان على أن الغالبية الساحقة من العرب مازالت على عهدها في مبايعة المقاومة مادامت الأخيرة توجه سلاحها ومعركتها ضد المحتل الاسرائيلي.
لكن المقاومة في المقابل، لم تحسم أمرها بتأييد ارادة الشعوب التي دعمتها، وعلى العكس من ذلك وضعت رصيدها الهائل في جعبة معركة النظام السوري ضد شعبه. وما يزيد من حدة المفارقة أن النظام ذاته يستخدم نشاط المقاومة وذكرى التحرير لتبرير تصرفاته ضد شعبه تحت شعار مواجهة الهجمة العالمية على سورية. في ذكرى النصر تتجه العيون نحو لبنان، وتزداد مساحة التضارب بين الاعتزاز بمقاومته والخشية من أن يضطر مجددا لدفع فاتورة الآخرين.
وكالة أنباء موسكو
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
/5/2012 Issue 4209 – Date 26 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4209 التاريخ 26»5»2012
AZP07