كيف نتعامل إعلامياً مع حالات الإنتحار ؟ – جليل وادي

كيف نتعامل إعلامياً مع حالات الإنتحار ؟ – جليل وادي

بثت قناة الحرة عراق في نشرتها الاخبارية الرئيسة ليوم 25 / 7 / 2017 تقريرا عن حالات الانتحار في محافظة ذي قار ، وقد استوقفتي الكيفية التي تعاملت القناة ومراسلها هناك مع هذه الحالات الخطرة وما تنطوي عليه من آثار محتملة في المجتمع ،  ما حملني للكتابة في هذا الموضوع ، بغية لفت انظار الاعلاميين الى القواعد التي يفترض الالتزام بها بهذا الشأن .

حقائق وجغرافيا

بداية لابد من القول بعدم وجود احصائيات دقيقة عن حالات الانتحار عراقيا ،اما دوليا فيشير تقرير منظمة الصحة العالمي لعام 2014  الى ان ما يقرب من    800000    ثماني مئة الف شخص يلقون حتفهم كل عام انتحارا، وان أضعاف هذا العدد من الذين يحاولون الانتحار ، ويعد الانتحار ثاني أهم سبب للوفاة عند الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 15و 29 عاما ، وان    78 بالمئة من حالات الانتحار في العالم تحدث في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل ، وان ابتلاع المبيدات والشنق والأسلحة النارية من بين الأساليب الأكثر شيوعا للانتحار على مستوى العالم. والشائع في العراق ان هناك اتساعا في حالات الانتحار لاسيما بين النساء ، وانها موجودة في جميع المحافظات مع ارتفاع نسبتها في اقليم كردستان ، لكن ليست هناك جهات يمكن الوثوق بها بشأن اعداد المنتحرين ، فالمسألة في الغالب يجري التكتم عليها لاعتبارات اجتماعية ، وما يرشح عن ذلك يؤكد تسجيل 290   مئتين وتسعين حالة انتحار في العراق عام 2015  باستثناء المناطق التي احتلتها داعش واقليم كردستان ، وكانت نسبة الذكور في الانتحار أعلى من الاناث ، ونسبة الشباب في الانتحار اكثر من كبار السن  . وبحسب الأحصاءات التي تجريها منظمات المجتمع المدني، تأتي منطقة شنكال في مقدمة المناطق على مستوى العراق من حيث عدد حالات الانتحار وبالأخص انتحار النساء .

الاعلام والانتحار

 الحقيقة ليست لدينا تجربة اعلامية في التعامل مع حالات الانتحار ، فهي من أقل الموضوعات تداولا في وسائل الاعلام لاسباب اساسية منها : ان الحالات محدودة ولا ترقى لان تكون ظاهرة ، اذ يقع  العراق في مؤخرة الدول العربية من حيث عدد المنتحرين طبقا للاحصائيات الرسمية  السادس قبل الاخير ، و صعوبة التعامل مع هذه الحالات بسبب العادات والتقاليد الاجتماعية التي تجد في الانتحار اساءة الى سمعة العائلة بخاصة المتعلق منها بأنتحار النساء ، اذ غالبا ما تلصق هذه المسألة بالشرف ، لذلك كثيرا ما تسجل اسباب الموت انتحارا بالقضاء والقدر وغيرها ، كما ان الجانب الاجتماعي يعد من بين المعايير المهنية التي يجب ان تؤخذ بالحسبان في العمل الاعلامي ، ومن بين الاسباب ايضا عدم تزويد وسائل الاعلام بالاخبار المتعلقة بتلك الحوادث من الجهات المعنية ، وهي في العراق ترتبط بوزارة الداخلية .وقد يكون من حسن الحظ الا تصل اخبار حوادث الانتحار الى وسائل الاعلام ، لان نسبة كبيرة من العاملين في هذه الوسائل لم يتلقوا تأهيلا كافيا ، وتفوق اعدادهم اعداد المهنيين المحترفين ، وبالتالي تقود عدم المعرفة بالتعامل مع هذه المسألة الخطيرة الى نتائج عكسية قد يكون من بينها التحفيز على الانتحار وليس معالجة حالات ما قبل الانتحار، فقد وقعت وسائل الاعلام بسبب عدم معرفتها بالتعامل مع هذه الظاهرة بأخطاء كثيرة بالرغم من قلة الحوادث التي تناولتها ومن تلك الاخطاء :  تضخيم حالات الانتحار ، ومثال ذلك الاتهام الذي وجهته مسؤولة في اتحاد نساء كوردستان لوسائل الاعلام بأنها وراء أزدياد حالات الانتحار في منطقة شنكال من خلال تضخيميها ، وهذا ما دفع الشباب الى التفكير بالانتحار على حد قولها ، لذلك دعت وسائل الاعلام الى التهدئة والكف عن نشر هذه الحوادث . هذه الشكوى لم تقتصر على المسؤولة النسوية العراقية ، بل هناك شكاوى عديدة عربية وعالمية من أخصائيي علم النفس بأن الاعلام أسهم الى حد ما في انتشار هذه الحالات وحولها الى ظاهرة ، وقد تبين ذلك من خلال اعترافات الأشخاص الذين حاولوا الانتحار . وعلى محدودية ما تناولته وسائل الاعلام من هذه الحوادث ، الا ان هذا التناول كان ضعيفا وغير ايجابي ، لذلك لابد من استنباط  معايير محددة لكيفية التعامل مع هذه الحالات ،  بالشكل الذي يجعل تقارير وسائل الاعلام تقارير مسؤولة ،  لذلك نحتاج الى إطلاق استراتيجية إعلامية لنقل المعلومات الكافية عن الأمراض النفسية بما يحقق : تغطية إعلامية تشجع المرضي النفسيين على طلب المساعدة من الجهات المتخصصة ، والمساهمة  في رفع الوصمة  العار ، او الضعف ، او الجنون  عن المرضى النفسيين. قد تجد وسائل الاعلام ان من بين مهماتها تغطية حوادث الانتحار ، لكن يجب ان تتخذ تلك التغطيات اجراءات وقائية لأن حياة الأشخاص مهددة وفي خطر . وبما ان  حالات الانتحار تنتقل بين الاشخاص بالتقليد ، ومثال ذلك ما حدث في تونس التي شهدت تكرارا لحالات الانتحار حرقا بعد حادثة بوعزيزي الذي كان الشرارة التي اشعلت الثورة التونسية ، لذا يستحسن عدم تداول وسائل الاعلام لاخبار حوادث الانتحار ، قد يعترض الاعلاميون بأن ذلك تقييد لحرية الاعلام ، وحرمان الناس من معرفة ما يجري في الواقع ،هذا صحيح في جانب معين ، لكن خطورة هذا الموضوع على المجتمع تتطلب ان نقدم بدلا عنها برامج تثقيفية تتناول هذا الموضوع بطرق غير مباشرة كالحديث عن الامراض النفسية والعقلية وما له صلة بذلك ، لكن علينا ان نلتفت الى انه اصبح من الصعب السيطرة على استخدامات الناس لوسائل الاعلام وبخاصة مواقع التواصل الاجتماعي ، وهناك ادمان اجتماعي لهذه المواقع ، وموضوعة الانتحار من بين الموضوعات التي تتداولها هذه المواقع ، لذا اصبحت هناك حاجة ماسة لموضوع التربية الاعلامية لكيفية استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وعموم وسائل الاعلام .

ان التجربة الاعلامية العالمية مع حالات الانتحار افرزت مجموعة من النصائح التي لا ترقى الى ان تكون قواعد علمية راسخة لكيفية تعامل وسائل الاعلام مع حوادث الانتحار ،  لكنها مفيدة وادعو وسائل الاعلام العراقية الى الالتزام بها .

نصائح مهمة

ان وسائل الاعلام الغربية ليس لديها ما يمنع من تناول حالات الانتحار  ، وتعاملت معها بأساليب متعددة منها ما كان خاطئا ، فبعضه اعلام  يبحث عن الاثارة في تغطياته الاخبارية ، وغالبا ما ادت تغطياته لحوادث الانتحار الى وقوع الصحفيين في اخطاء قانونية واخلاقية ، فبعض التغطيات عرّفت بطرق ووسائل الانتحار ، ما دفع أشخاص آخرين أو شجعهم على الانتحار ، وبعضها كانت لها اثار سلبية على عائلة المنتحر او اصدقائه ، وفي ضوء ازدياد الاخطاء التي وقعت بها وسائل الاعلام الغربية قدمت منظمة Samaritans  البريطانية المعنية بهذا الشأن مجموعة من النصائح للصحفيين عند تناولهم لحوادث الانتحار منها : ان على الصحفي ان يفكر بالتأثيرات السلبية لتغطياته الصحفية في الجمهور المتلقي ، اذ يمكن لهذه التغطية أن تؤثر في الأشخاص الذين يعانون من ظروف صعبة أو مشاكل نفسية ، فضلا عن اضرارها على عموم المجتمع ، وان عليه الاتصال بالمصادر المتخصصة في تقديم الدعم المادي والمعنوي لمن يعانون من المشاكل النفسية أو العاطفية ولديهم ميول للانتحار، من أجل أن يطلبوا المساعدة، وبذلك يكون قد أسهم  في إنقاذ حياة الكثير منهم ، وحذرت المنظمة من الحديث عن طرق ووسائل الانتحار، فقد تبين أن تقديم المعلومات حول كيفية الإقدام على الانتحار، دفعت بالعديد من الأشخاص إلى تقليد السلوك نفسه ، ومن هنا يجب على الصحافي عدم تقديم أية معلومات عن الطريقة التي اتبعها الشخص في الانتحار، فعلى سبيل المثال من المسموح أن يقول “شنق نفسه أو تناول جرعة زائدة”، لكن من غير المسموح أن يتحدث عن نوع الحبل الذي استخدمه أو نوعية الحبوب وجرعتها وعددها ، وتجنب ذكر وسائل وطرق الانتحار في العناوين والمانشيتات الصحفية، حيث يعزز ومن دون قصد الطرق الشائعة للانتحار ، فضلا عن عدم ذكر وسائل وطرق الانتحار الجديدة غير المستخدمة من قبل ، فذلك يثير اهتمام  وسائل الاعلام الاخرى ، بما يدفعها الى البحث عن معلومات تفصيلية عن هذه الوسائل ،وحث الذين لديهم ميول للانتحار الى تقليد المنتحر واستخدام الوسائل نفسها ،كما يجب عدم تناول اسباب الانتحار ،لان هناك ما يسمى بالسلوك التقليدي ، فبعض الاشخاص يبحثون عن السمات المشتركة بينهم وبين المنتحر ، كالقول ان سبب الانتحار هو الديون المالية او فقدان العمل ، فمن شأن ذلك دفع الاخرين من الذين تواجههم الظروف ذاتها الى الانتحار . وأكدت ان على الصحفيين الا يصفوا  عملية الانتحار بالسهلة والبسيطة او السريعة غير المؤلمة ، لان ذلك يشجع ممن لديهم ميول للانتحار على تقليدها طالما هي متاحة وقابلة للتقليد . واهمية الكشف عن الحقائق المعقدة للانتحار وآثارها المدمرة على عائلة المتوفي واصدقائه والمجتمع ، وتجنب التصوير الدرامي لعملية الانتحار ، والحرص على التعبير عن حزن المجتمع لهذه الواقعة ، من خلال التركيز على مشاعر الحداد بدلا من تكريم السلوك الانتحاري ، ويجب عدم الاشارة الى ارتفاع نسبة الانتحار في مكان معين ووصفه بأنه وباء ، لان ذلك يبسط الامر امام الذين يرغبون بالانتحار ، او الترويج الى أن الانتحار يحقق نتيجة ، كالقول ان انتحار احد الاشخاص قاد الى القاء القبض على المجرم من قبل الشرطة ، ولابد من الحذر في التعامل مع الصور الفوتغرافية والفيديوية التي تتناول عمليات الانتحار ، وضرورة الاشارة إلى القضايا الأوسع التي تصاحب حوادث الانتحار مثل الإدمان على الكحول والمشاكل الصحية العقلية ، والتذكير بحوادث الانتحار التي  تم تجنبها وتراجع الأشخاص عن اتمامها ، وعدم تصوير الانتحار كفعل بطولي ورومانسي، بل كخسارة مؤلمة تترك جروحاً في العائلة على مدى أجيال ، ولا يجوز اختراق خصوصية الاشخاص المنتحرين . كالحديث عن بعض التفاصيل الشخصية ، ويمكن استثمار حالات انتحار الشخصيات المشهورة للحديث عن الظاهرة بهدف تثقيف الجمهور والتعريف بالمرض العقلي والاضطرابات النفسية .وعدم استغلال الاعلام للتعبير عن الآراء الشخصية في مثل هذه الموضوعات ، لان تلك الاراء قد تنطوي على اضرار غير محسوبة .