كوابيس – فاضل الغزي

قصة قصيرة

كوابيس – فاضل الغزي

ينهض فزعاً من نومه، حالة لازمته منذ الطفولة المبكرة القلقة، كوابيس مرعبة تنتابه بين الحين والآخر، ما أن يضع رأسه على الوساده الصلبة ألتي أكلت أطراف شعره من فرط صلابتها، والمحشوة بأشياء يجهلها؟؟

بعد يوم من العناء المتواصل يغط بنوم ثقيل، وينقطع عما يدور من حوله، ومايكاد يخيم عليه سلطان النوم حتى تتحرك الصور والمشاهد المرعبة، يعيش إخراج فيلم سينمائي، لا قصة واضحة له، ولانهاية لألحداثه المتوالية المتواصلة بلهاثها. صور ومشاهد لا معنى لها يستحيل عليه تذكر تفاصيلها في الثاني. كل ما كان يترسب في ذهنه، الإجهاد والقلق والتعب والصداع المزمن والشفاه اليابسة، مما جعله عرضة لارتفاع ضغط الدم وقرحة المعدة والدوار وشحوب الملامح ونتوءات أعصاب يديه وتغضن وجنتيه وضمور جسده النحيل اصلا.

والدته كثيراََ ما كانت تعزو ذلك إلى وجود جن يسكن معهم المنزل؟ وتضرب على ذلك الأمثلة الدامغة وتدافع عما تبديه من آراء بشراسة تصل حد الزعيق مع من يخالفها الرأي. تضرب من أجل ذلك المثل تلو المثل، معززة اعتقادها بوقائع من تجربتها الحياتية لتثبيت صحة نظريتها، في وجود افاعيل شيطانية للجن الملعون!! يبتسم لتحليلات أمه الأسطورية، بل يراها ضرباً من الخيال جاء نتيجة تراكمات بيئية وموروثات شعبية.

بعد زواجه انقطعت الكوابيس المرعبة وما عادت تُؤرق نومه أبدا. هدأت ليالية وفارقة الفزع القاتل وتحسنت صحته وما عاد للشحوب على وجهه ولا للصداع في رأسه من أثر. وفي ليله ماطرة راعدة، وبينما كان يجلس ملاصقا لزوجته قرب المدفأة وهما يتحسسان مكامن إثارة بعضهما أمام التلفاز يتابعان فيلماً رومانسياً، قفزت زوجته من مكانها صارخه وهي تومئ للشباك الكبير المطل على الحديقة المنزل الأمامية :

ـ هناك…. هناك…. ظل رجل ما، خلف النافذة المطلة على حديقة بيتنا. إني رأيته عبر التماعات الرعد المتوالية وهو ينتقل من نافذة إلى آخرى!!

قالت ذلك وهي ترتعش مرعوبة بإصرار ويقين ينتابه الهلع المعهود عند النساء في مثل هذه المواقف، وبينما هي تكلم زوجها، اخذ هو يكور المخدة العتيقة تحت يده ليتكئ عليها بكل ثقله، غير آبه لما تقولة زوجته الخائفة المرعوبة، لا يفكر في تلك اللحظة سوى بحرارة جسدها الذي كان ملتصقاً به!؟

أقنعته بصحة ما رأته بالعين المجردة وهي بكامل وعيها ونشوتها وهي ملتصقة به، وهي تقسم إيماناً مغلضة : ـ إني رأيته بأم عيني، رجل يتنقل ببطء خلف النافذه المطلة على الحديقة الأمامية لمنزلنا؟!

حاول الزوج التظاهر أمام زوجته بعد الاكتراث بما تقول لأنه سبق له وأن سمع من أمه الحكايات الخرافية ذاتها التي تراودها في صحوتها وفي نومها، وبينما يتداولان الحديث حول ما رأت الزوجة، وإذا بجرس الباب الخار؟

عكاب سالم الطاهر: حول ما رأت الزوجة، وإذا بجرس الباب الخارجي يرن ثلاث دقات متوالية!!

صاحت الزوجة بما يشبه الصراخ، بصوت تنتابه بحة الذعر وحشرجة الخوف والرعب.

ـ ها…. ألم أقل ان هناك رجلاً في بيتنا، انا رأيته بأم عيني!!؟

نهض الزوج بعد أن تسرب اليه الخوف والتوجس من زعقات زوجته الملحاحة.

بدأت بجر خطواته المثقلة وحركته البطيئة، لكنة تحامل على أعصابه ليكسر خوف زوجته ويثبت لها انه رجل البيت، لذا أخذ مسدسه والقمه رصاصة جاهزة للانطلاق واندفع مسرعاً قاطعاً الممر الداخلي لفضاء البيت الواسع الذي يفصله عن الباب المطل على الحديقة الامامية بضع أمتار تكفي متنفساً للزوجين اللذان يعيشان أجواء الرومانسية. وبخطوات سريعة خرج قاطعاً الممر الذي يشطر الحديقة إلى نصفين، متجها صوب البوابة الخارجية فتح مزلاج الباب الخارجي وخرج إلى الشارع الرئيس الذي تكتظ جنباته باشجار الكاربيست. ينظر يميناً، شمالاً، تنتابه هواجس مختلفة بين الشك واليقين. وجلأ من المجهول بهذا الليل إن صح ماتقول زوجتة!! لا شيء يقطع سكون الليل الماطر، سوى زخات المطر المنهمرة، وقط كبير مبلل يجري مسرعاً قاطعاً هدوء الشارع والصمت المطبق، من جهة إلى أخرى بحثاً عن مكمن أمن أكثر دفئاً. ليل صامت مهيب لا تقطعه سوى اشتعالات البرق المتقعة. تدفق مياة الأمطار يأخذ اشكالا متعاكسة وهو يتسرب على أسفلت الشارع المتقادم وسط المدينة المتهالكة!!؟

مدينة جنوبية منسية، مثل كل جنوب العالم المنسي. الجنوبيون العاشقون للجمال منسيون، وحتى أحلامهم تستحيل إلى كوابيس بلا ملامح واضحة المعالم، لا معنى لها لكنها تجعل الإنسان مضطرباً في حياته اليومية.

وما أن استدار ليعود إلى بيته حتى لمح شعلة يزداد أوارها على الجانب الأيسر من الحائط الخارجي للبوابة الرئيسية.. دقق النظر لم يعثر على آثار يد امتدت إلى جرس الباب، تفحصها جيداً لم يجد شيئاً يذكر مما تخشاه زوجته المضطربة. عاد مسرعاً إلى داخل البيت بعد أن بلله المطر مثل القط الذي قاسمه مشهد الشارع، دخل البيت وجد زوجته تقف وسط الموزع الرئيس لمدخل المنزل وهي تلتف بروبها الشتائي الاخاذ، متمتمة بادعية وتعويذات لدفع الشر المفترض!! ـ عودي حبيبتي إلى الفراش واهدئي، لا شيء يدعو للقلق، سوى تماس كهربائي حدث بفعل المطر النازل على سلك الجرس المنزوع الغلاف عند الباب الخارجي… ساغلق الشباك المفتوح الذي يحرك الستائر..!