كعكة‭ ‬واحدة‭ ‬تكفي‭ ‬أحياناً

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

في‭ ‬موسم‭ ‬الامطار‭ ‬وفي‭ ‬سواه،‭ ‬نرى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الشاشات‭ ‬شوارع‭ ‬موحلة‭ ‬من‭ ‬ارصفة‭ ‬وأطفال‭ ‬بعمر‭ ‬الورود‭ ‬تطمس‭ ‬اقدامهم‭ ‬بالوحل‭ ‬وهم‭ ‬يحاولون‭ ‬عبور‭ ‬طريق‭ ‬الى‭ ‬مدارسهم‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتوافر‭ ‬فيها‭ ‬ابسط‭ ‬الشروط‭ ‬الصحية،‭ ‬اذ‭ ‬معظم‭ ‬نوافذ‭ ‬الصفوف‭ ‬مكسورة‭ ‬والتدفئة‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لها‭ ‬وربما‭ ‬مستحيلة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬مياه‭ ‬الشرب‭ ‬والمرافق‭ ‬الصحية‭ ‬الأخرى‭.‬

افترض‭ ‬انه‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬وزير‭ ‬او‭ ‬نائب‭ ‬او‭ ‬محافظ‭ ‬قد‭ ‬رأى‭ ‬ذلك‭ ‬بعينيه،‭ ‬وأبقى‭ ‬افترض‭ ‬ذلك‭ ‬الافتراض‭ ‬لكي‭ ‬اوهم‭ ‬نفسي‭ ‬ان‭ ‬المسؤولين‭ ‬بشر‭ ‬مثل‭ ‬بقية‭ ‬الناس‭ ‬وليسوا‭ ‬طبقة‭ ‬صدئة‭ ‬وخائسة‭ ‬منعزلة‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬وشروط‭ ‬سلامة‭ ‬الحياة‭ ‬ذات‭ ‬الكرامة‭ ‬في‭ ‬حدودها‭ ‬الدنيا‭.‬

ماذا‭ ‬سيحصل‭ ‬لو‭ ‬أنّ‭ ‬مسؤولاً‭ ‬ما،‭ ‬وصل‭ ‬الى‭ ‬شارع‭ ‬يمر‭ ‬الى‭ ‬مدرسة‭ ‬أطفال‭ ‬،طوله‭ ‬مائة‭ ‬متر‭ ‬فقط،‭ ‬موحل‭ ‬ومنهارة‭ ‬فيه‭ ‬الخدمات،‭ ‬وكان‭ ‬بصحبة‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الاليات‭ ‬والعمال‭ ‬والمهندسين،‭ ‬وقرّروا‭ ‬المباشرة‭ ‬تحت‭ ‬اشرافه‭ ‬بالعمل‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬الحياة‭ ‬للشارع‭ ‬من‭ ‬الثامنة‭ ‬صباحاً‭ ‬الى‭ ‬الثامنة‭ ‬ليلاً،‭ ‬واعادوا‭ ‬اكمال‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬وربما‭ ‬الثالث‭ ‬حتى‭ ‬اتمامه،‭ ‬الا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬حدثا‭ ‬تاريخياً،‭ ‬يشيع‭ ‬روح‭ ‬المسؤولية‭ ‬والتفاؤل‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬أبناء‭ ‬البلدة‭ ‬او‭ ‬الناحية،‭ ‬ويعطي‭  ‬درسا‭ ‬لمَن‭ ‬يظن‭ ‬انّ‭ ‬نيل‭ ‬المقاولات‭ ‬يعني‭ ‬المماطلة‭ ‬في‭ ‬التنفيذ‭ ‬والتهرب‭ ‬من‭ ‬استحقاقات‭ ‬العمل‭ ‬لصالح‭ ‬المتنفذين‭ ‬وقابضي‭ ‬الرشى‭. ‬الناس‭ ‬سيبحثون‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المسوول‭ ‬ويرفعوه‭ ‬الى‭ ‬درجة‭ ‬الفوز‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬انتخابات‭ ‬واذا‭ ‬غادر‭ ‬منصبه‭ ‬سيطالبون‭ ‬باعادته‭ ‬اليهم،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬لم‭ ‬يصرف‭ ‬ينارا‭ ‬من‭ ‬جيبه‭ ‬وانما‭ ‬تصرف‭ ‬بروح‭ ‬الانتماء‭ ‬للوطن‭ ‬وبوازع‭ ‬المسؤولية،‭ ‬وكأنّه‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الأطفال‭ ‬المنغمسين‭ ‬بالطين‭ ‬أولاده‭ ‬وهم‭ ‬يرومون‭ ‬الذهاب‭ ‬الى‭ ‬مدارسهم،‭ ‬انّه‭ ‬ليس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شعور‭ ‬انساني‭ ‬يميز‭ ‬البشر‭ ‬قبل‭ ‬الواجب‭ ‬الوظيفي‭ ‬الحكومي‭.‬

الوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬،‭ ‬وتظهر‭ ‬اثاره‭ ‬في‭ ‬وجوه‭ ‬أطفال‭ ‬المدارس‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬التغذية‭. ‬ويبقون‭ ‬غالبا‭ ‬في‭ ‬مدارسهم‭ ‬خمس‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬لقمة‭ ‬واحدة‭. ‬هل‭ ‬عجزت‭ ‬إرادة‭ ‬المجتمعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬وغيرة‭ ‬أبنائها‭ ‬عن‭ ‬إيجاد‭ ‬بديل‭ ‬اجتماعي‭ ‬لنظام‭ ‬التغذية‭ ‬المدرسية‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سائدا‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كان‭ ‬المستوى‭ ‬المعيشي‭ ‬للأفراد‭ ‬عاليا‭ ‬وليس‭ ‬محطماً‭. ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬بادر‭ ‬المجلس‭ ‬المحلي‭ ‬معينة‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬تجار‭ ‬وأثرياء‭ ‬البلدة‭ ‬باطلاق‭ ‬مشروع‭ ‬كعكة‭ ‬واحدة‭ ‬لكل‭ ‬تلميذ‭ ‬يوميا،‭ ‬او‭ ‬حبة‭ ‬فاكهة،‭ ‬اليس‭ ‬ذلك‭ ‬ممكن‭ ‬التحقيق‭ ‬والزيادة‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خدمات‭ ‬أخرى‭ ‬يقدمها‭ ‬المجتمع‭ ‬الى‭ ‬الطفولة‭ ‬لكي‭ ‬يكون‭ ‬سلامة‭ ‬ذلك‭ ‬المجتمع‭ ‬صحيحا‭ ‬قبل‭ ‬سلامة‭ ‬الطفل،‭ ‬وتنمو‭ ‬روح‭ ‬مشاعر‭ ‬المحبة‭ ‬والتكافل‭ ‬بين‭ ‬الناس‭.  ‬هناك‭ ‬مَن‭ ‬يقول‭ ‬انها‭ ‬مسؤولية‭ ‬الحكومة‭ ‬التي‭ ‬تدير‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬البلدان‭ ‬النفطية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وانا‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬القول‭ ‬،‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬نبقى‭ ‬مستسلمين‭ ‬حتى‭ ‬تنهار‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬بشكل‭ ‬نهائي‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬صحوة‭ ‬ضمير‭ ‬مسؤولين‭ ‬‭ ‬وما‭ ‬هم‭ ‬بمسؤولين‭ ‬الا‭ ‬على‭ ‬امتيازاتهم‭ ‬واحزابهم‭ ‬الرثة‭ ‬التي‭ ‬انكشفت‭ ‬عوراتها‭.‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية