

نوزاد محمد مصطفى
لا تقاس مكانة الشخصيات السياسية بحجم الضجيج والتلميع والتسويق الإعلامي، ولا عبر الخطابات الرنانة، بل بحجم الممكنات والقدرات والعطاء الذي يشكل مقدار الثقة في الداخل، ولدى المجتمع الدولي. وعلى وفق هذا المنطق نرى مدى الاهتمام والتقدير الذي حظيت به زيارة نيجيرفان بارزاني إلى إيطاليا والفاتيكان، والتي تشي بأن للزيارة أبعاد غير تقليدية، وهي أنها كشفت عن الرسالة السياسية والدبلوماسية لشخصيته، المتوازنة والمعتدلة، والمقرونة دوماً بمدها للجسور مع الآخرين، وتأتي أهميتها في أننا نعيش في منطقة تتناهبها الصراعات والانقسامات والحروب.
هذه المؤشرات تجيب عن سر الاهتمام الكبير في روما، حيث لم يكن الاستقبال تقليدياً أو روتينياً يدخل ضمن خانة اسقاط الفرض. لكن جاء مثقلاً بالدلالات السياسية الجلية. ومصداق ذلك عبر عنه لقاء الرئيس الإيطالي مع الرئيس نيجيرفان بارزاني الذي أظهر عمق العلاقات التي تربط إيطاليا بالعراق وإقليم كوردستان، وأوضح اللقاء القناعة والارتياح الأوروبي من الإقليم بوصفه صديقاً موثوقاً به في دعم الاستقرار ومكافحة الإرهاب، واحترام التعدد وحماية التنوع. وبما أن دولة أوروبية كبرى بحجم إيطاليا، تعبر بشكل واضح وجلي عن دعمها السياسي والعسكري والإنساني للإقليم، فأنه في الوقت نفسه يعكس مدى الأهمية والدعم الأوروبي الذي يحظى به الإقليم، ويعبر عن حاضر العلاقة ومستقبلها مع الإقليم بوصفه شريكاً مضموناً.
إضافة إلى ذلك أظهر لقاءه بوزير الدفاع الإيطالي، وبوضوح مكانة وثقل إقليم كوردستان بصفته قوة استقرار أمنية جديرة بالاحترام في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما مع ديمومة الدعم العسكري والتدريبي لقوات البيشمركة. فالمجتمع الدولي عبر الزمن تولدت لديه قناعة كبيرة لا تتزعزع بالدور الذي يلعبه الإقليم بهذا الشأن، وهذه الأمر لا يأتي من فراغ. إذ إن المجتمع الدولي لا يديم شراكاته العسكرية والأمنية مع جهات غير موثوق بها، وخصوصاً ما يتعلق بدورها المستقبلي. وعلى هذا النحو يمكننا القول مدى القناعة الدولية التي تؤكد بأن إقليم كوردستان ما زال يشكل أحد أهم خطوط التوازن في العراق والمنطقة، ويعد واحداً من مرتكزات دعم الاستقرار الأمني ومعالجة الفوضى.
لكن المغزى السياسي الأعمق، والرسالة الجوهرية، تتجلى في زيارة الفاتيكان، إذ عبر اللقاء عن الأبعاد السياسية والروحية التي تخطت القراءات التقليدية للزيارات. حيث حرارة الاستقبال من قبل البابا للرئيس نيجيرفان بارزاني، والثناء والإطراء والتقدير الواضح بسبب إشاعة ثقافة التعايش في إقليم كوردستان، فالمشهد تجاوز الأطر الدبلوماسية واستهلاك كلمات المجاملة، بل عبر عن اعتراف دولي متجدد، يؤكد بأن الإقليم كان قد تحول في غضون السنوات الماضية إلى واحة محبة آمنة للمكونات الدينية والقومية، وفي ظرف تفرد فيه الإقليم عن شعوب منطقة الشرق الأوسط التي تعاني من ويلات الحروب والاضطراب، وعدم الاستقرار الأمني والسياسي…
وكانت قد سبقت هذه الزيارة لقاءات مع السفير البابوي الجديد لدى العراق، في دلالة واضحة على عمق العلاقة بين الفاتيكان وإقليم كوردستان، التي تجاوزت العلاقات البروتوكولية التقليدية، لكونها مرتبطة بتجربة الإقليم في رعاية المكونات، وتوطيد الاستقرار.
وأخيراً يمكننا القول: إن هذه المقبولية الخارجية، لم تأتِ على حساب حضوره الداخلي، بل تتزامن أيضاً مع قدرته على الحفاظ بعلاقات مرنة هادئة وعميقة داخل العراق، ومع مختلف القوى الكوردية في الإقليم.
S






















