كريم العراقي:(موت نبيل) يكشف (خسة حياتهم)-جواد الحطاب

-1-‭ ‬يشكّل‭ ‬عندي‭ ‬الشاعر‭ ‬كريم‭ ‬العراقي‭  “‬مُ

حتَرفا‭ ‬شعريا‭” ‬باذخ‭ ‬التجربة‭ ‬والعطاء،‭ ‬واطلاعي‭ ‬على‭ ‬منجزه‭ ‬الثر،‭ ‬الذي‭ ‬أمتدّ‭ ‬من‭ ‬نفثات‭ ‬روحه‭ ‬في‭ “‬مستشفى‭ ‬ابو‭ ‬ظبي‭” ‬والى‭ ‬آخر‭ ‬مكالمة‭ ‬لي‭ ‬معه‭ ‬شاركني‭ ‬فيها‭ ‬الصديق‭ ‬الملحّن‭ ‬المبدع‭ “‬علي‭ ‬سرحان‭” ‬وشاعرة‭ ‬صديقة‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬مغترب‭ ‬هي‭ ‬أيضا،‭ ‬وارادت‭ ‬ان‭ ‬تطمئن‭ ‬عليه،‭ ‬وأردت‭ ‬ان‭ “‬أكشخ‭” ‬بمكالمته‭ ‬فطلبته،‭ ‬ويوم‭ ‬خذلنا‭ ‬خط‭ “‬الواتساب‭” ‬مع‭ ‬الإمارات،‭ ‬اتصل‭ “‬كروم‭” ‬من‭ ‬رقمه‭ ‬الخاص‭ ‬لنكمل‭ ‬حديثنا،‭ ‬رغم‭ ‬ان‭ ‬المكالمة‭ ‬عبر‭ ‬الرقم‭ ‬الخارجي‭ ‬تكلّف‭ ‬كثيرا،‭ ‬لكنه‭ ‬كريم‭.  ‬الشاعر‭ ‬الذي‭ ‬روّض‭ ‬أشدّ‭ ‬الأمراض‭ ‬فتكا،‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬نتجنب‭ ‬ذكر‭ ‬اسمه‭ ‬رعبا‭ ‬فنسميه‭ “‬الخبيث‭”‬،‭ ‬بل‭ ‬وجعل‭ ‬منه‭ ‬موضع‭ ‬سخرية‭ ‬متداولة‭ ‬عبر‭ ‬حواراته‭ ‬في‭ ‬الفضائيات،‭ ‬مصرّحا‭ ‬نكاية‭ ‬به،‭ ‬متحدّيا‭ ‬بأنّه‭ ‬لن‭ ‬يقدر‭ ‬على‭ ‬هزيمته،‭ ‬وأنّه‭ ‬إن‭ ‬آثر‭ ‬الرحيل،‭ ‬فسوف‭ : (‬أموت‭ ‬واقفا‭ ‬كنخلة‭) !!‬

‭ ‬حتى‭ ‬اذا‭ ‬تعب‭ ‬الإثنان‭ ‬من‭ ‬رفقة‭ ‬بعضهما،‭ ‬وآثرا‭ ‬الافتراق‭ ‬أخيرا،‭ ‬ذهب‭ “‬كريم‭” ‬الى‭ “‬رب‭ ‬كريم‭” ‬،‭ ‬وذهب‭ ‬الآخر‭ ‬مثل‭ “‬ضبع‭ ‬قميء‭” ‬ينصب‭ ‬كمائنه‭ -‬اينما‭ ‬شاءت‭- ‬خباثته‭ ‬ليصطاد‭ ‬بها‭ ‬ضحاياه،‭ ‬شريطة‭ ‬الا‭ ‬يؤرّقه‭ ‬أحد‭ ‬منهم‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬معه‭ “‬العراقي‭”‬،‭ ‬والذي‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬خادما‭ ‬وتابعا‭ ‬لعلاجاته‭ ‬الكيميائية،‭ ‬جعل‭ ‬منه‭ ‬حارسا‭ ‬لأوجاعه‭ ‬وطوال‭ ‬سنوات‭ ‬رفقته‭ ‬له‭.‬

‭.‬-2-‭ ‬كريم‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬مُحتَرفي‭ ‬الشعر‭ ‬الكبار‭ ( ‬سعدي‭ ‬يوسف‭- ‬نزار‭ ‬قباني‭ – ‬محمود‭ ‬درويش‭ – ‬الأخوة‭ ‬الرحابنة‭).  ‬وانا‭ ‬هنا‭ ‬اتحدّث‭ ‬عن‭ “‬الإحتِرافية‭” ‬باختلاف‭ ‬منجزها‭ ‬وتقييماته‭ ‬النقدية،‭ ‬فالشاعر‭ ‬الذي‭ ‬يكتب‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬700‭ ‬اغنية‭ ‬لكبار‭ ‬مطربي‭ ‬العرب‭ ‬،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬مؤلفاته،‭ ‬وعديدها‭ ‬المختلف‭ ‬في‭ ‬الشعر،‭ ‬والرواية،‭ ‬والكتابة‭ ‬للطفل،‭ ‬والأوبريتات،‭ ‬والحوارات،‭ ‬والأماسي،‭ ‬والمسرحيات‭ ‬

‭ ‬الا‭ ‬يستحق‭ – ‬هذا‭ ‬الشاعر‭- ‬ان‭ ‬أضعه‭ ‬في‭ ‬القائمة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬قوائم‭ “‬الظواهر‭ ‬الشعرية‭” ‬المعاصرة‭ ‬؟‭!!‬

‭ ‬ولا‭ ‬تستكثروا‭ ‬عليَّ‭ ‬هذا‭ ‬القول‭ ‬،‭ ‬أليس‭ ‬إنحيازي‭ ‬الى‭ ‬ابن‭ “‬الشاكرية‭”‬،‭ ‬فتى‭ ‬الـ‭”‬ثورة‭”‬،‭ ‬عاشق‭ “‬الحمامات‭”‬،‭ ‬الماهر‭ ‬بصناعة‭ “‬الطائرات‭ ‬الورقية‭”‬،‭ ‬ومكتشف‭ “‬الأناشيد‭” ‬الفطرية‭ ‬البسيطة‭ ‬في‭ ‬مدرسته‭ ‬الإبتدائية،‭ ‬والذي‭ ‬يختاره‭ ‬انداده‭ ‬‭ ‬دائما‭- ‬ليتدافع‭ ‬قبلهم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يتركه‭ ‬جند‭ “‬معسكر‭ ‬الوشاش‭” ‬من‭ “‬قصعات‭” ‬فائضة‭ !!‬

‭ ‬أليس‭ ‬إنحيازي‭ ‬الى‭ ‬هذا‭ ‬الفتى،‭ ‬الباشط،‭ ‬مشروعا‭ ‬؟‭!!‬

‭.‬-3-‭ ‬تعرفت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬قصائده‭ ‬التي‭ ‬احتلت‭ ‬مساحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬محفوظاتي‭ ‬لرومانسيتها‭ ‬العالية،‭ ‬ولسهولة‭ ‬وعذوبة‭ ‬لغتها،‭ ‬وعوالمه‭ ‬التي‭ ‬سعت‭ ‬الى‭ ‬كسر‭ “‬الرتابة‭ ‬النظمية‭” ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬موجة‭ ‬القصائد‭ ‬الشعبية،‭ ‬وغزت‭ ‬المهرجانات‭ ‬والأماسي‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬السبعينيات‭ (‬وقد‭ ‬لا‭ ‬افشي‭ ‬سرا‭ ‬حين‭ ‬اقول‭ ‬بأنني‭ ‬أدعيت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬قصائده‭ ‬على‭ ‬انها‭ ‬لي،‭ ‬حين‭ ‬انفرد‭ ‬بالحبيبات،‭ ‬او‭ ‬حين‭ ‬أحاول‭ ‬جلب‭ ‬انتباه‭ ‬إحدى‭ ‬الجميلات،‭ ‬فأسمعها‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬كتبت،‭ ‬وأقرأ‭ ‬لها‭ ‬قصائد‭ ‬كريم‭ ‬العراقي‭ ‬بصوتي،‭ ‬فالمهم‭ ‬لديها‭ – ‬ولديّ‭- ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬صورا‭ ‬شعرية‭ ‬بسيطة‭ ‬ومتلاحقة‭ ‬تغازل‭ ‬الحس،‭ ‬وترطّب‭ ‬الوجدان‭ ..  .. ‬وبالمناسبة،هذه‭ ‬العادة‭ ‬تأصلت‭ ‬لفاعليتها،‭ ‬وان‭ ‬كانت‭ ‬القصائد‭ ‬مكتوبة‭ – ‬قبلي‭- ‬لكاظم‭ ‬الكاطع،‭ ‬او‭ ‬فالح‭ ‬حسون‭ ‬الدراجي،‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬الشعراء‭ ‬العذاب‭ ‬الآخرين،‭ ‬فهذا‭ ‬لا‭ ‬يهمّ،‭ ‬المهم‭ ‬هو‭ ‬انها‭ ‬تؤدّي‭ ‬دورها‭ ‬المطلوب‭ ‬لحظتها،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬افضح‭ ‬تأثيرها‭ ‬في‭ ‬الأخير‭ ‬للشعراء‭ ‬أنفسهم‭) !!..‬

حين‭ ‬كنت‭ ‬انقل‭ ‬اليه‭ ‬إعجاب‭ ‬الفتيات‭ ‬بما‭ ‬أدّعيه‭ ‬من‭ ‬قصائده،‭ ‬يستغرق‭ ‬بالضحك،‭ ‬ويطالبني‭ ‬ولو‭ ‬بهامش‭ ‬صغير،‭ ‬ولكن‭ ‬أنّى‭ ‬له‭ ‬ذلك‭. ‬

‭.‬هذه‭ ‬المعرفة‭ ‬الرومانسية‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬توطّدت‭ ‬عميقا،‭ ‬فيما‭ ‬بعد،‭ ‬أصبحت‭ ‬مثابة‭ ‬انتماء‭ ‬للحرف‭ ‬والحياة،‭ ‬وزادها‭ ‬ما‭ ‬تعرّض‭ ‬له‭ ‬كريم‭ ‬من‭ ‬حوادث،‭ ‬وكأنّ‭ ‬القدر‭ ‬قد‭ ‬خطّ‭ ‬له‭ ‬طريق‭ ‬معاناته‭ – ‬منذ‭ ‬البدء‭- ‬ليتشكّل‭ ‬كما‭ ‬يشتهي‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬أي‭ ‬مبدع،‭ ‬أو‭ ‬مناضل‭ . ( ‬في‭ ‬احدى‭ ‬حواراته‭ ‬التلفزيونية،‭ ‬سألته‭ ‬المذيعة‭ ‬عن‭ “‬السجن‭” ‬فأجاب‭: ‬تجارب‭ ‬مؤلمة،‭ ‬وسكت‭.. ‬ولم‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬التفاصيل‭ ‬التي‭ ‬سأذكرها‭ ‬انا‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬تواضعه‭ ‬المعهود،‭ ‬والتي‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬بعضها‭ ‬لهواة‭ ‬إدعياء‭ ‬السجون،‭ ‬والإضطهاد،‭ ‬والكذب‭ ‬بمطاردات‭ ‬رجال‭ ‬الأمن،‭ ‬لكانوا‭ ‬نجوم‭ ‬النجوم،‭ ‬لكنه‭ ‬آثر‭ ‬ان‭ ‬ينتزع‭ ‬هذه‭ ‬المكانة‭ ‬بابداعه،‭ ‬وحضوره‭ ‬الفاتن‭ ‬وقد‭ ‬نجح‭ ‬أيّما‭ ‬نجاح‭.‬

‭.‬‭-‬4-‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1973‭ ‬تم‭ ‬الإتفاق‭ ‬بين‭ ‬حزب‭ ‬البعث،‭ ‬وبين‭ ‬الشيوعي‭ ‬العراقي‭ ‬على‭ ‬إعلان‭ “‬ميثاق‭ ‬الجبهة‭ ‬الوطنية‭” ‬وكانت‭ ‬احدى‭ ‬بنود‭ ‬الميثاق‭ ‬هي‭ ‬عدم‭ ‬السماح‭ ‬للشيوعيين‭ ‬بالتنظيم‭ ‬الحزبي‭ ‬داخل‭ ‬الجيش،‭ ‬وان‭ ‬عقوبة‭ ‬الإعدام‭ ‬ستكون‭ ‬لمن‭ ‬يقبض‭ ‬عليه‭ ‬متلبسا‭ ‬بهذه‭ “‬الجريمة‭”.‬

ذات‭ ‬يوم‭ ‬تسرّب‭ ‬الينا‭ ‬ان‭ “‬الاستخبارات‭ ‬العسكرية‭” ‬القت‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬كريم‭ ‬العراقي،‭ ‬وعلى‭ ‬بعض‭ ‬المثقفين‭ ‬الذين‭ ‬سيقوا‭ ‬لـ‭”‬خدمة‭ ‬العلم‭” ‬حيث‭ ‬قيل‭ ‬ان‭ ‬في‭ ‬عدتهم‭ ‬العسكرية‭ “‬مناشير‭” ‬تدعو‭ ‬الى‭ ‬الشيوعية‭ ‬وتروّج‭ ‬لهذا‭ ‬الفكر‭!!‬

‭ ‬والعثور‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المنشورات‭ ‬عند‭ ‬أي‭ ‬عسكريّ‭ ‬ما،‭ ‬يعني‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬العسكري،‭ ‬لابد‭ ‬وان‭ ‬مصيره‭ ‬الإعدام‭ ‬،‭ ‬بحسب‭ ‬البنود‭ “‬الميثاقية‭” ‬المتفق‭ ‬عليها‭.‬

‭. ‬واذكر‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬الامر‭ ‬قد‭ ‬شغل‭ ‬الوسط‭ ‬الثقافي،‭ ‬لاسيما‭ ‬وان‭ ‬الجوّ‭ ‬السبعيني‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬محتدم‭ ‬والفعاليات‭ ‬الثقافية‭ ‬تمور‭ ‬بالحركة‭ ‬فأخذ‭ ‬هذا‭ ‬الخبر‭ ‬صدى‭ ‬واسعا،‭ ‬وتضامن‭ ‬مستتر‭ ‬وعلني،‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬تناهى‭ ‬الينا‭ ‬اطلاق‭ ‬سراحه،‭ ‬ربما‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬التقرير‭ ‬عليه‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬إثبات‭ ‬إدعائه،‭ ‬او‭ ‬لتسوية‭ ‬ما،‭ ‬او‭ ‬لوساطات‭ ‬لم‭ ‬نسع‭ ‬الى‭ ‬معرفتها،‭ ‬لأن‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يهمنا‭ ‬هو‭ ‬اطلاق‭ ‬سراح‭ ‬كريم‭ ‬العراقي‭ .‬

‭.‬-5-‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬تغرّب‭ ‬طويلا‭ ..‬

وجاب‭ ‬جهات‭ ‬الأرض‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬لحظة‭ ‬أمان،‭ ‬عن‭ ‬بقعة‭ ‬ضمير‭ ‬يطمئن‭ ‬اليها،‭ ‬وينام‭ ‬بلا‭ ‬كوابيس،‭ ‬او‭ ‬حلم‭ ‬صراع‭ ‬مع‭ ‬الجنود‭ ‬على‭ ‬بقايا‭ ‬طعام،‭ ‬حلم‭ ‬يراه‭ ‬اليوم‭ ‬حقيقة‭ ‬في‭ ‬صحوه،‭ ‬فالجموع‭ ‬الكاثرة‭ ‬من‭ ‬أهله‭ ‬تجوب‭ ‬مناطق‭ ‬النفايات‭ ‬لتسدّ‭ ‬جوع‭ ‬اطفالها،‭ ‬ولا‭ ‬مهرب‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الكوابيس‭ ‬سوى‭ : ‬القصيدة‭ .‬

مـتى‭ ‬الحقائبُ‭ ‬تُلقى‭ ‬من‭ ‬ايـاديـنا‭ ‬‮…‬‭ ‬

وتسـتـدلُ‭ ‬على‭ ‬نـورٍ‭ ‬ليالـينا؟

متى‭ ‬الوجـوهُ‭ ‬تـلاقـي‭ ‬من‭ ‬يـعـانقـها‭ ‬‮…‬

‭ ‬ممن‭ ‬تبـقّى‭ ‬سلـيماً‭ ‬من‭ ‬أهـالينا؟

متى‭ ‬المصابيحُ‭ ‬تـضحـك‭ ‬في‭ ‬شوارعـنا‭ ‬‮…‬

‭ ‬ونشـهد‭ ‬العـيد‭ ‬عيداً‭ ‬في‭ ‬أراضينا؟‭.‬

‭.‬ورغم‭ ‬المرض،‭ ‬ومسامرة‭ ‬الجلسات‭ ‬الكيميائية،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬جلسات‭ ‬الصحب‭ ‬والأحباب،‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬له‭ ‬ان‭ ‬يكتب‭ ‬للإنسان،‭ ‬خصوصا‭ ‬ذلك‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحمله‭ ‬في‭ ‬دواخله،‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬ينتم‭ ‬له‭ ‬باللقب‭ ‬فقط،‭ ‬وانما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬نبض‭ ‬نبضه‭ ‬هو‭ “‬العراقي‭” ‬لقبا‭ ‬وحشرجات‭.‬

‭:‬تذكر‭ ‬كلما‭ ‬صليت‭ ‬ليلا

ملاييناً‭ ‬تلوك‭ ‬الصخر‭ ‬خبزا

على‭ ‬جسر‭ ‬الجراح‭ ‬مشت‭ ‬وتمشي

وتلبس‭ ‬جلدها‭ ‬وتموت‭ ‬عزا

تذكر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تغفوا‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬وسادة

أينام‭ ‬الليل‭ ‬من‭ ‬ذبحوا‭ ‬بلاده

أنا‭ ‬إن‭ ‬مت‭ ‬عزيزا‭ ‬إنما‭ ‬موتي‭ ‬ولادة

‭.‬نعم‭ ‬ايها‭ ‬الصديق،‭ ‬الأعز،‭ ‬الباشط،‭ ‬الذرب،‭ ‬غنيت‭ ‬للجمال،‭ ‬ونصبت‭ ‬إحساسك‭ ‬حكما‭ ‬بين‭ ‬المحبين،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬القصائد،‭ ‬والأغاني،‭ ‬كانت‭ ‬الشمس‭ ‬شمسك‭ ‬والعراق‭ ‬هو‭ ‬ذياك‭ ‬العراق‭ ‬الذي‭ ‬شربت‭ ‬ماء‭ ‬دهلته،‭ ‬فاينعت‭ ‬النخيلات‭ ‬مع‭ ‬عروق‭ ‬الدم،‭ ‬واتخذت‭ ‬الشعيرات‭ ‬شكلها،‭ ‬حتى‭ ‬تحيّر‭ ‬الأطباء‭ ‬فيك،‭ ‬فعند‭ ‬كل‭ “‬أشعّة‭” ‬او‭ “‬سونار‭” ‬كانوا‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬صدرك‭ : ‬السنابل،‭ ‬والقصب،‭ ‬والفسائل‭ ‬الملآى‭ ‬بالرطب‭.. ‬ولا‭ ‬أثر‭ ‬لهجوم‭ “‬الخبيث‭” ‬على‭ ‬جسدك‭ ‬المكابر‭.‬

‭.-‬6-ولا‭ ‬عليك‭ ‬يا‭ ‬صديقي‭ “‬كرّوم‭” ‬من‭ ‬رثاء‭ ‬احاول‭ ‬ان‭ ‬اكتبه‭ ‬لك‭ ‬الآن‭ ..‬

لا‭ ‬عليك‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬لأني‭ ‬سأهمس‭ ‬لسلامك‭ ‬القادم‭ ‬جوار‭ “‬الرحمن‭ ‬الرحيم‭” : ‬أتدري‭ ‬بأن‭ ‬موتك‭ ‬الذي‭ ‬ايقظ‭ ‬كل‭ ‬اشواقنا‭ ‬لإستقبالك،‭ ‬سبب‭ “‬فضيحة‭” ‬كبيرة،‭ ‬لكل‭ ‬السرّاق،‭ ‬والفاسدين،‭ ‬والحرامية،‭ ‬ونبّه‭ ‬كلّ‭ ‬الإعلام‭ ‬والثقافة‭ ‬والمتابعين‭ ‬الى‭ ‬حقيقة‭ ‬سعى‭ ‬خونة‭ ‬العراق،‭ ‬وسارقو‭ ‬أمواله‭ ‬الى‭ ‬تغييبها،‭ ‬وهي‭ : ‬انهم‭ ‬في‭ ‬غد‭ ‬عندما‭ ‬يتولاهم‭ ‬عزرائيل‭ ‬عليه‭ ‬السلام،‭ ‬أين‭ ‬سيدفنون‭ ‬–‭ ‬جهارا‭ ‬نهارا‭- ‬ومن‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬تعليق‭ ‬يافطة‭ ‬تخبر‭ ‬عن‭ ‬موتهم؟‭!!‬

‭.. ‬أكيد،‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يجرؤ‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ “‬بصاق‭” ‬المارّة‭ ‬على‭ ‬يافطة‭ ‬النعي،‭ ‬وتفاديا‭ ‬لـ‭”‬نعل‭” ‬اطفال‭ ‬الفقراء،‭ ‬وتهيّبا‭ ‬من‭ ‬لعنات‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة،‭ ‬أمّا‭ ‬شوارع‭ ‬لندن،‭ ‬وفيلات‭ ‬نخل‭ ‬دبي،‭ ‬وفنادق‭ ‬بيروت،‭ ‬وشاليهات‭ ‬قبرص،‭ ‬فستبقى‭ ‬أرث‭ ‬أولادهم‭ “‬المثليين‭”‬ولا‭ ‬عزاء‭ ‬لأجسادهم‭ “‬النتنة‭” ‬بأرض‭ ‬العراق‭ ‬الطاهرة‭.‬

والذين‭ ‬مثلك‭ ‬–‭ ‬يا‭ ‬أبا‭ ‬الضفاف‭ – ‬ايها‭ ‬الباذخ،‭ ‬المنتمي‭ ‬للناس‭ ‬والوطن‭ ‬وعيون‭ “‬بهيجة‭” ‬فستنتظرهم‭ ‬العربات‭ ‬العسكرية،‭ ‬كما‭ ‬انتظرت‭ ‬جثمانك‭ ‬الموشّح‭ ‬بالعلم‭ ‬العراقي،‭ ‬وتسير‭ ‬أمامهم،‭ ‬كما‭ ‬سارت‭ ‬أمامك‭ ‬كوكبة‭ ‬أعلام،‭ ‬وجوق‭ ‬موسيقى‭ ‬وطنية‭. .. ‬وترمى‭ ‬على‭ ‬تابوتك‭ ‬باقات‭ ‬الورد،‭ ‬والدعوات‭ ‬لرب‭ ‬العزة‭ ‬والجلال‭ ‬بان‭ ‬يحسن‭ ‬وفادتك‭ ‬،‭ ‬لأننا‭ ‬شيّعناك‭ ‬الى‭ ‬جواره‭ ‬وفي‭ ‬قلبنا‭ ‬ثقة‭ ‬بان‭ ‬من‭ ‬يكون‭ ‬جوار‭ ‬الله‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬اختارته‭ ‬المواقف‭ ‬النبيلة‭ ‬ليكون‭ ‬ممثّلا‭ ‬لها‭ ‬عند‭ “‬العرش‭” ‬العظيم،‭ ‬لإنّا‭ ‬للعراق،‭ ‬وإنّا‭ ‬اليه‭ ‬راجعون‭ .‬

‭:‬يا‭ ‬خالق‭ ‬الجبال‭ ‬والأشجار‭ ‬والبحارْ‭..‬

‭ ‬لا‭ ‬تخذل‭ ‬الذي‭ ‬بعفوك‭ ‬استجار‭.. ‬

الإنسان‭ ‬والأديان

من‭ ‬أي‭ ‬قوم‭ ‬كنت‭ ‬يا‭ ‬أخي‭ ‬الانسانْ

أسألك‭.. ‬أين‭ ‬هو‭ ‬الأمان؟

خالقنا‭ ‬الله‭ ‬الجليل‭ ‬الواحد‭ ‬الرحمنْ

ماذا‭ ‬أراد‭ ‬بهذه‭ ‬الاديان؟

ماذا‭ ‬أراد‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬مخلوقه‭ ‬الانسانْ؟

الحب‭ ‬والايمانْ

تختلف‭ ‬اللغات‭ ‬والاشكال‭ ‬والألوان‭..‬

‭ ‬لكنما‭ ‬الانسان‭ ‬للانسانْ‭ .‬

×‭ – ‬النصوص‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬المرثية‭ ‬هي‭ ‬للشاعر‭ ‬الفقيد‭  ‬رحمه‭ ‬الله‭ -.‬