
كردستان في مهب الحب – فوزي الاتروشي
حين نقول ان هذا الامر او ذاك اصبح في مهب الريح فمفاده انه تبعثر وتناثر ولم يعد امر تحقيقه ممكنا .
هذا ما خطر لي وانا اطالع العشرات من المنشورات التي تتطاير عبر الفيسبوك من قبل عقليات جاهلة ومريضة لا تحسن فن الكلام في تعاملها مع قرار الاستفتاء في الاقليم . فنراها تغرق في الشتم والسب وكيل التهم العبثية دون رادع ، وابرز ما فيها ان كردستان ستضيع في مهب الريح ان قرر سكانها ان يكتبوا مصيرهم بيدهم هذه المرة وليس بأمر الاخرين كما كانت العادة على مر التاريخ .
والحملة الفيسبوكية تكاملت مع اقلام يفترض فيها انها خبيرة في الكتابة ومتمرسة وتجيد لغة الحوار ، لكنها بدت انها لا تقل ضحالة عن جمهور الجهلة .
والمؤكد ان ثقافة التجهيل والتعتيم والتأويلات المصلحية لبعض سياسيي هذا الزمن الرديء ، ولبعض ادعياء الدين هي التي وسعت الشرخ ، و زادت الطين بلة ، وراكمت الطحالب في المستنقع الفكري لهؤلاء ، وحرضت حملة شعواء على شعب شقيق لا ينوي سوى البت في مصيره بعيدا عن الاكراه والاجبار .
والا ماذا ستخسر كردستان ان لجأت الى الاستفتاء ؟ وجودها وحدودها واقتصادها و لغتها ، أم انها ستخسر انهارا من الدم والدموع وضحايا ابشع سلاح كيمياوي في تاريخ البشرية .
والحال ان كل هذا اصبح من الماضي وصار جزءا من ذاكرة الانسان الكردي وانسكلوبيديا يوميات تاريخ البشرية ، ولم يبق ان يخسره سوى النعش كما يقول الشاعر المبدع (سميح القاسم) في احدى قصائده .
ام هل ستخسر كردســــــــــتان قراها و نفطها وزرعها وخيرها و زادها ؟ فلغة الارقام تقول ان النظام السابق لم يوفر اية وسيلة متاحة للقضاء على كل موارد كردستان ، وردم الينابيع ، و تسوية 4500 قرية بالارض ، و حرق الغابات وتحويلها الى ارض جرداء ، ومتحف “الذكرى ” في محافظة حلبجة شاهد على هول جريمة الكيمياوي المدمر . اما اللغة والثقافة الكردية والكتاب الكردي فكان يختم بالشمع الاحمر ما عدا الكتب والاصدارات التي كانت تسبح بحمد الدكتاتور السابق .
اذن ان اي تهديد لكردستان الان له نسخة مجربة في التاريخ ومطبقة لكن الوقائع برهنت ان مصيرها الفشل والشلل لانها عجزت عن قمع شعب تواق للحرية ، فقد انتهت مأساته و جراحاته و محنه وكوارثه منذ العام 1991 ، ولم يعد المبلل يخاف من المطر كما يقول العراقيون .
والسؤال لذوي الاقلام المسمومة والمشبعة بغضا وحقدا وشوفينية ، هل قرأتم التاريخ الحديث ؟
وهل القيتم نظرة على تضاريس عالم اليوم ؟ . ام انكم مثل بعض فقهاء الدين اسرى النصوص ، وعبيد القوالب الجاهزة التي لم تجترح يوما حلا لمشاكل واقع متغير و متنوع ومتشابك المصالح والافكار .
واذا كانت كردستان ستصبح برأيكم في مهب الريح ان استقلت ، فهل العراق هو في مستقر الريح و في واحة الامان ؟.
اليس العراق فريسة الفساد والازمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي انــــــــــعدم نظيرها في العالم ، اليس العراق مع الاسف في الدرك الادنى تربويا وتعليميا و صحيا وخدماتيا والاخطر عالميا في معدلات الجريمة ، وهل بقي شيء لم يمسه التردي والابتذال والتدني .
اليست ارض العراق مستباحة ، وشوارعه ومدنه مشرعة لميليشيات تعبث بالبلاد والعباد قتلا ونهبا وسلبا وخطفا وابتزازا في وضح النهار .
الم تجهز الاحزاب الدينية بالتعاون مع فقهاء الاسلمة الاجبارية على ملامح ديمقراطية كان يمكن لها ان تنتعش في العراق لو لا الخلط العجيب بين الدين والسياسة ، وتجريد الدين من كل مقوماته وهي العدل والجمال والخير والمساواة ، وتحويله الى خطاب حزبي و خطاب يزدري الاديان الاخرى من الصابئة والمسيحيين والايزيديين مما جعل هؤلاء الاصلاء الراسخون في جذور هذه الارض خائفين على ارواحهم و اموالهم ووجودهم .
اذن هل العراق في مهب الريح ام في مهب الحرب ؟.
اما اقليم كردستان ففي الواقع هو في مهب الحب ، و الدليل عدد القنصليات التي يتواصل افتتاحها في اربيل ، ومئات الشركات من مختلف انحاء العالم التي تجد في الاقليم ملاذها الامن ، ومدن الاقليم النظيفة ، وطاقة الكهرباء والماء المتوفر ، والامان على النفس والمال ، وقدرة الشرطة وقوى الامن القادرة على فرض هيبة الادارة وتسيير وتصريف مصالح الناس .
ان الاقليم متواصل على مدار اليوم عن طريق مطارين حديثين ، و سيل المؤتمرات لا ينقطع عن الانعقاد فيها لشتى المحاور ، اضافة لكونه الحضن الدافي لنحو مليون ونصف المليون نازح .
الم يكن الاجدر جعل التجربة في الاقليم نموذجا في البناء يحتذى به بدلا من الشماتة واستمطار شآبيب اللعنة عليهم ، وبعد كل هذا نردد مثل الببغاوات (انما المؤمنون اخوة) دون تطبيق او تمعن في معاني الحديث .اما جنسية المواطن الكردي في العراق والمواطن العربي في كردستان فيمكن حلها كما في كثير من الدول عن طريق اقرار حق الجنسية المزدوجة . ولا يجوز هنا الالتفات الى تصريحات سياسيين مراهقين في هذا الباب ، و اذا كان السيد (سعد المطلبي) يرفض الاعتذار للكرد الفيليين لاساءته البالغة لهم ، فنحن نقول انه ليس اهلا لثقافة الاعتذار و التراجع عن الخطيئة لان ذلك فضيلة وصفة حضارية لا تتوفر في سياسيي البداوة والتخلف والعنجهية القومية الساذجة . وللمرة الالف نقول للسيد المطلبي ولامثاله ان البحر اوسع واعمق من ان يلوث ببقعة زيت واحدة وعريكم مفضوح ولا تخفيه ورقة التوت .

















