كتاب يبحث في المعمار العربي الاسلامي لغاية 656 هجرية

كتاب يبحث في المعمار العربي الاسلامي لغاية 656 هجرية

قصورالعراق حتى نهاية العصر العباسي

باقر الكرباسي

 من بين البلاد العربية القليلة التي شهدت فوق أرضها الطبيعية تواصل كبريات الحضارات العريقة في التاريخ واستمرارها في صورة أو في أخرى حتى عصرنا الحاضر، يبرز عراق مابين النهرين كنموذج فريد من نوعه في الشرق العربي، لايضاهيه ربما في جانب واحد فقط من جوانب هذه المسألة الا مصر النيل، وأكد ذلك المؤرخ الانجليزي المشهور ارنولد توينبي قائلا :(نحن نعرف في كل من مصر والعراق القديم بداية الحضارة، وبداية الزمن الذي احتل فيه الإنسان حوض النهر بصورة فعالة)، وعلم التاريخ هو العلم الذي يقدم للأجيال الجديدة تجارب الماضي ودروسه، وبناء العمائر والقصور والمساجد والربط والزوايا والمدارس والجوامع وغيرها يمثل تاريخ العمارة عند العرب قبل الإسلام وبعده، والعمارة فن قديم اقترن برغبة الإنسان الطبيعية في الاستقرار على هذه البسيطة، ويكاد يكون الفن الوحيد الذي لايمكن الاستغناء عنه ابدا لعلاقه الوثيقة بالسكن والمنافع الأخرى الملازمة على الاستقرار في رقعة معينة، وكان للعرب الأوائل بعض الفنون والحضارات المعمارية التي اندثرت اغلبها، فقد سخروا عقولهم الناضجة وخيالهم المتقد في تشكيل عناصر مبانيهم وابتكار تعابير فنية خاصة، أخذوا بتطبيقها في منشاتهم المتعددة، والعمارة في الأساس تخطيط للبناء وحفر اسسه ومواد بنائية معروفة الخواص إضافة إلى أسس وقوانين هندسية تطبق في مراحل انشائه وزخارف متنوعة تنفذ على عناصره واجزائه، وهذه يجب توفرها في اي بناء ديني او مدني او عسكري، فكان الفن المعماري العربي الإسلامي قبل كل شيء فنا دينيا بالدرجة الأولى متاثرا بروح الإسلام، والعصر ان النبوي والراشدي يعدان نشأة العمارة الإسلامية والعصر الأموي هو عصر تشكل هذه العمارة وتنوعها، وقد غصت المدن الإسلامية ايام ازدهار الحضارة العربية بعدد كبير من المنشآت الضخمة التي ظل ذكرها حديثا للأجيال اللاحقة، ومابقى منها شاخصا دليل واضح على دقة القوانين الهندسية وسلامتها، فالعمارة الإسلامية شكلتها روافد عديدة دينية وحضارية ومناخية، وهذه الروافد مجتمعة تمثل الرؤية الشاملة لتشييد العمائر.

ومن اهم الكتب التي صدرت وشملت هذا الجانب المعماري عند العرب والمسلمين كتاب (قصور العراق العربية والإسلامية حتى نهاية العصر العباسي 656هجرية)، للاستاذ طالب علي الشرقي وهو باحث ومحقق ثبت واديب بارع ومؤرخ محايد وشاعر أيضا، عودنا باصداراته المميزة والمفيدة، فقد كتب في التحقيق والتراث والتاريخ والأدب والتراجم، متعدد الاهتمامات وكان متميزا فيها جميعا، صدر الكتاب عن دار الشؤون الثقافية العامة بغداد بطبعته الأولى سنة 2001 ب (399 صفحة)، يبدأ الأستاذ الشرقي كتابه المهم هذا بمدخل تاريخي يقول فيه :(منذ آلاف السنين والناس يعنون بتسجيل إحداث أيامهم وسلوك قادتهم وماثر أبنائهم، ويدخرون للأجيال اللاحقة ميراثا هو حصيلة جهدهم وفكرهم وفنهم وماورثوه هم ممن سبقهم) ص9، ويكمل حديثه :(كان لأمة العرب الحظ الأوفر في اغناء المعمورة بنور الهداية وتحرير الأفكار من الوثنية والجهالة والخروج بالناس من الظلمات إلى النور ودفعهم إلى سبل الحق والعمل الأفضل) ص9، ومن اجل الوقوف على بداية البناء وتطوره مارا بعصر النبوة والعصر الراشدي والعصر الأموي وصولا إلى العصر العباسي الأول يقول الاستاذ المؤلف :(ان فترة بناء الأسس للدولة الجديدة في جو ملبد بالتنافس والاطماع والاحقاد لاتترك مجالا للتوسع في البناء والأعمار، وكان الهدف الاول تثبيت دعائم المملكة والحفاظ على السلطة، والضرب على أيدي الطامعين وتصفية الأجواء من بؤر القوة والتامر) ص14، ويوضح الباحث شروطا هامة يجب اتخاذها عند الشروع في تأسيس دولة يزدهر فيها البناء والأعمار، وفي فقرة أخرى من المدخل التاريخي ينقل الشرقي نصا للخطيب البغدادي :(لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في جلالة قدرها وفخامة أمرها، وكثرة دورها ومنازلها ودروبها وشوارعها ومحالها واسواقها وسككها وازقتها ومساجدها وحماماتها) ص16، وهنا يعقب الأستاذ المؤلف قائلا :(ان هذا الازدهار العظيم لابد أن تكون وراءه ثروة عظيمة) ص16، وينتقل صاحب الكتاب من خليفة إلى خليفة اخر حتى يصل المامون فيقول :(كان المامون يهتم بأمر الرعية ويتفقد أحوالهم ويسهر على امنهم، حتى أنه حين عهد إلى أخيه المعتصم، قال له :ولاتغفل أمر الرعية، الرعية، الرعية، العوام، العوام، فإن الملك بهم) ص18، بعدها انتقل المؤلف إلى الحديث في عهد المعتصم مستشهدا باقوال المؤرخين عنه وعن شجاعته وميله للاشتراك دون الفرس لعدم ثقته بهم، وعلى ذكر العمارة والعمران وجدت نصا للسعودي في مروج الذهب يقول فيه :(قال المعتصم بالله الخليفة العباسي :ان في العمارة امورا محمودة اولها عمران الأراضي التي يحيا بها العالم، وعليها يزكو الخراج، وتكثر الأموال، وتعيش البهائم، وترخص الأسعار ويكثر الكسب ويتسع المعاش) ج7 ص104، وكان اهتمام الخلفاء في العصور الإسلامية ببناء العمائر والقصور هو أهم مااراد الأستاذ الشرقي ان يوضحه لنا في المدخل التاريخي للكتاب، ولم يغفل المؤلف ماحققه ملوك العراق ماقبل الإسلام من بناء للقصور فكانت البداية مع قصور الحيرة، والممتع في هذا الكتاب ان المؤلف اتبع منهجية تجعل القارئ مستمرا في تتبعه وقراءه من دون ملل، فيبدا بتسمية القصر ومن الذي بناه ومن ثم زمن بنائه مع وصف علمي دقيق للقصر ولم يكتف بذلك فقد سجل الحوادث التي شهدها القصر إضافة إلى ماقيل في القصر من شعر، فكانت قصور الحيرة ستة عشر قصرا وقصور البصرة ثلاثة عشر قصرا وخمسة قصور للكوفة، ومثلها للموصل، وثلاثة قصور لواسط اما قصور بغداد فكانت ثمانية عشر قصرا، وتحدث عن قصور اخر بنيت في تلك الفترة من العصر العباسي، وقصران فقط في المدائن وياتي إلى ذكر قصور سامراء وعددها ثمانية قصور، اما المتوكل لوحده كانت له 28 قصرا في سامراء.

أن المهمة التي قام بها الأستاذ طالب الشرقي مهمة مضنية فقد تجول في المصادر القديمة والحديثة للبحث عن معلومة يفيد منها وتحقق له مااراد إضافة إلى صحف ومجلات مهمة مثل مجلة سومر ومجلة المجمع العلمي العراقي وغيرها، والفعل الحسن الذي يضاف إلى الكتاب هو ملحق لصور القصور التي تحدث عنها في الكتاب، الصحة والعافية لاستاذنا الباحث طالب علي الشرقي وهو يزودنا كل سنة بإصدار جديد نتلاقفه جميعا .