كتاب نقديّ عن نساء روايات صبيحة شبر

كتاب نقديّ عن نساء روايات صبيحة شبر

عندما تصير المرأة سِلعة

فيصل عبد الحسن

   عندما تكون سيرة الكاتبة أو الكاتب مهيمنة على رواياته، سيضع هذا النوع من الكتابة الناقد الذي يكتب عنه في إشكاليّة التَّناصّ مع الواقع المعاش للكاتبة. ويجعله يخوض في تفصيلات حياتين متوازيتين، سيرة الكاتبة وحياة بطلتها الروائية.

  وتصير مهمة الناقد عسيرة ومعقَّدة عند إعادة الكاتب والكاتبة لتلك السِّيرة في كل رواياتها وقصصها القصيرة، التي يتم عرضها في كتاب نقديّ شامل لجميع ما كُتب. وفي ظني فقد واجه الناقد إسماعيل إبراهيم عبد هذه المُعضلة عندما حرَّر فصول كتابه” لقى الإشارة، منائر الاستعارة لمدونات صبيحة شبر” الصادر مؤخراً في بغداد عن مؤسسة ثائر العصامي، والكتاب الجديد عن روايات وقصص الكاتبة العراقية صبيحة شبر.

  أشار الناقد في مقدمته عن الكاتبة، التي تشظَّت حياتها في كل ماكتبته من روايات وقصص قصيرة يقول الناقد” بدءاً أن قراءتي لأي عمل من أعمال صبيحة شبر، الأعمال الجديدة خاصة أشعر بأنني متحرِّر من جميع الاشتراطات النقديّة.” فالسَّرد الذي تكتبه شبر يحيل فعلاً إلى متعة النظر إلى حياة حقيقية، والتنصَّت لما قيل ويقال حول مختلف الأحداث التي مرَّت بها الكاتبة وعاشها القارىء وكل من حوله أيضاً. فالكاتبة تنطلق دوماً من تجربة حياتية عاشتها، فتلقي عليها الضوء من جميع الجوانب الاجتماعيّة والنفسيّة، والسياسيّة. وهذا ما وجدته أنا كواحد من قراء كتاباتها القصصية والروائية، وفي فترة مبكرة منذ نشرها لكتابها الثاني، قبل عقد ونصف واطلاعي على العديد من مسودات قصصها قبل نشرها بحكم زمالتي لها حين عملنا معاً مدرسين في ثانوية واحدة في المدرسة العراقية بالمغرب ولعدة سنوات.

   جعلتْ الكاتبة من تجربتها الشخصية بوصلة تحدّد من خلالها تصرّفات النساء اللاتي يقعن في ذات الظرف الاجتماعيّ والنفسيّ، سواء بقناعتها بما تعيشه أو ما ترفضه كأمرأة في عالم ذكوري مهيمن وبرعاية نظم قبلية متخلفة. فرضت الظلم  وجوده على المرأة بصور وأشكال مختلفة، وأكد تلك الهيمنة بقوة العادات والتقاليد، وقد وضعت الكاتبة الخطوط العريضة لنظرية الجندرية نصب عينيها في كل قضية تطرحها عن المرأة وعلاقتها بالرجل، فتكتب ذلك بما استقته مما عاشته هي كأمرأة وما اختزنته من ثقافتها العامة عن تجربة نضال المرأة في العالم من أجل حريتها وقرنتها بحرية الرجل والمجتمع ككل.

مُعلَّمة منفيّة

  حرَّر الناقد كتابه في أربعة فصول، اختصَّ الأول، بفرزعلامات الاستعارة السَّرديّة كمؤشرات ودلائل، وضح فيه العلاقة البنيويّة بين النَّصِّ الذي تكتبه صبيحة شبر وسيرة حياتها، فقال” أعطت الكاتبة للسيرة الذاتية قوام الصدق والواقعية، وهما الصفتان المميزتان للروايات الاشتراكية في العهد السوفيتي، والروايات الصحفيّة، مع التحفظ على مصطلح الرواية الصحفيّة.” ــ التسمية والتحفظ من الناقد ــ  وهذا النهج الذي اتبعته الكاتبة سيّر أحداث رواياتها وقصصها بما”جعلها تتشابه إلى حدِّ التطابق أحياناً مع السيرة الذاتية للكاتبة، مما أفسد عملية الترقب والتتالي الحدثي، وإن كانت بحدود غير مُضَرّة كثيراً، لكنه أعطى للروي حرارة الحركة والحميميّة الإنسانيّة.” وبدت رواياتها وقصصها، كما لوكانت حكايات عما مرَّت بالكاتبة من أحداث تحكيها لك في جلسة سمر.”

  ففي رواية “فاقة تتعاظم وشعور يندثر” نشرت في بغداد 2014 نجد سميرة في الرواية، هي الكاتبة ذاتها، وهي تسترجع معاناتها مع عريسها محمود، الذي لم يقدم لها شيئاً في ليلة عرسهما، فتتساءل بمباشرة غير مفضلة في الكتابة السَّرديّة، لأنها تمثل تدخلاً في الأحداث، وكأنها أرادت بهذا التدخل المباشر التّنصُّل عن بطلتها”هل كانت سميرة محرومة من الحنان لترضي أول رجل يعلن لها الحب؟. “

  ثم تصف أحداث تلك المناسبة ” بدت سميرة كالشمس ساطعة الجمال، وهي تجلس قرب العريس، الذي حضرتْ عائلته. ــ والكاتبة تنتقل هنا من حكي الساردة إلى بطلتها، فتقول على لسانها بلسان المُخَاطب ــ “شاهدتِ أنواعاً من الرقص لم تشهديها من قبل، أخوات العريس كلهن تمايلن على أنغام الموسيقى الراقصة ــ ثم تنتقل لتخاطب القارىء بلسانها ــ أثار استغرابك أن سميرة تبدوعليهاعلامات السعادة رغم أن محمود لم يقدم لها شيئاً، وتساءلت بصمت: هل كانت سميرة محرومة من الحنان لترضي أول رجل يعلن لها الحب؟” والرواية تحكي قصة مُعلَّمة منفيّة تعود إلى وطنها العراق بعد أن أمضت سنوات في المغرب لأسباب سياسية، وعلى أمل العودة إلى وظيفتها، لكنها تواجه بالروتين والفساد المستشري في البلاد، والموظفين المُرتَشين، والأقارب الذين يثبطون من عزيمتها بالمطالبة بحقها بالعودة إلى وظيفتها السابقة، فتعاني الفقر والعوز وعائلتها كذلك التي بقيت تنتظر أخبارها في المغرب.”

  وتسرد تلك المعاناة” تمضي الأيام ثقيلة متباطئة، وأنتِ تراجعين مديرية الكرخ الثالثة عّلك تحظين بجواب يشفي النفس من جراحاتها الكبيرة، صعب على الإنسان الذي جرب العمل، وعرف لذته أن يبقى فترة، حتى وأن قصَّرت بلا عمل، من يمدَّه بالمال الذي يحتاجه ليسد حاجاته؟.”

الوطن والمَهجَر

  أشار الكاتب إلى أن الكاتبة استثمرت اليومي من الأحداث كلقائها بصديقاتها، وضمَّت ما جاء في تلك اللقاءات من حوارات، ومواقف وأفكار إلى متنها الروائي في أغلب ما كتبت من روايات وقصص. وبذلك فقد صاغت حيرة المرأة من خلال ما واجهته من معضلات الحياة والتعايش مع الرجل إنْ كان زوجاً أو أبناً أو زميلاً في العمل أو مجرد طارق سبيل صادفته في طرقات المدن التي اغتربت فيها أو في بغداد بعد عودتها إلى الوطن باحثة عن حقوقها كمواطنة تهدف للعيش الكريم فيه.

  نجد ذلك في أغلب ما كتبته ونشرته من سرود روائية وقصص قصيرة، كرواية العرس 2010 بغداد، أرواح ظامئة للحب 2015 بيروت، هموم تتناسل وبدائل 2015 بغداد، غسل العار2017 بغداد، امرأة سيئة السمعة قصص 2005 القاهرة، لائحة الاتهام تطول قصص2007 الرباط، وغيرها مما نشرته في الصحافة والنشر الإلكتروني من قصص قصيرة وفصول روائية.

  اختصَّ الفصل الثاني من الكتاب بتحليل رؤى الكاتبة حول ما تعنيه الأخلاق الجمعية لها، والتي تعاملت معها سواء بعد عودتها إلى العراق أو ما عاشته في بلدان الاغتراب من خلال ما إبدعته من روايات وقصص. وجاء الفصل الثالث بمبحث عن النظرية الجندرية في سرديات الكاتبة، وما ترتب عليها من تعامل مع المرأة من خلال وجهة نظر الرجل والأسرة والقبيلة والعادات والتقاليد البدوية في المجتمع. والآليات المفروضة للعيش المشترك بين الرجل والمرأة في مجتمع عربي يضع الكثير من هذه الضوابط كمسلمات أخلاقية واجبة الاتباع وينظر إلى المرأة كسِلعة معروضة للبيع. وأهتم الكاتب في الفصل الرابع بإعلام وفن العرض الثقافي للمنتج السردي لدى الكاتبة، وقد استعان الناقد برؤى ومقالات كتبت عن روايات وقصص الكاتبة في فترات مختلفة وضمَّها إلى الكتاب، كمقالات يوسف عبود جويعد، د. حسين سرمك حسن، يوسف علوان، وديع العبيدي، د. أحمد زنيبر، غريب عسقلاني، جواد وادي، فيصل عبدالحسن، علي البدر وغيرهم.   وضمَّ الكتاب حوارات مع الكاتبة أجريت في فترات مختلفة، ويعدُّ الكتاب بيلوغرافيا مهمة عن كتابات إحدى الكاتبات العراقيات التي اختصَّت بقضايا المرأة العراقية في المهجر والوطن. وقد عرفت صبيحة شبر بنتاجها الغزير، الذي ناقش أوضاع المرأة في ظل مجتمعات أبويّة وقبليّة، قبعت لقرون تحت عبء تاريخ طويل من تعنيف المرأة والنظر إليها كسِلعة وككائن فرضتْ عليها طبيعتها الأثنويّة العطاء الدائم وبلا حدود. وهي الإشكاليّة النصيّة التي عملت عليها الكاتبة في معظم رواياتها وقصصها المنشورة.