كتابة نشيد الموت – اضواء – عبد الكريم حسن مراد

هسيس اليمام للروائي سعد سعيد

كتابة نشيد الموت – اضواء – عبد الكريم حسن مراد

لِمَ لمْ تلتجئ البطلة لأقرب كائن يشاركها حيز المكان وزمن الحضور؟ أهي عدم ثقة بالآخر أم ماذا؟

إن الحقيقة الأكيدة لديها هي إن الإنسان كائن ضعيف ينقاد بسرعة، ويستسلم لمغريات الدنيا من أجل أن يعيش تحت جناح الآخر ليغدق عليه من المال والملذات الأخرى ليعيش وجوده، فالآخرون لا يعنون له شيئا.. فلماذا التجأت لذلك الذي يطلقون عليه (الموت)؟ أشعرت به بأنه الأمين الذي لا يبوح بأي سرّ وحت أية ضغوطات؟ أم لأنه أخرس؟  هذا ما رسمته في ذهنها وفي قاع نفسها، ولأن حضوره غير مرئي، لذا سارعت بخطاها نحوه لتفتح له وتكشف مكنونات روحها ونفسها وحياتها، لربما هو القدر ساقها إليه، فالضغوطات النفسية والسياسية والاجتماعية قد أثقلت كاهلها بتلك الهموم أولا، وخداع وزيف المشاعر والعواطف ولعبة المراوغة واقتناص الفرص لإشباع الرغبة بأيّ وسيلة، كان هو الهدف الأول لدى الآخر (الرجل) ليعين للآخرين أنه الأقوى فحولة في هذا العالم، هي التي دفعت بالبطلة إلى اعتزال العالم والعيش ضمن دائرة الموت، فهو ملاذها الوحيد لتغيب عن حماقة الآخرين، فمناجاتها (للموت) هو التهيؤ للرحيل نحو قاع الظلمات حيث (هسيس) الصمت، ودودة الأرض التي تشاكس الجسد المسجى، ولذا راحت تناديه لتقص عليه ومن خلال مذكراتها التي راحت تفتح صفحاتها وقد تخيلته (كائنا) من لحم ودم، لتقص عليه حكايتها وحكايات الآخرين، لعلها تجد في ذلك البوح ثقباً تفرغ من خلاله عبء الحياة الملوثة، وتجد شيئاً من الانفراج، وتطمح لحياة جميلة، فللموت قصة في حياة الساردة البطلة (هديل)، والتي تكون هي مرآة للأخريات، أو الصوت المخنوق، أو الرغبة المكبوتة، وللأخريات أيضاً حصة في المناجاة برغم أنهن لم يلجأن بالتشبث بخيوط الموت، وكل ذلك لم يأت من فراغ، ما لم يكن هناك من فعل ذلك الحدث ليحيله لحركة، لتكون حكاية.. يا ترى ما منهل ذلك الحدث الذي هزّ كيان البطلة لتعيش هذا اليأس، لربما تكون العائلة أو الوضع المضطرب للبلد الذي أُغرق بشتى أنواع التناقضات، أو قد يكون تهديداً من مليشيات متطرفة، أو قد يكون سببا لكل ذلك هو (الرجل)، يقيناً إنه هو، فلكل بطلة من بطلات الرواية ثمة حكاية، وسبب تلك الحكاية هو الرجل، ولقد لعب لعبة التناوب السردي في الرواية من خلال صوت البطلة تارة، والتي ابتدأ بها الروائي سعد سعيد في روايته (هسيس اليمام) من خلال (هديل) الصوت الموجع أو المعبّر عن جميع النساء، ومرة أخرى صوت المؤلف الذي يرصد ويتابع ويقدم الشخصيات في العمل من خلال أفعالهم.. تحركاتهم .. حكاياتهم.. ويرسم ملامحهم، ويقرأ مكنونات نفوسهم، ويظهر نقاط ضعفهم وقوّتهم، إلا أن صوت (البطلة) في الرواية هي الأكثر حضوراً، لأنه من خلالها نعرف حكايات (نون النسوة) ومعاناتهم وشذوذهم، وكذلك معاناة وشذوذ (الرجال) أزواج وعشّاق أولئك النسوة، وقد أجاد الروائي في ترجمة ونقل معاناة المرأة من خلال السرد الأنثوي بلغة الأنثى، وقد وفّق فيها، وهذا يحسب له، لأن القليل من الكتّاب من يستطيع أن يكتب بتلك اللغة، عكس الكاتبة (أي الروائية) والتي تجيد الكتابة بلغة الرجل بشكل جيد جدا، وذلك من خلال الغوص في أعماق وخفايا الرجل النفسية، وكذلك الكتابة بلغتها هي..

فصراع هديل مع الواقع الذي تعيشه والذي ينظر للمرأة على أنها عورة لا بدّ أن تُستَر شكّلت لديها عقدة تجاه الحياة، وفي ذهنها يدور سؤال، وهو: لماذا عندما تُخطئ المرأة تواجه بأبشع النعوت، وتتعرض للإهانات، ويُحجَر عليها ضمن نطاق سكنها، بينما الرجل عندما يخطئ يكافأ على فعلته وفحولته ويطلق عليه عدة أسماء ( الفحل _ رافع الرأس _ البطل)، فهديل لمناجاتها للموت تتمنى في لحظات أن تكون رجلاً لكي تمارس شيئاً من مكبوتاتها، وذلك لتعوض عما وجدته من خيانة الزوج وانتهازية الآخر لها، والركض وراء من تحلم بامتلاكها روحيا وجسدياً، وكذلك بالنسبة لبقية النساء (بطلات الرواية) مثل عذراء وهيفاء التي تعاني من إهمال الزوج لها، فتلجأ إلى البحث عن البديل عبر الفيسبوك، ولكنها تصطدم بلا شرعية تلك العلاقة التي كادت تجرفها لولا صديقتها سلمى، وكذلك قصتها مع صديقتها سهاد عبد الرحمن (السحاقية) النافرة من شيء اسمه رجل..

لقد وفق الروائي في رسم صور لتلك الشخصيات أي النساء بأدق تفاصيلها، أي إظهار التابوات والمسكوت عنه دونما حرج وبجرأة، وكذلك بالنسبة للبطلة التي اجادت في رسم وإفشاء ما هو محرم في نظر الآخرين من خلال تفاصيل خرطة جسد الرجل الدقيقة دون حراجة، لأنه واقع موجود، فالغريزة مسكونة في جميع المخلوقات على الأرض، وكذلك تفاصيل حياتها منذ ولادتها وما رافقها من أحلام وانتكاسات وأوجاع وحسرات نقلتها بجرأة المحارب الذي لا يخشى اعداء الميدان، فمن خلال منلوجاتها التي تشدوها لذلك الذي يخشى الآخرون من التقرب إليه، أو يفرون من حروف كلماته، فاكتشفت كم هي تعيسة هذه المرأة والذي يتمنى كل واحد منا كرجل ليعوضها عما فقدته، وكذلك لبقية الشخصيات ( النسائية الضحايا)، ويزرع في نفوسهن الأمل، ولكن دونما جدوى، فمازال الحدث مستمراً لم يكتمل لنعرف النهاية له، فأوراق مذكرات البطلة تفتح كل يوم حكاية جديدة لألم جديد، فعقدة الرجل لدى البطلة تشكلت عندها منذ طفولتها، وهي في أعوامها العشرة، فالصدفة قادت خطواتها على أثر صوت حشرجة وتأوهات أتتها من غرفة أمها، وقفت لبرهة لترى ما لم تتوقعه من أمها وهي ترقد تحت أبيها، فرؤيتها لذلك (الشيء) الذي يلج أمها ذكرتها بـ(يَدّة الهاون) كما كانت تطلق عليها، او تعرفها بتلك الصورة التي ترسخت في ذاكرتها، وبدأت تكبر معها، مما دفعها الفضول الى النظر لوسط الرجل، أي رجل تتخيله يحمل تلك الـ(يدّة) فتعجب، وتسأل كيف يستطيع حمل ذلك الشيء الثقيل معه، وتلك المعضلة رافقتها حتى بعد أن تزوجت وأنجبت، لكنها حرمت منها بسبب برودة زوجها الجنسي، وهجرها إلى الأبد، وشكلت في داخلها مرضاً نفسياً، وكذلك لبقية البطلات في الرواية اللواتي لجان للبحث عن بدائل، وذلك من خلال إقامة علاقة غير شرعية مع رجال ومحرمة مع النساء، كما في حال هيفاء مع سهاد (المرأة السحاقية)، والتي شجعتها على ذلك لتعوض عما فقدته مع زوجها (أي زوج هيفاء)، وكذلك لبقية البطلات..

إن الاستلاب لم يقع على النساء فقط، بل على الرجال، وذلك من خلال شخصية (حيان) الذي كان يتعرض لمضايقات (هديل) البطلة الساردة، والتي تريد ان توقعه في حبائلها من خلال علاقة غير شرعية، لكنه يتهرب منها، مما يثير انتباهها وتختلي مع نفسها وتتساءل: لِمَ يتصرف معها هكذا؟ أهو ملتزم دينياً؟ ام يتخوف من كلام الناس.. أم ماذا؟ فيبقى ذلك اللغز يحيرها في وقت كان حيان ينظر لها باحترام كامرأة صديقة، ويتعاطف معها في محنتها لمعرفته بسوء وتشنج العلاقة بينها وبين زوجها عوّاد الناهي الذي أتى به ليكون قريبا منها ويساعدها في إدارة الصيدلية التي تمتلكها، لكن تغييراً طرا في حياتها حين ادركت أن لغياب حيان المتقطع أثر في نفسها وحياتها، تلك الحقيقة ادركتها حين جالت بنظرها داخل الصيدلية، وكذلك ادركت حاجتها له حين تعرض لها (سرمد) صديق زوجها الذي سافر إلى (عمان) لإدارة أعمال والده المتوفى، موقنا من أن صديقه سيحافظ على عائلته ويحميها من عيون الأعداء، وكان هو العدو الأول الذي انتهك حرمة البيت واغتصب زوجته (هديل)، ذلك الجرح الذي احدث في نفسها شرخاً كبيراً، وكذلك غياب حيان الذي راحت تستحضره في أحلامها، في وقت كان هو يظهر عن بعد ليراقبها ويحميها من كل طارئ دون ان تشعر هي بذلك، لقد حدثت ثمة أشياء من خلال وجودها في الصيدلية، منها منظر تلك الفتاة التي أتت برفقة رجل كبير إلى الصيدلية، ثم انصرافها لتقف خارج المكان مما أثار استغرابها واستغراب حيان الذي كان حاضراً وقتذاك، كانت توقن أن ذلك الرجل هو أب لهذه الفتاة، لكنها اكتشفت أخيراً عندما زارتها تلك الفتاة لتشكرها على ما فعلته لأجلها، برغم أنها فوجئت لأنها لم تفعل لها شيئاً، فأخبرتها الفتاة بأنها قد زرعت الأمل في نفسها من خلال ابتسامة، فسالتها هديل عن اسمها فأجابت بأنها تُدعى (شعاع)، ففرحت هديل بذلك لأنها كسبت فتاة بعمر ابنتها، لو كانت لها بنت، لكنها فجعت في الوقت نفسه لاختفاء (حيان) فجأة لأيام، مما أقلقها، وقلقها دفعها لسؤال زوجها عواد الناهي عنه، فكانت المفاجأة لها بأن زوجها أخبرها بعدم معرفة شخص بهذا الاسم، لكن إصرارها بوجوده ازعج زوجها مما أثار في نفسها شكوك بأنها قد تكون فقدت الذاكرة أو خرّفت، ولكن لا.. فلقد ظهر حيان في حياتها مرة أخرى.. فعاتبته لغيابه، لكنه أخبرها بأنه موجود بالقرب منها، يظهر ويختفي دون أن تشعر هي به، بل كان وجوده أقرب مما كانت تتصور، فأخبرته بأنها قلقت عليه، فأخبرها بأن لا داعي للقلق، فاعتذرت منه بانها سوف لن تقلق عليه مرة أخرى، بأنه ليس هناك (مرة أخرى)، فبوغتت من جوابه، عندما أخبرها بأنه توصل بأن الحقيقة في النهاية، فسألته: أيّ حقيقة؟ فأخبرها بأن حقيقة الحياة لا تكتمل إلا بالموت، وفي خضم جدالها مع حيان اكتشفت بأنه هو الموت، لقد ادركت ذلك عندما أخبرها بأنها كانت تكتب له كل يوم في دفتر مذكراتها التي شارفت على إنهاء صفحاتها الأخيرة، بوغتت وأُخرست للحظات حين أخبرها (بأن الموت هو مكمل الحياة)، فلم تفقه لما قاله، ليكمل هو جوابه: نعم (هو الحين يا هديل)، فتساءلت (أيّ حين يا حيان)، لحظتها ادركت بأن ساعة رحيلها قد حانت، لكنها حزنت على أولادها، فطمأنها بانه سيعيشون بخير دونها، ولتطمئن لذلك (شعرت فوراً أنه يقول الصدق) فاقتنعت بكلامه، وأن ما قاله هو الحقيقة، بعينها، لتصمت بعد ذلك، وقد تبدل شيء من حالتها النفسية، ولتجد نفسها أنها مازالت تقف على ناحية الرصيف مع حيان، ثم طلبت منه المضي حيث صيدليتها، لكنه أخبرها بأن لا صيدلية بعد اليوم، فهو لن يرجع إليها، لتدرك بان ثمة طريقا آخر ستسلكه، وقد صدق ظنها، إذ سارت مع حيان حتى نهاية الشارع، وكان هذا طلبه، وقد طمع إلى أبعد من ذلك… ثمة سؤال يتردد في ذهني.. ما هو هذا الأبعد؟.. أهو طريق النهاية (الموت)؟.. أم هو بداية الطريق (الحياة)؟…. والبقية عند القارئ الذي سيضع نهاية لهذه الحكاية، ليغلق آخر اوراق مذكرات (هديل)، ليسكت بعد ذلك عن الكلام المباح، أي صوت البطلة الساردة، وليترك المؤلف بعد أن يركن قلمه جانباً النهاية للقارئ أيضاً كما في أوراق البطلة.

يقينا قد أمتعنا الروائي سعد سعيد بأحداث روايته (هسيس اليمام) الذي نقل لنا حيَوات كاملة، حياة خمس نساء، رماهن القدر في طريق رجال لا يعرفون بأن المرأة هي كيان متكامل، كتلة من المشاعر والأحاسيس، وليست وعاء للتفريغ كما يقول جورج طرابيشي حيث قال إن الرجل ينظر للمرأة على أنها وعاء للتفريغ لا أكثر، ولقد وفق الكاتب في رسم ملامح شخصياته، ووفق كذلك بغدارة الخيط الروائي لكل الشخوص، ونجاحه الأكبر برأيي في أنه استطاع الروي بلغة الأنثى، أي استطاع ان يرسم لنا مشاعر المرأة ويغوص في أعماق نفسها، وليكشف عن مكبوتاتها، والتي أنطقها بكل جرأة من خلال بطلات روايته، كل حسب دورها وحياتها وما تعرضت له، وكشفه للمسكوت عنه من دون إحراج، فثمة مشتركات تجمع بين البطلات (اليمامات الخمسة)، وقد أعطى الحيز الأكبر لهن في العمل..

أما الشخصيات الرجالية في الرواية فكان حضورهم قليلاً وغيابهم كثيراً في حياة البطلات، فتارة هم افتراضيون، وتارة حلميون…

يقينا بأن الروائي سعد سعيد قد وفق في إدارة أركان اللعبة الروائية بكل أشكالها، كحدث وصراع وشخصيات، وقد أعطى للعمل طابع المدينية من خلال لعبة المزاوجة ما بين اللغة الفصحى واللهجة المحلية، وقد أضفى عليها المتعة التي يبحث عنها القارئ ويشدّه لمواصلة القراءة بشوق دون انقطاع، فرواية ( هسيس اليمام) رواية احداث وشخصيات، فهي رواية جديرة بالقراءة لجراتها وعذوبة لغتها السلسة…