قصص قصيرة جداً.. الطريق فراق خليف

قصص قصيرة جداً.. الطريق فراق خليف

كان صوت دوّتْ عجلات السيارة، التي أخذتُ ركن ضيقاً منها، تدور كأنها تعلن لي عن استمرار الحياة في طريقها المعبد، وفي نفس الوقت، كانت حكايات بعض الركاب تتهادى إلى أُذني منها كلمات تدخلني في عوالم أخرى.في ذلك الطريق أشبعتُ ناظري من الأرياف والمساحات الكبيرة، والفضاء الواسع، ومزارع القمح والشعير، التي نشرتْ بساطاً أخضر على تلك المساحات، وصبية صغار تلعب حول قطيع من الأغنام، ومعامل الطابوق تنشر دخانها في السماء سحابات سوداء، حتى أن بعض الأغنام تلون بلون الدخان!عندها قطع سلسلة أفكاري وتأملاتي صديق لي كان يجلس بقربي حين وضع سيجارة وولاعة في يدي، وهويدعوني إلى التدخين. بعد أن أشعلتُ سيجارتي، وبدء دخانها يملأ الحافلة الصغيرة، بأعمدة بيضاء صاعدة منها، أترسمت لي خيالات، وأشباح ماضٍ ليس ببعيد، كنت مع ثلاثة من أصدقائي في زيارة لصديق آخر لنا، توعكت حالته الصحية، الذي قطع شوطاً كبير نحوالتحسن بعد آخر زيارة لنا له. أترسمت لي ضحكاتنا الصاخبة الهستيرية ملء أفواهنا، ورقصاتي المجنونة، وكيف انكسرت آنية الماء بعد أن اندمجت مع إيقاع الأغنية وركلتها بقدمي دون أن اعي ذلك، ورغم رؤيتي للدماء التي صبغت قدمي بلونها الأحمر القاتم إلا أنني لم أتوقف عن الرقص، وأصدقائي لم يتوقفوا عن تلك الضحكات المجنونة. كل هذه الأحداث لا زالت تتزاحم في عاقلتي.

كان يومٌ رائع قضيناه دون تفكير في الدراسة والتزاماتها ومسؤولياتها، وخروجنا عن أجوائها الكئيبة والمتعبة، والروتين الذي كانت محملة به، وأنفاسها الثقيلة.

عندها كسر حاجز الصمت، إذ ذاك، صديق الآخر كان يجلس قبالتي، وهويدير وجهه ناحيتي:

-إني خائف؟! والشعور بالندم لا يبارحني!!

قال تلك الكلمات القليلة، وأدار وجهه عني، وهويطرق رأسه بين يديه.

أفزعني ما قال، ولم أفهم للوهلة الأولى ماذا كان يعني بتلك الكلمات، كان ما ينفك عن تذكرينا بتلك اللحظات، واستحضار مثل هذه الساعات والخوف من الندم نفسه على أن تفرقنا أيام التخرج، وتنسينا تلك اللحظات، وتشتت عصبة جمعتها الآهات والضحكات معاً.

خلال تلك الأثناء، انتبهتُ كصبي يفزع من كابوس أو رؤية سيئة، فيجد نفسه في أحضان أمه فيطمئن ، بعدما سحبتُ نفساً طويل من السيجارة التي لم يبقى منها سوى عقبها الذي بات يحترق هوالآخر ، رميتُ بها عبر النافذة، فاستقرت في منتصف الطريق ، كما هي نفسي التي باتت لا تعرف حتفها ومصيرها، سوى نورٌ ضئيل بان لها في نهاية الطريق، الطريق الذي امتلئ شوكاً، وصخوراً خبئت وراءها حفر القدر.

انتبهتُ بعد أن أدركتُ ما جعل صديقي يتكلم بتلك المشاعر والأحاسيس المتدفقة، كسيل من عبير الزهور، وكعليل خاف الموت وفقد الأمل بالحياة، وشفي وفجأة عرف حقيقتها، وأشتاق إلى الموت. وصبياً وجد جثة حبيبته، الناس تشتمها، وتبتعد عنها، وتنعتها بالجيفة، وهويضمها إليه ويشمها، ويصرخ، ويشبه رائحتها برائحة العنبر وغابات الكروم ورمال الشاطئ.

أنها تلك النفس البشرية المسكينة التي عشقت الحياة

عشقت حزنها، وسرورها .

خيرها، وشرورها .

والشمس مرة، والقمر تارة .

والنهار في أوج ضجته وزحمته .

والليل في ذروة هدوءه وسكينته وبهجته.

والفصول.. في حرارة عواطفها في الصيف.. في برودة ابتساماتها في الشتاء.. وتأملاتها في الخريف.. وتنفسها في الربيع.

عشقت مذاق الخمرة، ودخان السجائر .

عشقت طعم الإيمان، وصحبة الرّب .

عشقت شيطانها، وكرهته بعد أن قتلها، وخسرت صاحبها

أحبتْ وهُزمتْ في مضامير عدة، وكرهتْ وغلبتْ في أخرى.

وعاشتْ رغم مأساتها هذه. تطايرت أفكاري مرة أخرى في الأثير، كأعمدة دخان سجائري، ودخان معامل الطابوق، تارة أبيض، وبرهة أسود.. تطايرت أفكاري بعد أن تكلم صديقي الثالث الذي كان يجلس بجانبي الآخر، كأنه رفع أنقاض السكوت عما يكبت هوالآخر.فأظهر ما ناء بحمله داخل صدره، وأفصحت نفسه عما في أساريرها، مثل سجين رأى نور الشمس بعد سنوات عاش فيها الظلام، وتنفس النسائم بعد أن تنفس النتانة، فراح يملأ رئتيه بأنفاس الحياة الزاهية المبهرجة، فوصف الحياة بكلمات قليلة أدهشتني:

– أتعلمون.. أن الحياة بلحظاتها لا بعدد السنين التي عشناها

قال جملته وهوينظر في الأفق كأنه عرف كنهها، ووصل أخيراً نهاية المطاف في رحلته نحوالحقيقة.. الحقيقة المجردة التي يذوب عندها أي تسائل أوشكوك.. أيقظ كلامه في داخلي أفكاراً جديدة عن الحياة.

بتواضعها، وغرورها .

وزخرفها، وطبيعتها .

ونشوتها، وتأوهاتها .

حكمتها المصطنعة، وتفاهات أقدارها .

ونهاياتها المكررة ومصيرها المخادع .

عرفتها اليوم، في هذه اللحظة، ولم اعرفها في ساعات أوأيام بل لم أحيها في غير تلك اللحظة.. عرفت أنه لن يبقى من الإنسان غير الذكريات بجمالها وبشاعتها على حداً سواء بشرورها وطيبتها..لن يبقى منه سوى لحظات يوصفه بها الآخرون

( وصلنا نهاية الطريق.. هذه هي محطتنا الأخيرة، بأمكانكم أن تترجلوا الآن! ) هذا ما قاله سائق السيارة وهوينظر لي من خلال مرآته الامامية وعلى وجهه إبتسامة باهتة!