قصة قصيرة .. واقعة كفاح

قصة قصيرة .. واقعة كفاح

 ليث الاسدي

(تعودُ بي ذاكرتي الى أحداثٍ مضتْ لا أدري ما هو تأثيرها على منْ حولي ولكّنها بالتأكيد قدْ شكّلتْ شخصيتي بكلّ ما فيها من فرحٍ وحزنٍ , عذابٍ ويأس وكلّ ما هو جميل أيضاً في هذه الحياةِ ومنْ هنا تبدأ قصّتي ) .

كنتُ محظوظاً كوني أوّلُ الأولادِ الواصلينَ إلى هذه الدنيا منْ أبٍ ما وجدتُه يوماً قدْ أرادَ شيئاً ما لنفسهِ بل للأنسان دائماً وأمٍ لمْ تعرفْ من هذهِ الحياةِ غيرَ الولاءِ لزوجِها المكافحِ صاحبِ المبادىء الثّوريةِ والفلسفةِ الماركسيةِ التي لمْ تكنْ على قطيعةٍ مع تلكَ القوّةِ العظيمةِ التي تسّير هذا الكونْ .

كانَ مثلي الأعلى أتابعه في كلّ حركاته وكلماته أقرأ ما يقرأه وأنصت الى ما يقوله دائما وكأن لا نبي لي سواه أو هكذا ما كنت أظنه وقد كان يستحق مني كل هذا الاحترام فقد كان صادقا مع نفسه إلى درجة كبيرة شأنه شأنَ الانبياءِ والمصلحينَ ورغم أنني تقاطعتُ معه عقائديا وفكريا إلأ أنني قدْ تعلقتُ به حتى أخر ساعةٍ له في هذه الحياة .حدثتني جدتي كثيراً عن طفولتِه وكيف كان مشاكساً ولكنْ مع من يتخذ الكذبَ و الوهمَ شعاراً له وكيفَ أطلقَ أـولى صرخاتِه عندَ ولادتِه ليعلنَ رفضهُ لهذا العالم الّذي جاءه مجبراً .كانتْ الأيام تجري بالنسبة لنا نحن العائلة الكبيرة بصعوبةٍ ونحنُ نقارعُ الفقرَ والطغيانَ معاً.

أتذكر وقد جلسنا يوماً على الغداءِ ومن حولي كانتْ هناكَ البطون الفارغة , وقد أنسحبَ هو جانباً مدعياً إنشغالهُ بكتابةِ قصته الجديدة عن الأنسان وقد أحسست وأنا أتطلع إلى عينيهِ من خلفَ نظارتهِ السميكة وقد أغرورقتا بالدموع وكأن همّ الكون كلّه فوق رأسهِ لا همّ عائلته فقط.

أمسكتُ بملعقةِ الطعام ورحتُ أتظاهرُ بالأكلِ لأفسحَ الطريقَ لمنْ حولي كي ينالوا من نصيبي في هذه المائدة التي ما شبعنا منها يوما ولكي أنسى طعم الجوع أنزويت إلى فراشي مستمتعاً بقراءةِ قصصِ ألفِ ليلةٍ وليلة ( قصّة قمر الزمان وبدر البدور والشاطر حسن ومصباح علاء الدين ) حيث كانتْ أجملُ الحورياتِ وألذّ الطعامِ وأخبار الملوك بأنتظاري كي تشبعَ غريزتي الأنسانية كنتُ أقفُ عند باب غرفة ابي وأمي رافعاً يدي إلى الاعلى أتمتم بدعاء حفظته عن إمام الجامع ورغــــــم أنني لم أكن أعرف ما تعنيه هذه الكلمات إلاّ أنني كنت أشعر بالاطمئنان عندما يلهج لساني بها , كانت الايام تمضي وكأنها بلانهاية ولِمَ تكون لها نهاية ؟ طالما كان معنا بصوته وجسده وروحه المرحة التي لم تكن تعرف اليأس ولا الاستــــــسلام يوما .

علمّنا أشياء كثيرة مثل حب الخير والانسان والقيم والصدق ورغم أننا كنا حوله إلاّ انني كنت أحس بغربته حتى وهو بيننا .

– يا زكية هل نام الأولاد ؟

– نعم يا أبا فاضل لقد ناموا , ماذا ستصنع غدا مع هؤلاء وأنت تعرف جبروتهم ؟

– يا زكية وماذا تظنين أنني فاعل , (لقد حملت خشبتي على ظهري منذ سنوات طوال ولم أجد من يصلبني عليها ) وربما حان الوقت لأكون مسيح الثقافة المصلوبْ ,

ولكنّني سأواجههم بكلّ قوةٍ وسأذكّرهم بعوراتِهم فأما أن يكّفوا أو أُصلبُ .

زكيّة لقد تذكّرت شيئاً خذي هذه مخطوطة روايتي اليتيمة أدفعي بها لولدي فاضل لعلّها ترى النور على يديه يوما ما .

أخذ يوصي والدتي كثيراً تلك الليلة وقد كنت أنصت إليهما من وراء الباب ولمّا أحسّ بذلك قطع حديثه وأطفأ النور الخافت وغرق في ظلامٍ دامسٍ وهمهماتٍ جميلةٍ حتى الصباح .

في اليوم التالي تبددتِ المخاوفُ بعد عودته من العمل مبتسماً ملوحاً لها بعلامة النصر ,

– لقد واجهتهم بكلّ قوةٍ

– تركتهم في حيرةٍ كيف سيتصرفون معي ؟ هكذا رددّ فرحاً

– همْ قدْ تعودوا منٍ الاخرين الخنوع لرغباتِهم وعطشِهم التدميري للأنسانْ

– لقد واجهوه لأول مرةّ , ولكنني كنتُ متأكداً منْ أنّ شجاعتَه قد أنقذته .

– واستمرت الحياةُ مواجهةً منه وأنسحاباً ومهادنةً منهم , إلاّ أنّه قدْ دفع الثمنَ غالياً ,

أن يبقى مشّردا بعيدا عن عائلته وقريته التي نشأ وترعرع فيها متنقلين به من قرية الى أخرى ,

وها هي الحربُ تدّق طبولَها وقد أستعدّ لها الجبابرةُ أحسنَ أستعداد وقد أعانهم على ذلك نزواتهم ورغباتِ أخرين لا يفهموا من هذه الدنيا غيرَ فرضَ إرادتهم على المستضعفين الّذين لا يملكوا غير أن يكونوا حطباً لها وأستعدّ هو أيضاً بشحذِ قلمِه الّذي لمْ يخذله قط .كانت حرباً طويلة أكلتِ الأخضرَ واليابسَ , في البداية ظّن الكثيرون أنّ الوطنَ في خطر أوهموهم بذلك , قالوا لهم أنها ستكون نزهة قصيرة في أرض العدو يخرجون بعد ذلك منها سالمين غانمين ولّكنه قد خَبِرَ الحروب وعرف معناها جيداً فالعدو لنْ يستسلمْ , أحس النّاس بالضّجر من القتلِ المجّاني في هذه الحربِ سنة بعد أخرى , في البداية كانوا يقيمون الاعراس والاحتفالات لمن يسقط من أبنائهم قتيلا في أرض معركة ما من معارك هذه الحرب الضروس والأن لا تجد غير الثكالى والأيتام يندبون حظّهم العاثر في هذه البلاد الغريبة .

وماذا يفعل ؟ والجرح قد أصبح غائراً في جسدِ الأنسانية التي لمْ تتعلّم من أخطاء الماضي , تذكّر قولَ ماركيز ( المرءُ لا يعيش سحقاً إذن وإنما يقاوم من أجل البقاء ) .

على كل حال لمْ يُعدم الوسيلةَ وقلمه ما زال حياً فليجرّبه , فكانت تجربتٌه أشبه بالسباحة ضد التيّار وعليه أن يقاوم .

– يا أبا فاضل دعنا نرحل عن هذه البلاد لعلّنا نجد الحرية والأطمئنان خارجها .

– يا زكية إياكِ ان تكلميني في هذا الأمر ثانية كيف لي أن أنهزم ؟

– قد أسقط عن ظهر جوادي إلاّ إنني لن أنهزم امامهم أبدا .

– أتعلمينَ أنني أن فعلت ذلك أستبدّ اليأس بالناس من حولي وفقدوا الأمل بالمستقبل

– أنا أعرف أنه لن يأتي وأنا على قيد الحياة ولكنّ عزائي أن أولادي وربّما أولادهم سيتمتعون به , عند ذلك ستهدأ الروحُ وسأسّتقر في قبري سعيدا .

– ياه يا أبا فاضل أنت حالمٌ كبير , بعدها أقلعتْ زكية عن فكرةِ أقناعِه بالرحيل .

– لقد كان صبره في هذه الحرب مثل صبر جندي أول من وقع في الاسر وآخر من أخرج منه بعد إنتهائها .

– يا لها من جحيم كانت تلكم الأيام يُكره فيها الحبيب ( وتلهو المرضعة عمّا أرضعت)

– لا يدري كم كأسا قد شرب هذه الليلة ولكن بالتاكيد كانت أهون عليه من كأس الحياة فقد كانت أمرّها .

هل يرفع الصمت الأن إحتجاجاً وشعاراً له فما جدوى الفلسفة والثقافة والأدب إن فُقدَ الأنسان ؟ رسالته لم تنته بعد فمازال ذلك الأمل القابع في ذاته الجموح يغّذي كفاحه وكلمته المقدّسة فقد آثر مواصلة السير في نفس الطريق الّذي سلكه من قبل .

هذه المرة كانت الطريق أشد وضوحا وخلفه كانت أول خيوط الشّمس تعلو في السماء شيئا فشيئا لتبدّد الظلام معلنةً ولادة َفجر جديد .

تركتهُ وقد جلسَ ليستريح قليلاً ثمّ أغمض عينيه بعدها وإلى الأبد .