قصة .. في قصيدة …

 

 

قصة .. في قصيدة …

عبد الهادي البابي

رحم الله شاعرنا الكبير محمد علي الخفاجي الذي جسد تفاصيل قصة إنسانية عظيمة حدثت في تاريخنا في هذه القصيدة الرائعة ..

وفي سنة صاح في دمه هاتف الحج..

فايقظ أجراسه النائمة ..

 حيث قام الى نفسه وقد صار في سره بشراً من تجلي  ..

 أعطى الزكاة ورد المظالم والصدقات… أكرم لحيته وهيأ إحرامه وودع آخر جار له ، ثم اسلم ناقته للفلاة..!

 لكنه في الطريق وهو يقطع ذاك المدى…

رأى حائطاً مائلاً ليتامى، وداراً من الطين آيلة للسقوط…ورأى أماً من الفقر تلهي الصغار بطبخ الحصى..

رأى الجوع يورق في القسمات..!

 فصاح على الفور : لبيك اللهّم لبيك، لبيك.. لبيك.. لبيك، عندها حط عن رحله ، شد إحرامه وثبّت للهدي أقـــدامه …

وراح يهرول بين صفا نفسه ومروتها……ثم طوّف في ذلك البيت سبعاً وهو يردد :

لبيك اللّهم لبيك فتردد من حوله الطرقات…!

في المساء.. صعد السطح… كان كمن يصعد العرفات، وفي كفه قطع من حصى، فاستدار الى جهة ورمى الفقر بالجمرات، وهو يردد لبيك اللهّم لبيــــك …

فتردد من حوله الطرقات، حين انفق ما عنده دون أن يدرك الحج… عاد الى أهله خجلاً يتوارى،وقال : أحج الى الله في السنة القادمة ..

 لكنه في الطريق، والفجر ما زال لم يرسل الوهج، أو توقد الشمس ضوء السراج، توسمه نفر عابر، فدنوا نحو ناقته، ألقوا عليه تحيتهم قائلين له :

مرحبا أيها الحاج.. مرحبا أيها الحاج…!! والقصة للرجل الصالح عبد الله بن المبارك ..الذي قضى عمره يذهب عاماً للجهاد في سبيل الله وعاماً يعمل في مزرعته يعيل أهله وفي العام الثالث يذهب للحج ..وفي العام الذي أراد فيه الحج وبعد أن أدى حقوق الله عليه من زكاة وغيرها ودّع عياله وأصحابه وخرج وحيداً على ناقته في الليل ، وعندما كان يجد السير في الطريق شاهد منظراً إرتعدت له أوصاله ، وأهتزت له مشاعره حيث وجد إمرأة  في الظلام تنحني على كومة من قمامة وتلتقط منها دجاجة ميتة ، تضعها تحت ذراعها ، وتنطلق في الخفاء…

فنادى عليها وقال لها : ماذا تفعلين يا أمة الله ؟

فقالت له : كما ترى أريد أن أصنع منها طعاماً ..فقال لها : كيف وهي ميتة والميت حرام في شرع الله ..! فقالت يا هذا :  أترك الخلق للخالق فلله تعالى في خلقه شؤون ، فقال لها عبد الله إبن المبارك : ناشدتك الله أن تخبريني بأمرك فقالت المرأة له : أما وقد أقسمت عليّ بالله.. فلأخبرنَّك.

فأجابته ودموعها تجري  : إن الله قد أحلّ لنا الميتة… أنا أرملة فقيرة وأم لأربع بنات ، قد غيّب الموت والدهن ، وأشتدت بنا الحال والعوز والجوع ، ونفد مني المال، وطرقت أبواب الناس فلم أجد للناس قلوباً رحيمة ، فخرجت أتلمس عشاء لبناتي اللاتي أحرق لهيب الجوع أكبادهن فرزقني الله هذه الميتة ، أفمجادلني أنت فيها ؟

وهنا نزل عبد الله من على ظهر ناقته وجلس على الأرض وأخذ يبكي ودموعه تتحادر على لحيته وقال لها : خذي هذه الأمانة وأعطاها المال كله الذي كان ينوي به الحج، فقالت هي مصروفك للحج كما أرى ..فقال لها : لاحاجة لي بالحج …أنتم أبر وأوصل عند الله  ..فأخذت المال أم اليتامي ورجعت إلى بيتها فخرجن بناتها الصغار يستقبلن أمهن كأنهن فراخ النعامة يتهادين من الجوع ..فزاد نحيب إبن المبارك وهو يرى هذا المنظر الذي قطّع قلبه ..بعدها عاد  إلى بيته وبقي لايخرج من البيت خجلاً من الناس اللذين شاهدوه وهو يشد الرحال الى الحج ، حتى عاد الناس من الحج بعد أشهر…وفي المنام رأى  رجلاً يشرق النور من وجهه يقول له : السلام عليك يا عبد الله ألست تدري من أنا ؟ أنا محمد رسول الله، أنا نبيك في الدنيا وشفيعك في الآخرة جزاك الله عن أمتي خيراً .

يا عبد الله بن المبارك : لقد أكرمك الله كما أكرمت أم اليتامى، وسترك كما سترت اليتامى.

فيا من تتباهون بكثرة الحج والعمرة والطواف حول الكعبة ، طوفوا حول الفقراء حتماً ستجدون الله عندهم !

رحم الله الرجل الصالح عبدالله بن المبارك ورحم الله الشاعر محمد علي الخفاجي ..