قصة زيد النار لجابر خليفة جابر والعودة العظيمة
تناوب لغوي على درجات السلّم العبّاسي
حسين سرمك حسن
يستهل جابر خليفة جابر قصته القصيرة زيد النار بالقول أهبط درجات السلم العباسي… وجه المتوكل عليه بصمات العذارى الناعمات، سياط الأتراك القاسية وروائح العبيد. أدوسها بحذائي، وأهبط نازلا إلى قصر البركة، سامراء فوقي، تتصاعد درجة، درجة، وأنا أهبط و طه معي. وكما لو أن رسالة وردتني منه، من حفر الباطن أو… أهبط، ويهبط قلبي. رأيت إنني أغادر بريد العشار، كنت خارجه أتمشى، جدار واطئ يتراجع خلفي، أمزق حاشية الظرف وأقرأ .
فيضعنا وبصورة مباشرة وهذه من سمات فنه السردي الأسلوبية في مركز لعبة زمانية تبدو في الظاهر، ومموّهة، بالتناول اللغوي، وكأننا نقرأ النص معه في الحاضر . وهو في هذا النص مثلا يهبط وبفعل اشتراطات البنية الزمانية للفعل أهبط المعبّر عن راهنية الفعل واستمراريته، درجات السلّم العبّاسي، على الرغم من الإيحاءات المباشرة لاسم هذا السلّم وتاريخه، ولاسم الخليفة المتوكل ومعاني شخصيته الغائرة في القدم. لكن التأمل الهاديء والمتعاطف، وأؤكد على شرط التعاطف هذا الذي لا يمكن فهم أي نص وفك مفاتيح مغاليقه من دونه لأنه يوفّر الأساس التحتي العاطفي وبالتالي اللاشعوري لتأسيس بنية الإدراك والتحليل الفوقية ؛ المتعاطف سيجعلنا ننسحب، شيئا فشيئا، مع جابر عبر آصرة انفعالية غير محسوسة حيثياتها منبثّة في أعماق تربة لاشعورنا الجمعي، نحو ما يمكن تسميته بـ مكمن كتابة النص الذي هو الموقع الذي تموضع فيه الكاتب وهو يكتب نصّه على حدّ الإلتحام بين منطقتي شعوره ولاشعوره، وهي عادة منطقة رخوة ومرنة بدرجة كبيرة تذكّرك بالمناطق الحدودية المشتركة بين الدول حيث يتحرك السكان بين الدولتين بحرّية على الرغم من أنهم فعليّا يخترقون خطوطا غير مسموح بها قانونيا. وعند هذه المنطقة الحدودية من الوعي يمكن للكاتب أن يرسم لنا مصيدة العلاقة الزمانية التي هي غريبة على الشعور بل هو يرفضها أساسا فيستدرجنا من الواقع الحاضر الذي نعيشه وقت القراءة، إلى واقع القراءة الحاضر الذي هو ماضي الكاتب وأرشيف الوقائع القصيّ. فليس الحديث الآن عن حركة الراوي وهذه القصة تُحكى بضمير الأنا المتكلم المفرد وهو يهبط درجات السلم العباسي، ويدوسها، ومعها وجه المتوكل والعذارى الناعمات وسياط الأتراك ووروائح العبيد، مزج بين حوادث ورموز ماضية وأخرى حاضرة الغائب طه وحفر الباطن بل هي كتابة و صوت يأتي من الماضي، لأننا بمجرد أن نبدأ بالحديث عن الحاضر فمعنى ذلك أنه قد اصبح ذكرى وبالتالي فقد صار ماضيا. لكنه الماضي الذي يضم في أحشائه الحاضر والمستقبل لائبين، وينتسج الكاتب خيوط حضورهما من حركة نوله الهادر التي لا تهدأ. هذه الحركة هي الحركة المدوّية لصندوق الذاكرة الأسود الذي يشتغل القاص على موادّه. وكلها ماض يحيله الكاتب البارع إلى حاضر ومستقبل مراوغ ننخدع بهما حدّ الإنفعال الحيّ والمؤثر.
ومن دون إدراك هذه السمة المركزية والحاسمة لا يمكن فهم نصوص جابر خليفة وكتبه القصصية مثل طريدون، وأصوات أجنحة جيم، وحكاية الرجل الغريق. وحتى نصوصه القصصية المفردة. وكونك تقرأ نص الكاتب في الحاضر وقت القراءة في اللحظة الممتدة التي تكون فيها معه في مكمنه الذاكراتي الماضوي الذي صار حاضرا وسيبدأ بالتشكل ليستحيل مستقبلا هو روح فعل المخيّلة التي توصف في فعلها كـ فنطازيا في نصوص جابر. فجوهر الفنطازيا ليس التلاعب بالماهيات والكينونات المتعارف عليها شعوريا، وتصويرها وفق مشتهيات اللاشعور حسب، بل هي هذا التصرّف بعلاقات أبعاد الزمان الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل، وخلخلتها لجمعها في نقطة البدء، وقد انفصلا عنها طويلا وتجوهرا. وبمجرد أن أدخل الراوي اسم طه الذي لم تتضح ملامح وجوده لنا حتى الآن، و رسالته التي وردته من مكان حاضر اسمه حفر الباطن لنتصرف وكأننا لا نعرفه على الرغم من أنه مكان الماضي الذي تهشمت فيه أعمارنا بلا رحمة حتى أربك مسارات العلاقات المؤسسة والراسخة في ذاكرتنا الفردية والجمعية.
والفعل أهبط الذي تكرر خمس مرّات في هذا الاستهلال، لا يشي فقط بالعودة الزمانية المحكومة باتجاه الحركة عبر المكان إلى الماضي، بل توحي بمعاني الهبوط أو النزول النفسيّة من علو التماسك إلى أسفل هوّة القلق والتحسّب. يعزّز سخونة هذا الإحساس إيحاءات اسم المكان المركّب حفر الباطن، حفر باطن العالم الأسفل بالنسبة لنا كمتلقين عراقيين تحديدا حتى لحظتنا المرعوبة الراهنة، وكذلك حركة هبوط القلب المتأسّي؛ حركة تتزعزع فيها روابط أبعادها الزمانية من جديد حين يعيدنا القاص إلى حقيقة أنه يرى أنه يغادر بريد العشّار حاملا رسالة طه . وكل هذه الحركات التذبذبية تتكفل بها وتؤججها اللغة حيث ألقت الصيغة الإحتمالية وكما لو.. بظلالها على كل مجريات الاستعادة الزمانية السابقة واللاحقة.
شاعر ألمانيا
وجابر صانع محترف يذكّرني بالعبارة المفتاح التي كررتها كثيرا، والتي يقول فيها هينه شاعر ألمانيا يتحدثون عن الإلهام، وأنا أعمل كالحدّاد . فقد صمّم جابر البناء اللغوي لهذا الإستهلال ثم للنص باكمله كما سنرى وفق حجارة حركية مركزية مفتتحها ولحمتها الأساسية هي الفعل أهبط الذي استهل به نصّه والذي جعل من القصة بأكملها واقعة هبوط سنتبين ملامحها التفصيلية لاحقا ؛ هبوط يستدعي بالضرورة متضمنات نقيضه الصعود ، والتي ستتمتع بدور أقل حسما من الناحية الكمّية . وهذا لن يلغي فعلها النوعي حتى لو كان وجيزا أو إيحائيا. ففي الإستهلال هناك الأفعال والمسميات والأحوال أهبط، وأدوس، ونازلا، وتصعد، و حفرْ الباطن ، وأغادر، وأتمشى، ويتراجع، وأمزّق، وأقرأ. وكلّها تبعد النص من السكونية الحدثيّة الستاتيكية للمكونات البشرية والمادية، إلى الحركية الدينامية الخلّاقة. وقد جعل حتى الجدار الواطيء يتراجع خلفه، في حركة ينفصل فيها عن ذاته ليصبح مراقبا ومشاهداً رأيت إنني أغادر.. وهو أمر لا منطقي بالنسبة لحسابات شعورنا ومنطقه الرياضي البارد. لكن المبدع يكتب بلاشعوره إذا جاز الوصف؛ هذا اللاشعور الذي يشتغل وفق آليات منطقه الخاص، هذا المنطق الذي يقرّ الآن أن ينطلق صوت الغائب، وهو يقرأ رسالته، وهي بين يدي الراوي الآخر المتكلّم الذي هو أحقّ بهذا الصوت.
الواقع النفسي
إن مجيء هذه الرسالة هي حركة صعود في الواقع النفسي العام للرسالة. فالراوي يقرأها مسرعا مع إيقاعها الراقص لولا أن المُرسل يدعوه وهو يرسم له منذ الأسطر الأولى دليلا لقراءتها، هو في حقيقته وبتخطيط من القاص الماكر دليل قراءة المتلقي لحكاية جابر إلى أن يتمهل وهو يقرأ. وكأن الراوي كان يسارع إيقاع نبضه القرائي النفسي ليجاري زخم الرسالة التي قطعت آلاف الكيلومترات وطوت آلاف الرسائل، وتخفي كلماتها من الناحية البلاغية الدلالية تلالا من الكتب، مثلما أراد القاص أن تُخفي حكايته التي تحرّشت بمعطيات واحدة من أخطر مراحل الحياة العراقية وقت نشرها في عام 2001 في العدد الحادي عشر من سلسلة جماعة البصرة أواخر القرن العشرين . وعبر هذا التأويل فإن هناك رسالة أصلية تتنقل عبر ثلاثة اصوات هي صوت القاص»المؤلف الذي لا يموت، وصوت الراوي كتمظهر لشخصية القاص في جانب من جوانبه، وصوت طه الذي لا أعلم كيف يوصف بأنه ضمير غائب وهو كامل الحضور، وهو تمظهر ثان لشخصية الكاتب. هذه الرسالة ثلاثية المحطات تُنقل إلينا عبر رسالة طه الأسير.
ومثلما واجهت الرسالة الأخيرة مخاطر ماحقة، وهي تجتاز البرّ بكثبانه المتحركات وبعطشه، ووصلت ممهورة بلغات شتّى وأختام حمر، عليها من غربة المخيّم ألوان ومن حسراته بصمات، تطرّزها خدوش الأسلاك الشائكة وحراب البدو والمارينز، وتنز من بياضها العراقي الحزين جراح الأسر وذرات الرمال، فإن رسالة جابر وتحت ظلال تلك المرحلة الخانقة والمميتة ويقولون لك أن النص يُفصل عن حاضنته الاجتماعية ستصل الأصح وصلت وعليها أثقال هائلة من عمل اللغة السردية التي يُطلب منها أن تكشف من الحقائق بنفس القدر الذي تُخفيها فيه، وهي حركة تقابل حركة الهبوط والصعود التي ستحكم مسار الحكاية. إنها حركة موجيّة إذا دقّ الوصف. وطه قد خطط كي تصل رسالته كما يقول بيضاء إلا من حبرها وإيحاءاتها ، مثلما يخطط جابر لحكايته كي تصل إن وصلت وهي مقلوب قصديّة الصوت الثالث، وعليه فسنكون نحن المتلقين الذين تنطبق عينا وبصورة أكبر دقّة وصايا طه . وعلينا أن نقف مثلما يتوقف الراوي الآن على أدق تفصيلات الرسالة في بنيتها اللغوية والحروفية وجابر متشبع بأهمية الثقافة الحروفية فهو من مدرسة كن فيكون التي تحيي فيها اللغة الموجودات وتُميتها لنمسك بدلالات ابسط المتغيّرات في هذا الخطاب » الرسالة وخصوصا أحد حروفها ؛ هذا الحرف المنقّط تحديدا الذي يلتم على سرّ الرسالة وجوهرها فانتبه وتأمل باء البسملة أم باء البصرة ؟ . وهذه ليست وصيّة من وصايا الصوفيّة بقدر ما هي تعليم من تعاليم ستراتيجية التلقي العراقية. إن الأسرار التي تتحرّك، وتحيا وتتنابض، وتتداور وتموج، يمكن أن تتمحور حول نقطة في روح النص » الرسالة، علينا أن نهبط إليها، متحفّزين لعثرات التأويل مثلما يتعثّر الراوي في عملية هبوطه المتخيلة والفعلية في الوقت نفسه. والكاتب يُحكم الحاجة لـ الإنتباه في أذهاننا ويؤججها، كلّما هبط درجة على سلّم حكايته. فهو يضع بين أيدينا وخصوصا من ناحية الضرب على وتر تعددية الأصوات حكاية تشبه حكاية » أحجيّة الصورة المقطّعة التي علينا أن نعيد تركيب أجزائها بعناء لنظفر أخيرا بالصورة الكلّية الأصلية. يتحقق هذا من خلال الإحاطة بـ زمن الشخصيات. ففي الوقت الذي ترسخ في اذهاننا أن مكان طه هو في حفر الباطن، وأن صوته يأتي من ماض قريب حاضر متماض عبر رسالته، فإنه يحضر مع الراوي وهو يهبط السلم العباسي، مثلما يسير معه في شوارع البصرة مغيّبا لا يرى إلا مشاهد انتقائية تفرضها محنتهما المشتركة.
ولا يجد الراوي الوريث، وما أقسى أن تكون وريثا حسب غوته من منفذ للخلاص بعد أن عرف أسماء المخلّصين كلّها ؛ أسماء الأبناء الأمينين حدّ الفناء على مواريث الأمومة وبركاتها المنعمة التي فيها خلاص الذات والجماعة من الطغيانات الساحقة لكل متوكّل قديم أو جديد. وبالنسبة للإثنين الراوي وصاحبه طه ، فإن الطريق الأعظم للفعل الإنقاذي، هو التشبّث بسفينة الخلاص.. من الماء جئتَ وإلى الماء تعود.. هكذا وجد طه سبيل خلاصه الذي لا يخيب، وهو يحكي لصاحبه الراوي في رسالته مصوّرا محاولته في الصعود الأخير والفذّ
صوبوا رشاشاتهم وكادوا، لولا أنني رأيتها، شقّت الظلام فرأيتها، كأنها فجر, وشقت الشط وأنا أسبح وصاحبي يغرق، يغرق بالرصاص وانا أسبح، كأنها فجر، رأيتها، سفينة من بياض، بيارقها خضر خفاقة والظلام من حولها نور. فتذكرت يقول طه في رسالته تذكرت قصتك الرجل الغريق وتذكرت طريدون باخرتك البيضاء أو كتابك القصصي، تذكرتهما وتمنيت لو أنك كنت معي، والمد قوي وسفينة النجاة تقترب، الفجر يقترب،أسبح تجاهها وتقترب بيضاء، قبة الذهب فوقها، سامراء فوقها وهي تقترب، بيارقها خضر والحرس على الجرف يقتلون أية حركة ولو ليمامة وأنا اقترب من الفجر… وتمنيتك معي .
.. أمّا الراوي » القاص الوريث، ففعله يعلن أن لا وقفة حيرة على السلم العباسي بين الهبوط و الصعود بعد الآن ؛ فعله أكثر مباشرة وقوّة في العودة إلى الرحم الأمومي المنعم والحامي، فعل قرّره بإراة حديدية وعزم لا يلين، رغم تزامنه النفسي العميق مع فعل طه في رسالته
فأغلقت القراءة رسالة طه أغلقتها، ونظرت إلى اعلى السلم العباسي لقصر البركة، كانوا يقتربون، الحرس العباسي يقتربون بأرديتهم السود بضع درجات برشاشاتهم ورأيتها، سفينة النجاة، تعترض الأمواج ترد ارتطاماتها وتنتفض، على قلب الحمرة المشرقية رأيتها قبة من ذهب وبياض، قلت من ركبها نجا، وقرأت على صاريتها صدر الزمان بأحرف من رضا، قرأتها وقفزت إلى الماء… .
/5/2012 Issue 4213 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4213 التاريخ 30»5»2012
AZP09
























