قراءة في قصيدة دمعة بعيون النازحين (1)

قراءة في قصيدة دمعة بعيون النازحين         (1)

قصيدة النثر بصفاتها و مواصفاتها الحضارية و إبحارها في الحداثة منذ نشوئها تحمل معنى الرقي والتقدم وتمنح الشاعر الحرية في التعبير عن أفكاره وإحساسه   والقصيدة تبقى تحمل ثقافة الشاعر ولغته وأفكاره وتوهجه في اللحظة وفي أحيان كثيرة تطابق شخصيته فتكون هي الشاعر نفسه ويكون هو قصيدته فيصل الى ذروة المعنى الذي يبتغيه

فالشـــــاعر محمد الدمشقي يخرج الكلمات من واقعها المألوف و المعتادة عليه الى واقع التجربة محافظا على إيقاعــات الكلمات داخل الجمل وتأثيرها الصوتي حسب الصور التي تعبر عنها و الدمشقي يعي تماما أن طريق الشعر طويل و الوصول اليه غاية ليست يسيرة فهو يحاول دائما أن يجد ما هو جديد ليغني تجربته الشعرية فهو بالإضافة الى حسه المرهف وذائقته الشعرية وتقنيته العالية وتوافقه الذهني وخياله الجامح يحاول دائما ان يستفز اللغة ويشاكسها ليخلق مفرداته الخاصة به وأسلوبه المميز

وهذا ما سنلاحظه من خلال قرأت قصيدته رسمتك وهي قصيدة مفعمة بحب الوطن رغم ان الوطن لا تحتويه قصيدة لكن قد تكون قصيدة هي الوطن وهنا أود ان اسأل هل القصيدة ما رآه الشاعر وفكر به و أحسه ثم الكلمات او المغامرة في اللغة لعلها تستجيب لما يبتغيه الشاعر وهل الكلمات هي استحضار للصور والمعاني ام هي حياة أخرى عالم أخر نحياه ونتجول به نعيش مع الكلمات التي تعبر عن ذاتها من خلالنا

وقصيدة رسمتك عبارة عن تراجيديا و مأساة تملى الأفق على مد البصر بورونامة متحرك وطن يضيع خلف الدخان و ضباب قاتم أبناؤه يموتون جوعا يموتون خوفا يقفون كالأشجار العارية في وجه الريح السوداء يلتحفون أيامهم يطاردهم الموت لكنهم يقاتلون دفاعا عن وطن اخضر حولته غربان الشر الى خراب وجوه صفراء تحمل الدمار كوصية للشيطان أينما حلت تنظر الى الوطن عبر مناظير الخراب و الشاعر الذي يسير في هذا الخراب يتشبث بنزيف تراب الوطن تصور حتى التراب ينزف لكن الوطن لا يغادر أحلامنا هي التي تغادر و أمالنا التي يطاردها الرصاص قذائف عمياء تتلمس طريقها نحو حياتنا و تتساقط صرخاتنا كجسد يتلقى طعنة غدر تتهاوى لتختلط بصرخات الوطن لتصبح صرخات بلا صوت و لا صدى لتدخل شمس الأصيل في ظلام الليل وتتلاشى الملامح .

رسمتك

عندما غادرتني و أنا متشبث بنزف ترابك

من فوهة موت رأيتك

عبر مناظير الخراب

قاب قذيفتين و رعشة

تطاردك رصاصة

يعتريك خريف نبض

تتساقط .. طعنة … طعنة

و تغرق …تغرق في صرختك

نحن في زمن أسطورة الموت الذي يقف على أطرافه الخلفية لينقض على الحياة وهاهو الوطن الذي تجسدت به أسطورة الحياة مطفأ العينين أنهكته الجراح النيران تلتهمه يتلمس اشلاء أبنائه يحاول ان ينهض من خلال الركام فهل يستطيعون ان يشيعوك الى مثواك الأخير و أنت بلا جسد لان جسدك هم أبناؤك الذين بهم تحيا فلن تكون منازلك أضرحة ولا الزهور ولا السنابل و لن يختنق ندائك في حنجرة الأيام ستكون كلماتك زهورا وسنابل سيكون لك المدى رغم راية العـــــــظمتين و الجمجمة وما تحمله من شـــــــر وهنا الشاعر يرمز الى راــــــيات الشر التي تتستر بالاسلام لكن الاسلام منها بريء جيشوا كل جيوش الظلام و حشدوا كل الشياطين من اجل تدميرك يا وطني حاول ان يعبروك نحو أضغاث جنتهم ولا يعبروك فقد سقطوا في ظنونهم وتمترسوا حول أحقادهم يعاونهم أشبـــــــــاههم من الخونة وشذاذ الأفاق.

رأيت عينيك مطفأتين

و النار تلتهمك

تمد يديك

لتلتقط المسامير و الأشلاء

و عظمتين و جمجمة

تسحبك الدماء

يدثرك الركام

يخرجونك منك

يشيعونك نحو منفاك الأخير

دون جثمانك

المنازل أضرحة

السنابل أضرحة

الأزهار أضرحة

اختنق النداء

لا ضوء يعلو فوق أسراب الدخان

لا صوت يطغى على زئير الأسلحة

و قهقهات الموت و الرماد

و عويل المذبحة

عبروك نحو أضغاث جنتهم

و ما عبروك

زرعوا في خواصرك الجحيم

بكفك ذبحوك

و يخاطب الشاعر وطنه المثخن بالفوضى والرايات رغم قهقهات الموت رغم الريح التي تعصف بالرماد رغم عويل المذبحة يا وطني يا صوتي المسلوب النازح دمعا مرسوما في عيون النازحين وهنا الدمشقي يجسد ذروة إبداعه فيصور الوطن دمعة في عيون النازحين دمعة هي خارطة الوطن دمعة في العين ودما ينزفه القلب ونشيج تغص به الحنجرة يا وطني يا حبي الأبدي لن تتلاشى ولن تذهب في الغياب وان حاولوا ان يرسموا حدود ضياعك فخذني ضياء أيها النسغ الصاعد في عروقي خذ عروقي وشروقي وتنفس فجرك الذي طال انتظاره لكن جل ما أخشاه ان نكون انا و أنت الغنيمة مهما كان المنتصر

أيا وطني المثخن بالفوضى والرايات

أيها النازح دمعاً

منذ أن رسموا حدود ضياعك

يا صوتي المسلوب

يا حرب حب بيني و بيني

خذني ضياءً غاب في سراديب اشتياقي

خذ كل هذا الموت و الحسرات

غربتي في برد همك

مدنا تلوح مثل مناديل بيضاء

قهراً تكدس

خذ عروقي

خذ شروقي

و تنفس

التحليل

 ناظم ناصر – بغداد