
قراءة في شعر زيارة مهدي
الصعلكة وعتبات الأسئلة
قيس كاظم الجنابي
-1-
منذ نشر زيارة مهدي مجموعته الأولى( عتبات)عام 1981م، مازال منقاداً لحضور المكان في شعره، فثمة عتبات وسلالم وبيوت، في عنوانات مجموعاته، وتوصيفات لأسماء الأمكنة التي ترتبط بالفكرة أو المعنى، أو تداول الكلام، مثل عنوان مجموعته الأولى(عتبات)، ومجموعته الثانية( سلالم الأسئلة) الصدرة عام 2008م، و(بيت المعنى) الصادرة عام 2017م، وهنا أتساءل:
– ما الذي يجعل صورة المكان او البيت او اجزاء البيت مهيمنة بهذا الشكل على نصوصه؟
يحيل اسم زيارة الى زيارة الأضرحة والعتبات والأسلاف القديسين، وهذا ما يجعل اتصاله بالمكان المقدس جزءاً من وجوده، ومن هنا ارتبطت حياته بالسفر والبحث والتشرد والتوسل الى القوى الغامضة لكي تنتشله من قدره الذي يشعر أنه قدر محتوم، مرتبط بمستقبل كئيب يثير في نفسه العديد من التساؤلات.
-2-
كانت الشغل الشاغل له في مجموعته (عتبات)، والعتبة في اللغة هي أُسكفة الباب؛ فثمة العديد من القصائد تحت باب (عتبات)،مثل:(عتبة التقابل، عتبة الخطى، عتبة التوحد، عتبة الإلفة، عتبة الراهب، عتبة الحكمة)؛ وذلك باعتبار العتبة هي مقدمة لولوج البيت الذي وصفه باشلار بقوله:(( البيت هو ركننا في العالم. انه، كما قيل مراراً، كوننا الاول، كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى))[ جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ط2)بيروت، 1980م)، ص[36 فهذه العتبات هي توطئة للدخول الى العالم بأسره، لأنه موطن الطفولة، والتعبير الحقيقي عن العلاقة مع المكان، ولكنه قد يكون الحيز الذي يمكن أن يخرجه من عزلته، كما في عزلة الراهب، حيث يقول:
.. سأهبط
من أعلى البرج
وأتركُ
كل نواقيسي
لسماءٍ،
صافية، [ص91/ وزارة الثقافة والاعلام- دار الحرية للطباعة ، بغداد، 1981م].
مما يعني أن العتبة تضمر العلاقة بين الانسان والوجود، فالراهب يعيش في مكان له قداسة، وله أبعاد خاصة تعبر عن سلطة الدين في تحديد أبعاد المكان، ومغادرته منه يعني مغادرته لتلك القداسة ؛ أي أنه انتقل من محيط ضيق له بعد ديني الى محيط له أفق واسع، كما السماء الصافية، فلماذا يترك الراهب النواقيس؟
ولأن النواقيس تعلن وقت الصلوات، وتزف لحناً مقدساً؛ فان الصوت هنا يوازي المكان ويقلق سكانه، أي أنه يعيش على نوع من القلق المقدس. وفي بحث الراهب عن الحرية ثمة تحول من القداسة الى العلاقة المثيرة مع المكان.
وفي (عتبة الخطى) محاولة تشبه الراهب في الهروب من المكان الضيق، الى حدود الغياب الذي يعده خطوة ثانية، كما يقول:
وأرسو في الأبعاد
اكتشف الكون
وأمسك أطراف لعالم [ص[86
وقصائده هذه تتصف بالقصر والاكتناز، وقلة الوصف والتعويل على الجمل الفعلية ذات الزمن الحاضر، لأن الزمن لديه حركة يومية، أو آنية على حركته في الحيز، من خلال علاقة المكان الموجودات.
وفي (عتبة الالفة) تشكل العتبة منطلقاً للخروج من كهف الأسرار ، لأن الكهف له صلة بالمسكوت عنه وبالرحم الانثوي والكبت، لهذا تصبح الجملة الفعلية وسيلة لإقامة الجدران و الأسرار لغرض استمرار العلاقة بالمكان وهي محملة بالإلفة:
من كهف للسِّرْ
أزرع منطقةً للماء
أجني .. ،
دائرة للأسماك
ثم،
أحصنها بالأسوار [ص[88
وفي(عتبة التواصل) يجثو في العتبة ملكاً بين جناحي الحكمة والملكوت؛ بينما تقترن في (عتبة التوحد)بالعزلة أو بالغضب، وهو اقتران يتعلق بالفعل الماضي، أو الجملة الفعلية وكأن ثمة جفاف في العلاقة بينهما.
كما توجد علاقة بين بدايات الكتابة الشعرية والعتبات/ البدايات، من حيث الزمن ومن حيث العلاقة بالمكان، وهو يحاول أن يجسده بروح من الصبابة المحمّلة بالوعي في علاقة المكان بالأشياء، وهي علاقة تنبع من تصور خاص لكيفية توظيف اللغة الشعرية، من خلال بناء الجملة التي هي ، في غالب الأحيان، جملة هادئة وطيعة تستند الى صدارة الفعل الذي يلقي بظلاله عليها، ويحكم سيطرته على المحتوى، والفعل لديه فعل بسيط غير معقد مثل روحه الطيعة المسالمة والمتوسلة أحياناً، في ظل شعور ندي يكشف أن الحياة هي سيرورة خاصة، وربما حالة قدرية؛ ومن هنا كانت مشاكسات زيارة مهدي الصعلوكية والعبثية حالمة أكثر منها صادمة، وهو ما يضفي على تجربته صياغات تعبيرية في غاية في الجمال.
-3-
تنتقل فضاءات الأمكنة اليه من الأسطورة الى المعاصرة، فهو مقترن بالعلاقة مع المكان، المكان البعيد والقريب ، كما أنه ميال الى رسم صوره باقتضاب والى منح الرؤى والصور أفقاً مكانياً ،وكأنه يحاول أن يمنحها اتساع ودخول فضاءات الحياة الواسعة ؛وهذا أفق الصعلوك الذي عذبته الأرصفة، فشعر بالضيق بالتعامل مع الأمكنة ؛ لهذا كان يحمِّل تلك الأسئلة التي يتركها ، في غالب الاحيان بلا اجابة، ففي مجموعته(سلالم الأسئلة) التي تضم قصائده بين عامي 1986-2009 ثمة أسئلة تبحث عن أجوبة انتقل فيها المعنى من السلم رمز التواصل والاتصال، الى الضيق فتضاءل حجم نصوصه، فأفادته في الانتقال من القصيدة الى الومضة/ اللمحة، او البارقة التي تضئ نقطة صغيرة في المكان، بينما كانت العتبات والسلالم تفتح له أفقاً أوسع.
تهيمن روح الخيبة والانكسار، انكسار الصور والأشياء والأوزان والجمل والألفاظ والعبارات، على الأفكار الرئيسية في قصائد هذه المجموعة، والأسئلة المعلقة كالسلالم؛ فقد انتقل من صيرورة (على) في التسلق على السلالم الى المكوث في (البيت)، بينما يحاول الخروج من (عتبات) الأمكنة في بداياته، مما يعبر عن أزمة حقيقية في التعامل مع المكان، في ظل اشارات واضحة الى الانسان الذي خرج نحو النهايات المخيفة ، نهايات الانسان، حينما يصبح القبر بيته الاخير، وكأنه يهيء نفسه لعالم البرزخ، او الزنزانة الابدية، فهذا باشلار يشير الى ان ساكن (( البيت يجب ان يسيطر على العزلة في بيت فوق المجتمع بسبب مأساة مؤلمة. لهذا ، فعلى الساكن أن يعيش في كون لا ينتمي الى طفولته))[ جماليات المكان/ ص67ٍ].
اذا عدنا الى الاحالات الأسطورية في شعر زيارة مهدي نجده يعتبر نفسه سومرياً/جنوبياً، انتزع من محيطه السومري ووضع في بغداد، فصار يدخل عتباتها ويعبر على سلالمها، ويسكن بيوتها، سومري يستعين ببطله القوي جلجامش ويتوضأ في فضة الماء الناصع الذي فقد طراوة الغرين ونكهة الطين، وغالباً ما يقرن هواجسه الشعرية هذه بذاته، صارخاً، أو مستنجداً، أو ملوحاً للآخرين؛ ففي (لماذا أُلوح..؟) يقول:
أنا
مركز الأبدية
ورخام .. تاريخها
أنا السومريُّ …. ألقت به قسوة الكون
ألقت ….. به في بحار الزمان [سلالم الاسئلة/ 7 دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 2009م).
في رحلة مكملة لرحلة العتبات، أو البدايات يقترن المكان بالسلالم والبيوت؛ وهذا يعني أن بداياته كانت مع سومر، حاضنة الانسان في نشأته الأولى مع (زقورة الوقت) حيث تتكرر شخصية السومري ؛ لذا يقول:
أنا السومريُّ الذي تحصّن بخيبة أعذاره
الدائر أبداً .. في قفّة
حملتني قروناً .. فوق حضارة المدّ والجزر
أنا الواقف الآن
على زقورة الوقت
كأنني حروفٌ تعلّقُ ..
في السماء الطليقة بلا برية أو رقم
أنا الواقف الآن
أتطلع الى مراكز مغروزة في (دهلة) الروح
تركتها منذ كان البوار ساهياً بإرادتي [ ص[16
وفي قصيدة( تبارك يا كلام العصور)؛ يقول:
السومري ابتكر الأرض ..
من سورة الماء
ففاضت فوقه مدنٌ
مدنٌ .. تقاطعت كالطرقات [ص[233 الملامح الأسطورية لسومر تقترن بالزقورة، وهي معبد سومري قديم، مكان لعبادة الآلهة، وتقترن بالوقت، في لغة تنطلق من أعماق الذات لتصور حياة انسان ولد في بيئة خاصة، لكن قسوة الكون دفعته الى الخروج منها، فلعله يشير بطريقة ما الى معبد الأحلام الذي بناه ملك لكش (گوديا)،الذي جعل الناس طبقة واحدة، بينما يفقد هو (دهلة الروح) أو بدايات التكوين الأول للخصب، وزمنه يبدو محاصراً بعد أن حاصرته الأمكنة، ولم يبق أمامه سوى رموز الآلهة التي تقبع في الزقورة، رمز السلطة الدينية والقوة التي لا ترحم.
في قصيدة ( ربيع .. لا أتمناه) ثمة احالة الى ملحمة جلجامش التي يستهلها كاتبها بعبارة( أنا الذي رأى)، وهي عبارة ينطق بها الأنبياء حينما يتسلمون وصاياهم من الآلهة بوصف تلك الوصايا نبوءات ورؤى لكشف المستقبل، وهنا تلتقي مهمة السلالم مع مهمة الآلهة في قيامها بالتوصيل والاتصال، كما تقوم الزقورة بذلك فهي المكان الذي يمكن من خلاله الاتصال بالقوى العليا من خلال الوسطاء / الكهنة، لهذا يقول متلبساً جسد جلجامش:
أنا الذي رأى
رأيت ..
فضائي المفجوع
يتجحفل في عمال المديح
الى أن يقول:
الآن سأسخرُ
لا من سنين أتلفتني
أسخر .. من ربيع
حدائقه تسعى بأشجارها
باقة ..
باقة ..
على صدور أثقلتها الحروب [ص43-[45
وهنا يبدو جلجامش مفجوع الفضاء، وأمكنته موبوءة بالحروب، وهنا يتلبس الشاعر مشاعر بطله السومري، ذلك أن السومري هو الذي ابتكر الأرض/ المكان؛ لانه تعرض الى لعنة الابتكار لأنه صار ضمن دائرة الصراع؛ ففي قصيدة (السلال) ثمة احالة الى الجن والحياة الفطرية في الغابة، حياة الدعة في سومر ، وحضارة الطبيعة الجميلة ، حيث الأمكنة ملك الجميع، فلا تنافس ولا قتل ولا حروب، لكن القصيدة تكشف عن تداعيات خطيرة في حياة الانسان وتجاوزاته على فطرية الحياة في الغاية، لذا يقول:
دائماً .. ..
تتذكر السلال ان الغابةَ
احتفلت يوماَ في ربيع عمرها الأسطوري
الاّ أنّ صاعقةً سقطتْ
فاحترقتْ الغابة
وانهزمت الانهار
ومن يومها ..
اندحرت الاشجار
الآباء الشرعيون لسلال هذي القصيدة [ص60]
تمثل الصاعقة تدخلاً خارجاً، أو سخطاً إلهياً، فهي بالتالي تذكرنا بالطائر (زو) إله العواصف في العراق القديم، والنص يحيل الى انحسار الخصب وشيوع التصحر، في محاولة لدمج التصور المعاصر بالموروث الأسطوري، لهذا يرى في الصباح الفلاحين وهم يعيدون صناعة الحياة لكي تمتلئ السلال؛ في اشارة الى أن الحروب لا تصنع الحياة ولا تملأ السلال بالثمار، مما يشير الى أن الشاعر يوظف الأسطورة بطريقة خاصة، طريقة كتابة اليومي ليصبح أُسطورياً، ومن هنا أصبحت القصيدة تكبر متخذة من الفعل المضارع ودفقه الزمني وسيلة للتعبير عن الحاضر، وهزيمة الماضي. معلنة انتصار الحياة، ثم تقصر بالتدريج، حين يبدأ باستخدام الظرفية( الزمن الحاضر) عبر الفعل المضارع :(تمرُّ، تجئ، يهندس، تنبت، تعود)؛ كما تشيع مفردات الأرض والفلاح والأغصان والسلال، بجانب أسماء الثمار والفواكه والطعام مثل( التفاح، الرمان)؛ والتفاح رمز أنثوي لغواية الجسد وادامة الخصب والطرد من الفردوس، بينما الرمان يعد رمزاً للعودة اليها، فهو من ثمار الجنة، وشجرة حميمة، لها فوائد جمة، في الثمار والأغصان والقشور والألوان، وله صلة بالسلال التي تحيل الى سلال الخبز والأمل، سلة الطفل وسلة المرأة أثناء عرسها، وسلة المسافر، سلة جني الثمار، وهي فضاء مكاني محدود، ولكنه ينفذ الى ما حوله، غير مغلق تماماً، وهي تحيل ربما الى أعشاش الطيور، وعش الزوجية وحياة الفطرة الأولى؛ تشبه في استدارتها صورة الأرض وكأس الخمرة وفرج الأنثى، ورأس الرجل، ورأس ذكر الرجل، رأس الأفعى، رأس جلجامش. ومن أغصان السلال تعود الحياة ويختفي الألم، ولعل في حياة الصعلوك ما يوحي بلقط الثمار والتمتع بحبات الرمان، والرمانة رمز أيقوني جسدي من خلال صور نهد الفتاة، في الكنايات الشعبية.
-4-
يعد الفضاء المكاني في قصائد(سلالم الاسئلة) فضاءً مهيمناً يفرض وجوده عبر لغة الشاعر ذات الطبيعية الظرفية؛ ظرفية اللقاء بين الأسطورة والمكان، وبين الانسان والفضاء وأبعاده النفسية والاجتماعية، فهو مثل جلجامش دائماً يرى ويتأمل ، يرى أعمدة من رخام ،ويرى الطرقات والمقاهي وخارطة بغداد القديمة، يرى نفسه واحداً من جيل الشعراء الصعاليك الذين أضاعوا أعمارهم في المقاهي:
جيل من الشعراء
جيل من الصعاليك
وجيل من الطارئين
…………………
…………………
ثلاثة أجيال دخلوا امبراطورية
الشاي
ثلاثة أجيال يموتون كمداً على
التخوت [ص[119
لماذا ثلاثة أجيال، أهي( السبعينات، الثمانينات، التسعينات)على التخوت؟
بالحروب والحصار والخوف ،ولهذا رابطوا في المقاهي تلك الأمكنة المفتوحة على الآخرين، ومن هؤلاء عبود الانسان المستعبد الذي ذكره في قصيدة(الشعراء)، لهذا يقول عنه:
أيها الشعراء
ألستم القائلين
إنَّ عبوداً ..
ذهب الى الشط .. ،
ليكتري قفة [ ص[223
والقفة مكان ضيق يشبه السَّلة في ترتيبه الفضائي، تستخدم في عبور النهر، فهو مكان محاط بالخطر، يشعرك بالوحشة، أول من استخدمها للعبور أهل العراق وطلوها بالقير؛ لهذا ضاقت المقطوعة حتى اقتربت من الومضة، أو مجرد ضربة سريعة ترتبط بذاته وسيرته كصعلوك تحيط به أمكنة تشعره بالقلق واللايقين.
-5-
في مجموعته (بيت المعنى) غالباً ما يحشر الأفكار داخل أمكنة ضيقة تقترب من القفة، أو القلقة كالسلالم، مستحضراً صورة الصعلوك منذ أبي حيان التوحيدي حتى مقهى المعقدين ،انسجاماً مع الاحساس بالعزلة/ النفي، مع تقلص النص وضيق المفردات والكلمات، اذ صارت نصوصه صغيرة ومضغوطة، أو مجرد نتف؛ فأمكنته هي بيوت من زجاج، قناطر، سداد، أطالس، مدن شاحبة؛ وهذا بدوره يكشف عن هاجس الصعلوك في الخوف من المكان فتضعف علاقته بالمستقبل ،ويبرز احساسه بالاستلاب والاهمال والرفض، ولكنه يستمر في كتابة القصيدة بصفة حكاية تنثال عبر كلمات هي غالباً ما يهيمن عليها الفعل، أو الجمل الفعلية
ففي قصيدة (القنطرة) يكون العابر الخاسر تخذله العصور، ويترك داره، والدار هي الوطن الأول للإنسان، وأول مكان للانتماء، وتأقلم مع العالم؛ لهذا يقول:
قبل أكثر من ربع قرن
تركت الدار
وعلى أبوابها كهلٌ كلب [ص8/ دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2017م].
ولكن هذا الكلب على الرغم من كهولته يكشر أنيابه ويمارس مهنة الحراسة؛ وهو مطرود من البيت يعيش حياة العزلة والخوف ، حتى انه عنوّن احدى قصائده بـ(شرق السدة .. شرق العزلة)، فتحول الى قوس يعبر الطارئون على ظهره، بعد ان أكلت الحروب زهرة شبابه، اذ يقول:
ويصعد آخر .. سيارة (الواز) !!!
تلك التي تحملُ
ذكرى الحروب الكسيحة
الحروب التي أكلت عمرهُ
وبعثرته .. زهرة .. زهرة
في طرقاتٍ .. نسيت أنها من تراب أسود
أم أنها .. من كلام قتيل [ص[14
وهو يترك دائماً فراغات تشير الى وجود محذوف على القارئ أن يملأها، لأنه لا يريد أن يفصح عن خفاياها جميعاً، ونصه غالباً ما ينطلق بقوة مستنداً الى الجملة الفعلية الأكثر تأثيراً جمله مسبوكة بقوة، وقادرة على الافصاح عن مكنوناته؛ وعن هواجسه ومخاوفه، يبحث عن بيت المعنى ،او بيت من زجاج، حارسه أعمى، يخفي خزائنه في غيابة المعنى؛ ففي (كتاب العدم) ثمة إشارة الى أمكنة محطمة ومتهاوية، مثل حطب الكلام وبلاغة الطين، وفضاء النص، وبيته لا يمكن ان ننفذ فيه، لهذا يختار النمل ليكون صنوه، لأن النمل يسكن في جحور عميقة ،كما في (كتاب …. النمل) اذ يستوطن النمل الفاسدين الدار/ الوطن، وهو معروف في دأبه على العمل وحساب المستقبل.
-6-
غالباً ما يكون الاطار الجغرافي حاضراً في نصوصه، كما في (أطلس …. القردة)؛ فثمة جغرافية للنسيان والأطلس اطار تاريخي وجغرافي لبدايات الانسان والحياة، فالقردة يقترنون بالكتب والشعراء المداحين ؛ وهذا يعني أن نصوصه تحمل معها مفارقات خاصة هي أقرب الى الهجائيات ؛ هجائيات ضد المثقفين الذين خانوا قضيتهم، ففي (كتاب …. النمل) يصف الشعراء بأنهم كقوادين لمرحلة تالفة، يجتمعون مثل أفواج الرمل، ففي ( أطلس …. القردة) يقول:
يتسلّق الشعراء … وهم تقشرون الموز
على الاشجار
في الأطلس … هذا
يستمع الشعراء … قصائدهم [ص [36
فهو يقرن الكثير من الشخصيات التي لا يكن لها احتراماً بالحيوانات، مثل الكلاب والنمل والأحصنة الأرانب والحمير والقرود والأفاعي ،والصعاليك، وأصحاب العاهات كالعمي والطارئين والفاسدين والقوادين واللصوص؛ ففي قصيدة (الجرو) يشبه سلمان بالكلب الذي يلهث على نفسه تحترق المدينة، لأن جرواً رسم دائرة حوله وحاصره، لهذا فإن صورة الأعمى تبدو حاضرة في نصوصه، لأنه يفضل غياب صورته المرئية، ويبقي صورته الذهنية، فالأعمى يعبر عن الحكمة كما هي حال ابي العلاء المعري؛ لأن الأعمى لا يرى قبائح الناس ،ولا يبصر جغرافية الخداع التي تمتهنها القردة، وكتاب الجغرافية ملغى في منهجه. والأعمى واحد من الشعراء في (مقهى المعقدين) الذي تعثروا من الأجيال الشعرية، يتحسس الوجه بأصابعه في(قصائد)، لأنه فقد حاسة البصر، بعد أن فقد البصيرة، لذا يقول:
كأعمى .. أتحسس وجهك
وأمرُّ .. عليه بأصابعي ..
كي .. تراه يدي [ص[235 ثمة تراسل حسي بين قدرة العين وقدرة الأصابع، لأن الأصابع ترسل صورتها عبر مسامات الأنامل الى العقل لرسم صورة بصرية عن الوجه، وهنا أتساءل : لماذا يصور نفسه والشعراء أصحابه بالعميان؟ ألأنهم خانوا الصورة الحسية وهرولوا وراء مصالحهم؟
-7-
على الرغم من توظيف الشاعر زيارة مهدي للحياة اليومية بطريقة هجائية، الا أنه يستغل على المفارقة القائمة بين الظاهر والباطن؛ الا أنه آثر بعض الأحيان توظيف الموروثين الأسطوري والتراثي في قصائده، بطريقة خاصة أما بتوظيف الشخصيات بوصفها أقنعة يتستر خلفها، وأما بصفة حكايات سردية محمّلة برؤى معينة، غالبها مستقى من حكايات (ألف ليلة وليلة)،كما في توظيف شخصيتي فينوس ونرسيس والعربات الأسطورية من الأساطير القديمة، وشخصيات تراثية من أمثلة المتنبي وأبي حيان التوحيدي، كما استأثرت بعض الحكايات التوراتية باهتمامه مثل حكاية طرد آدم من الجنة بعد قضمه التفاحة، كما في (قصائد)، حيث يقول:
حينما خلق الله .. آدم
رأى نفسه .. وحيداً
فأقبل آدم .. الى الشجرة
احتضنها .. وظل يقبلها ..
ويأكل فاكهة منها
حتى غفا .. بين أحضانها
حينها .. تسلق الثعبان على جسد الشجرة
فاهتزت .. الارض
تحطمت كالمرآة
وكانت التفاحة .. هي الحجر [ص [259
انها محاولة لإعادة صياغة هذا الحكاية لكي تلائم روح العصر؛ وهنا أتساءل: لماذا اقترنت التفاحة بالمرآة؟ أيعني بها المرأة التي تحملها؟
لقد صيغت حكاية بطريقة تنسجم مع ما استلهمه من حكايات (ألف ليلة وليلة) في قصيدة(حرامي بغداد)،وقصيدة (إطوي كتابكِ) التي يخاطب بها (شهرزاد) بطلة الليالي العربية؛ فأحالها الى شخصية حقيقية تجلس على أول مصطبة في شارع المتنبي والتي يختتمها بقوله:
يا شهرزاد
لقد طالت علينا .. الليالي
فالأم أنتِ .. تموتين من السهر
وأنا .. أموت من الحب .. ؟؟
أذن إطوي كتابكَ .. يا شهرزادُ
ولننهي .. ليالينا الحزينة [ص[277
وفي نهاية هذه المجموعة يبقى يتأمل مثل ( شهريار) أن ينهي لياليه الحزينة، فالقناع الذي يرتديه هو قناع سردي/ حكائي يحاول به ان يختزل الزمن ويعود به الى الصبا والطفولة وايام الغرام.
من هنا نجده يحاول ان يوظف بعض الشخصيات الصوفية وحياتها وآلامها من اجل البحث عن يقين حقيقي عن الحياة والوجود، مثل أبي حيان التوحيدي والحلاج وشمس الدين تبريزي وفريد الدين عطار؛ فقد كانت حواء هي العدم، وكان تبريزي مثل تموز يهبط الى العالم السفلي، فقد القوه مثل يوسف (في البئر):
ولم يرتطم .. في أسفل البئر.. شمس
وظلَّ شمسٌ .. في الطريق ..
الى أسفل .. البئر .. يهبط
وظلَّ .. يهبط .. يهبط [ ص[103
وهنا نتساءل: لماذا يبدو البئر حاضراً دائماً، ألأنه مكان موغل في الأرض، أو لأنه احالة الى القبر العميق ورحم الأم ونهايات الأشياء والظلام، أو لأنه تعبير عن الغدر؟
لهذا ينزل تموز الى العالم السفلي، عالم اللا عودة ، عالم المكان غير الواضح، عالم النهايات البعيدة، والشاعر زيارة مهدي يسخر ممن حوله ،حين يرى بأن نهاية العالم هي الجب/ البئر/ الموت؛ لأن هاجسه مرتبط بجغرافيا المكان، التي تقيد حركته، وهو يفعل ذلك عبر جمل فعلية مرتبطة بالاستفهام الانكاري الذي يضمر نوعاً من المفارقة ،ونوعاً من السخرية المضمرة ، التي هي ربما سخرية القدر التي تنتظر كل انسان في نهاياته، بحيث تتحول الأسئلة لديه الى أجوبة واقعية ويومية ووجودية.
























