قراءة جمالية وتوثيق نقدي للحركة التشكيلية – فنون – حمدي العطار

مي مظفر في كتاب عن الفن الحديث

قراءة جمالية وتوثيق نقدي للحركة التشكيلية – فنون – حمدي العطار

قراءة الاعمال واللوحات التشكيلية تحتاج الى عين مدربة تفهم قيمة وجوهر اللوحة فمثلما يجذنا شكل اللوحة وألوانها وموضوعها، يبقى الاثر التي تتركه اللوحة فينا ،هل المتعة والسعادة والاحساس بالجمال فقط او هي تخلق وعيا وتحريضا ودافعا للتخلص من الضعف والاستسلام ؟ هل اللوحة تؤثر مثل القصة والرواية والقصيدة في عملية التنوير وتشكيل الوعي ؟ كثيرون ما يهمل تلك القراءة الواعية للفن التشكيلي ،وقد يكون السبب هو ان الفن التشكيلي الحديث من الفنون التي تحتوي على الصعوبة والتعقيد والرموز ،فالمدارس الفنية تطورت كثيرا وابتعدت عن تقليد الصورة الفوتوغرافية ،لتكون اللوحة لها علاقة بالسينما والادب وكذلك الشعر.حتى تستطيع منافسة تقنيات الكاميرا ،وتجعل أحساس الفنان يتجسد بضربات الفرشاة ،وأمتزاج الالوان .

(مي مظفر) الشاعرة والناقدة الفنية في كتابها “الفن الحديث في العراق – التواصل والتمايز” الصادر سنة  2015 المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، الكتاب يقع في 295 صفحة من الحجم الكبير ويحتوي الكتاب  مقدمة وتمهيد اكثر من رائع ،ثم أنتقلت الكاتبة الى الاقسام الرئيسة للكتاب فكانت العناوين متوزعة حسب الاجيال التي يتم فيها تصنيف الفنانين التشكيلين (رواد الحداثة في العراق – ضم جيل المؤسسين للحركة التشكيلية في العراق –فائق حسن ،جواد سليم ،محمود صبري، شاكر حسن آل سعيد،خالد جادر،نوري الراوي،كاظم حيدر، ) عنوان القسم الثاني  (تجارب منفردة ) وضم الفنانين “ناظم رمزي، خالد القصاب ) عنوان القسم الثالث (التجربة الشخصية والرؤية الكونية ) وضم الفنانون “اسماعيل فتاح الترك، ضياء الراوي، رافع الناصري ، محمد مهر الدين ، سالم الدباغ ،علي طالب ، سعد شاكر ، طارق ابراهيم ، سعاد العطار ، يحيى الشيخ ، عصام السعيد ، نهى الراضي ، فيصل لعيبي ” عنوان القسم الرابع ( التواصل والتمايز : جيل الثمانين نموذجا )  هناك وقفة لتقييم فترة الثمانينيات حيث الحرب وتدفق هجرة الفنانين الى خارج العراق اما الاسماء التي استشهدت بها الكاتبة تقول عنها  (مقدمة لمشاريع دراسية اخرى امل ان اوفيها ما تستحق من وقفة ) وتضم الفنانين “فاخر محمد ، هيمت محمد علي ، محمود العبيدي ، غسان غائب ، سامر اسامة ، مظهر احمد ، نديم كوفي ، كريم رسن ، هناء مال الله ، نزار يحيى ” عنوان القسم الخامس والاخير (عراقيون في الشتات تجارب جديدة ) يضم الفنانون “عادل عابدين “

تضمن  الكتاب رؤى نقدية تقول عنها الكاتبة بأنها “قراءة جمالية لتجارب منتقاة من أجيال مختلفة ألا انها متواصلة في أمتدادها وأخذ بعضها من البعض الآخر” وهذا الجهد النقدي في مجال الفن التشكيلي الحديث أستغرق كتابته وتجهيزه عقدين من الزمن اذ تذكر المؤلفة “هكذا أصبح الكتاب ينمو بين يدي مثل كرة ثلج حتى آليت على نفسي الاكتفاء حاليا بما هو موجود على أمل استكمال النواقص لاحقا” وهي تعترف في مقدمة الكتاب الى النقص الذي يحتوي المطبوع “بلا شك يفتقر الى بعض التجارب المهمة التي من حقها أن تقف بجدارة مع هذه المجموعة ،وكلي أمل في اضافتها لاحقا” ولعل اكثر الكلمات تأثيرا هي إهداء المؤلفة الكتاب الى زوجها ورفيق روحها الفنان  التشكيلي الراحل (رافع الناصري ) الذي تذكره بألم وحسرة “يشعرني بالأسى أن يصدر الكتاب بعد رحيل رافع الناصري الذي قرأ معظم ما تناول الكتاب ،وطالما أعانني على أسعاف ذاكرتي ،وتصويب التواريخ حين يشك في صحتها ،وكلما أطلع  على مادة جديدة واستحسنها تساءل بحماسة شديدة (تأخرت كثيرا ) اهدي الكتاب الى رافع رسول الجمال ، الى روحه التي ترفرف فوق كل سطر من سطوره”

توثيق أول ظهور للفنانين

في العالم العربي

قدمت الكاتبة معلومات تاريخية توثق اطلاع العالم العربي على نتاجاتات الفنانين التشكيليين في العراق “في عام 1948 دعت منظمة اليونسكو لأقامة معرض للفنون التشكيلية في الدول العربية في بيروت،شارك في المعرض الفني كل من مصر ولبنان والعراق،شارك العراق برواد الحركة التشكيلية في العراق :فائق حسن وجواد سليم ،استطاع الجناح العراقي في المعرض أن يخطف أنظار الزوار ويستقطب أهتمامهم حين فاجأهم بمستوى الأعمال المعروضة أداء وتنوعا ،ويؤرخ ذلك المعرض  أول ظهور للفنانين العراقيين في العالم العربي”

تاريخ الفن الحديث في العراق

تؤكد الكاتبة بأن بداية تاريخ الفن الحديث في العراق مع بداية الحكم الوطني في مطلع القرن العشرين ،وأوضحت المؤلفة بقولها “ولا غرابة في ان يكون العراق الذي كان مقسما الى ثلاث ولايات تابعة للحكم العثماني ،فقد تعرف الى فنون النحت والتصوير ،عن طريق ما تسرب اليه من تقنيات اللوحة الاوربية،سواء عن طريق السفر او التجارة او الزيارات التي يقوم بها المستشرقون الى العراق ” وتربط المؤلفة بين ما تعرضت اثار ومقتنيات واثار العراق في 2003 من نهب وسرقة وتدمير وما مر به العراق من حروب ونكبات قد تكون فيها اعمال تخريب للشواهد والثروات الثقافية”فأذا كنا اليوم نشهد بأعيننا ضياع أثارنا وثرواتنا القومية وتشتتها مع تشتت مبدعينا ،ألا ينبغي التساؤل عن الكم الذي فقدناه في خضم قرون قصية عن مسامعنا وأنظارنا ،ثم الا يدعونا ذلك الى اليقين بأن ما ليس موجودا اليوم بين أيدينا من شواهد عن تلك العصور الغامضة لا يعني بالضرورة انعدام وجودها؟”

مظاهر النشاط الفني في العراق

تؤكد الكاتبة بأن أزدهار الفن في العراق يكون حينما يكون العراق مستقرا سياسيا وأمنيا “كلما يستتب الحكم في ارض الرافدين وللمدن استقرارها وانتعاشها تنبعث المظاهر الحضارية من جديد وينبعث الابداع الفني والفكري فيها”وتشير الكاتبة بان” اولى مظاهر النشاط الفني الذي عرف في بغداد خلال عشرينيات القرن الماضي تجلى من خلال الاعمال التي ابدعها مجموعة ضباط عراقيين بعد عودتهم من اسطنبول الى العراق، فكانوايرسمون وينحتون على وفق قواعد التصوير الاكاديمي الاوربي، كان ابرزهم عبد القادر الرسام ومحمد صالح زكي وعاصم حافظ والحاج محمد سليم وفتحي صفوت (نحات) اما عن رسم الجدرايات فكان اول من رسم الجداريات عندما طلب منه تزيين جدران وستارة سينما رويال لدى انشائها في 1926 الفنان عبد القادر الرسام، وعن اشهر مدرسي الفن ومشجعيه (شوكت الخفاف)الذي درس الفن في تركيا وكان اول من علم طلابه رسم البورتريت،ومن المدرسين المؤثرين (قاسم ناجي)وكان يأخذ طلابه للرسم على سطح المبنى من اجل دراسة الظل والضوء،وكذلك (ناصر عوني) وكان يرسم بالفحم

 لمحات مضيئة في تاريخ الفن التشكيلي

تتصفح الكاتبة محطات تاريخية اثرت الحركة الفنية عبر التاريخ وسط تغييرات سياسية واجتماعية وثقافية جذرية للمجتمع العراقي ففي سنة 1931 كان الفنان اكرم شكري اول الموفدين الى انكلترا وتوالت البعثات لدراسة الفنون في باريس ولندن وروما في ثلاثينيات القرن الماضي وافتتح معهد الفنون الجميلة قسم الرسم وتلاه قسم النحت 1938 و1939 وشهدت بغداد اول معرض فني شامل في سنة 1931وتأسس اول تجمع فني باسم “جمعية اصدقاء الفن” 1941وكانت حقبة الاربعينيات الحاضنة الاولى للحداثة الفنية ومن النشاطات البارزة في هذه الحقبة قيام الفنان حافظ الدروبي بفتح مرسم حر 1942 واقدم عبد العزيز الدوري بفتح مرسم حر سنة 1948 كان يشرف عليه الفنان جواد سليم وكان الفنان خالد الجادر مسؤولا عن مرسم كلية الملكة عالية،وظهرت فكرة التجمعات الفنية التي مثلت الاتجاهات المختلفة مع مطلع الخمسينيات “كجماعة الرواد” بقيادة فائق حسن 1950 المعنية باستلهام البيئة العراقية الطبيعية، و”جماعة بغداد للفن الحديث “1951 التي ترأسها جواد سليم واعتماد اعضائها على استلهام التراث الثقافي والشعبي ،ثم “جماعة الانطباعيين”  1953 – حافظ الدروبي وكانت تعني بتصوير مشاهد المدينة بأساليب حديثة، فترة الستينيات شهدت تمردا على جمود كان استولى على روح الحركة الفنية ،وادركوا الفنانون معنى الخروج عن المركزية الاوربية في الفن،واصبحت لهم رؤى مختلفة في معنى الشخصية الفنية وهويتها،وكان للتيارات السياسية،وظهور الدراسات النقدية الحديثة ووعي الفنان برسالته الانسانية ،كل الاثر في بلورة هذا الجيل والاندفاع نحو تجارب تتسم بالجرأة والتحدي،ولا بد هنا من ذكر عامل آخر مهم وهو تأسيس “جماعة الاكاديميين  الفنون الجميلة “1962 في بغداد ،ومن ملامح هذه الحقبة ظهرت “جماعة المجددين “1965-1968 التي دعا أعضاؤها الى ضرورة امتلاك الفنان رؤية واضحة ،تلتها جماعة الزاوية ،ثم “جماعة الرؤية الجديدة 1969” ثم قام في 1971 “تجمع البعد الواحد” ،”جماعة الاكاديميين” ،و”جماعة الظل”.

الهجرة الاولى وعزلة العراق الثقافية

وضعت الكاتبة يدها على الجرح وهي توثق الهجرة لبعض الفنانين وهي الهجرة الاولى للمبدعين  المهمين، وهاجر الكثير منهم الى دول اوربية مختلفة ، البعض منهم ضاع في متاهات العالم الجديد،والبعض الآخر استطاع بأسسه الفنية المتينة،ان يطوروا تجاربهم ويقيموا جسرا فنيا بين الاجيال،اما عن عزلة العراق الثقافية فكانت نتيجة الحصار الذي فرض ثلاث عشرة سنة،ادى الى شق العراق الى نصف داخلي ونصف خارجي ،ثم جاء الاحتلال 2003 وضياع جهود ما بنى فنانوه على مدى عشرات السنين وتبدد شواهده الثقافية،فقد أفرز واقعا آخر ليس بالامكان استقراء حاضره اليوم ولا التكهن بمستقبله ،ولكن على امتداد العالم الواسع ،تتواصل تجارب الفنانين العراقيين المخضرمين منهم والجدد ،أنهم يمارسون اليوم،اينما كانوا ،نشاطاتهم الفنية ويواصلون مسيرة العطاء الفني ،داخل العراق وخارجه، مستلين من مرارة الواقع مواقفهم وأفكارهم ورؤاهم.

 رواد الحداثة في العراق

بعد هذا المسح التاريخي المؤثر تدخل المؤلفة الى التحدث عن رواد الحداثة في العراق ،وتبدأ بالفنان

-((فائق حسن)) البغدادي الذي رأى العراق بعين القلب ، وتذكر الكاتبة عن فائق حسن بعد ان تتكلم عنه بكل احترام وعذوبة قائلة “يؤخذ على فائق حسن أنه لم يكن مثقفا،ولم يكد يقرأ سوى النزر القليل من المجلات الفرنسية ،أعتبره البعض ساذجا ،بسيط كبساطة توقيعه الذي أصبح هدفا سهلا للتقليد (اكثر فنان تعرضت أعماله بعد وفاته للغش والتزوير ،قليل منها متقنة الصنع ،وكثير منها تفضح نفسها بصورة مثيرة) لكنه قدم اعمالا خالدة تنبض بوجدانه المرهف وحسه الوطني العميق، كجداريته التي جعلها رسالة محبة وسلام الى العراق.

-(جواد سليم) الحاضر الغائب ،تتعمق المؤلفة في حياة جواد سليم وانجازاته ورحيله المبكر ومواقفه المثيرة ،”أستطاع جواد أن يتوصل ،من خلال ما أنجزه من اعمال الى بلورة فكره وأسلوبه على النحو الذي جعله يتصدى لتحقيق مشروعه النحتي الجبار (نصب الحرية) ذلك العمل الذي خلد ذكره وأفنى جسده،فحين كلفته الحكومة العراقية بعمل نصب تذكاري لأنقلاب عام  1958  وأطلقت له الحرية في أختيار الأسلوب،وجد جواد أن فرصته الذهبية قد أتت أخيرا لتحقيق مشروع فني يجمع بين أصالة الأسلوب والمضمون الانساني الشامل،وعلى الرغم مما تحمله مفردات النصب من تأثيرات عالمية فأن العمل بمجمله يعكس شخصية جواد الفنية والمفاهيم الأساسية التي أرسى جواد أسلوبه الفني،والذي حاولت ،قدر الامكان،بيانه في هذه الدراسة.

توفي جواد وهو لم يتجاوز بعد الثانية والاربعين من عمره، وما زال حضوره طاغيا على المشهد الفني في العراق,

(محمود صبري) اقتران الفن بالعلم ،تقول الكاتبة “لا يستقيم الكلام عن نشأة الحداثة الفنية في العراق من غير الحديث عن محمود صبري” وتدخل الكاتبة القارئ في حياة محمود صبري بصفته عالم الفنون التشكيلية ،وكان متأثرا بثقافة الغرب والأساليب الفنية المتبعة ،واختار محمود صبري الواقعية التعبيرية نهجا واسلوبا يتناغم مع ما كان يؤجج في صدره من نار الأفكار والمشاعر، أنحاز محمود الى الناس ليكونوا موضوع لوحاته وقلب رسالته ضمن الأجواء العراقية المشحونة بالتوترات السياسية أنذاك ،فرسم الفقراء، والعاهرات ، والأطفال ،والجنائز ، والمظاهرات ،وكلها موضوعات تعكس طبيعة توجهه الفكري السياسي.

*(شاكر حسن آل سعيد) –مزدوجات- تسترجع الكاتبة ذكريات لقائها الاول مع شاكر في مبنى المتحف القديم في معرضه “كانت أعمالا تجريدية ،ثمة مساحة فارغة لشيء سيولد ،أو ربما هو موجود شأن كثير من الأمور الميحطة بنا ،في أعماله قوة كامنة بأمكانها أن تفجر فيضا من المشاعر والرؤى لدى المتلقي.

*(خالد الجادر) الطبيعة كما رآها ،تصفه الكاتبة “كان دؤوبا على أيجاد ذلك التوازن بين حركة اليد التي تلتقط الشكل بسرعة وحيوية ،وأيجاد أسلوب منفرد قادر على أيصال رؤيته الفنية ،كان دؤوبا على تدريب قدراته الأدائية وتطويعها للاستجابة لكل ما تلتقطه عيناه،وتبلورت رؤيته للعالم ،أي أصبح قادرا على أن يرى ما لا يراه الآخرون ،وأن يمسك بسر الابداع ومعناه :ذلك الحد الفاصل الذي كثيرا ما يغيب عن أدراك المشاهد العادي والممارس غير الموهوب للعملية الفنية”وتضيف “سيظل المشهد الطبيعي عند خالد الجادر عملا خالدايشار اليه،فقد أنسن الجادر هذه الطبيعة بل جعل لها لغة رمزية أحيانا،وأستطاع بأسلوبه أن يتوصل الى توازن مدروس يتجلى بأنضباطه الصارم في استخدام اللون،والاختزال الشديد في نقل ما يحيط به الى الاخرين.

-(نوري الراوي)  الفرات والبيئة :- بلغة شاعرية تتحدث الكاتبة عن الراوي الانسان والفنان حيث تقول “نوري الراوي من الفنانين الذين تعني لهم الطبيعة أمرا أخر غير الشكل واللون والضوء ،فالطبيعة لديه هي الأرض الأم ،والصدر الرؤوم الذي يمده بالسلام والطمأنينة.

-(كاظم حيدر) التجريب واللعب والموت :- تتمحور أعمال كاظم حيدر حول الانسان شكلا ومضمونا ،واقعا ورمزا ،روحا ومادة،الأنسان في أعماله ،مكبلا كان أم شهيدا،مقاوما أم مستسلما ،هو أنسان وحيد حتى وان كان ضمن جماعة،يظهر أبدا داخل مشهد يطفح بالحس المأساوي ،للجانب الفكري في أعمال كاظم حيدر حضور طاغ ،وهو حضور يتميز ببعده العاطفي الدفين الذي يشتبك فيه الشخصي بالعام.

*تجارب منفردة :- ويضم هذا القسم (ناظم رمزي،خالد القصاب)

*(خالد القصاب) الأخلاص للمشهد العراقي :-ينتمي الدكتور خالد القصاب الى جيل كان له الفضل الأول في دفع حركة التحديث في العراق الى مديات بعيدة ،بل له الفضل في تفعيل الحياة العلمية والثقافية وجعلها من صلب الحياة الخاصة والعامة،،وتصف المؤلفة نشاط خالد القصاب “لم يكن خالد القصاب مجرد  رسام تميز بطابعه الخاص ، بل كان المنظم لعقد التجمعات الفنية ،وأرتياد الأماكن الطبيعية لتصوير المشاهد الطبيعية الحية في العراق شمالا وجنوبا.

*(ناظم رمزي)في عشق الأرض والناس:- تصف المؤلفة لوحات رمزي قائلة “كانت لوحات رمزي الفوتوغرافية في بغداد حاضرة دائما أمامنا ،خاصة البورتريهات التي التقطها لوجوه الفلاحين والفلاحات والصيادين والباعة في الأسواق الشعبية والأطفال أين ما وجدوا ،من جنوب العراق الى شماله.

* التجربة الشخصية والرؤية الكونية :- ويضم هذا القسم (أسماعيل فتاح الترك،ضياء العزاوي،رافع الناصري،محمد مهر الدين،سالم الدباغ،علي طالب ،سعد شاكر ،طارق ابراهيم،سعاد العطار،يحيى الشيخ،عصام السعيد ،نهى الراضي ،فيصل لعيبي،)وسوف نستعرض بشكل سريع انطباعات المؤلفة عن هؤلاء الفنانيين (أسماعيل فتاح الترك)- الخصوصية العراقية المتوارثة:- يظل النحت لدى اسماعيل الترك هو الأهم في مجمل أنجازاته الفنية الغزيرة ،وقد تشرب الترك منذ صباه بمنحوتات العراق القديم .

(ضياء العزاوي) – من ضفاف وادي الرافدين الى تخوم العالم:- أظهر العزاوي منذ بداياته ،ولعا واضحا باقحام الأدب في العمل الفني فضلا عن التاريخ ،فأعتماد تكويناته الفنية على عنصر الخط بشكل اساس ،،مرت لوحة ضياء العزاوي بعدة مراحل كان الخط واللون فيها دائما عنصران أساسيان .

(رافع الناصري ) – النهر الأول، الغربة وتحولات الأسلوب

اهتمت الكاتبة كثيرا بهذه الفقرة لأنها تخص اعز الناس اليها وهو زوجها ورفيقها وتوأم روحها الراحل رافع الناصري ،وتقول فيه “رافع فنان كبير في ابداعه ،وكبير في تواضعه “”اكتسب رافع وعيا جديدا وحماسة اخرى عندما ذهب في رحلة عمل الى كوريا الجنوبية “”رافع الناصري فنان دؤوب ومنظم ،حياته الفنية والشخصية كل واحد لا يقبل الانفصال ،رؤيته الفنية هي رؤيته ذاتها في جميع مفردات الحياة اليومية ،الجمال لديه دين وديدن ،يده لا تلمس شيئا ألا وأحالته الى عالم جميل يتوغل في وجدان من يراه ويجلي عن عينيه شوائب ما يحيط به في الواقع،الرسم لديه عمل يومي يمارس من خلاله وجوده وتفاعله الحي مع مجريات الحياة عمليا وذهنيا”

-(محمد مهر الدين ) السير على نهر من جمر :-“تميزت المراحل الاولى لتجربة مهر الدين لوحات فنية منفذة بمواد غير تقليدية،كالرمل ونشارة الخشب والحرق والتلصيق والأكربليك والجص الى جانب الخربشة التي توحي بالعفوية لبناء سطح تصويري محض ذي ملمس بارز” في لوحة مهر الدين نزعة أنسانية تمجد الانسان وتجسد قلقه وأزماته ،يبثها ضمن خطاب سياسي اجتماعي ذي نبرة حادة ومتمردة”

-(سالم الدباغ) – بلاغة الصمت- :- “لقد توجهت نظرة الفنان الى داخله ،للتعرف الى ذاته وعدم الاكتفاء بالنظر الى ما حوله من البيئة الطبيعية أو الاجتماعية،أغلب أعمال الدباغ رسم على القماش أو الخشب،الى جانب أعماله المحفورة المتميزة،تكويناته حافظت على مفرداتها وطابعها السكوني ،ولم تتعرض لتغيير كبير ،فهي تنمو وتتشكل من الداخل ،ولا تفرط ببنائها المختزل المتماسك،كما ظل محافظا على صياغته التجريدية ،متطلعا الى أختراق أقصى أبعاد الفضاء الخارجي حتى العدم”

-(علي طالب) – اللغز والرمز :- في اعمال علي طالب ثمة حدث يدور في طقس غامض يتوخى السرية والتكتم، ذلك هو جوهر الرؤية عنده، وتلك هي الخاصية التي حافظت عليها أعماله على مدى الحقب التي احتضنت مسيرته الفنية المتواصلة ،بغض النظر عن الأمكنة التي أقام فيها ،والتغييرات التي أنعكست من جرائها على ملامح لوحته”

– (سعد شاكر) الصانع هو المبدع والمبدع هو الصانع :- كانت صلة سعد بالطين حميمية منذ بداياته الأولى،فالطين من أكثر المواد الفنية أثارة للخيال كما يقول سعد شاكر ،فالطين عند سعد مادة حياة يصوغ منها فكره ،ويضمنها رؤيته في الوقت الذي يمارس فيها اقصى درجات التحدي للسيطرة عليها واخضاعها لكمال الحرفة “استطاع سعد شاكر أن يستفيد من الموروث بقدر ما يستفيد من الحداثة والتكنولوجيا المتقدمة ،لتحقيق شخصية مميزة لفن الخزف المعاصر في العراق،ما تلمسه في عمله ،سواء في الصحون الراقية التي قدمها أو الأشكال التجريدية التي ابتكرها ،فهو الخزاف الذي يتنازل عن شروط الجمال المتبعة في تقاليد هذا الفن شرقا وغربا ، وهو مبدع لأعمال تجريدية ذات تشكيل حر أحيانا أو شبه هندسي في كثير من الاحيان.

– ( طارق ابراهيم) – المعادلة الصعبة :- تنزع اعماله تلك الى محاكاة أشكال من الطبيعة وتقديم مجسمات ذات ملمس خشن وسطوح مجرحة او متشققة ،والفنان اذ فارق الاستمارة من الشكل الانساني في هذه الأعمال ،فقد أعتمد بدلا منها عناصر من البيئة يكون الانسان فيها مضمونا كامنا في قلب العمل.

-(سعاد العطار) – أنثوية المشهد الطبيعي :- ظل عنصرا  المرأة والغابة متلازمين في فن سعاد العطار ، بل أحتلت المرأة مكانة أساسية في تكوينات الفنانة منذ بداياتها ، حتى أنها أفردت لها في منتصف سبعينيات القرن الماضي معرضا كاملا يتكون من بورتريهات معظمها تخطيط على ورق ،وعلى امتداد تجربتها لم تكد لوحة من لوحاتها تخلو من عنصر المرأة بصفتها أنثى،ورمزا للانسانية ،ففي معظم أعمالها ثمة امرأة تتخفى داخل غاية ،أو داخل اطار ،ينيرها قمر أزرق ،أو ضوء شمس ينسل من خلال غلالة ،ثيمات تكاد تتكرر في معظم المراحل ،تميزت بنبرتها الهادئة وألوانها الصريحة المختزلة وأجوائها الرومانسية.

-(يحيى الشيخ) – مبررات الرسم :- على الرغم من ان اعمال يحيى الشيخ الاولى اتسمت بالتشخيص ،وباسلوب تعبيري ينطوي على اشارات دالة الى انعدام الحرية والتعذيب الجسدي والروحي معا ،فان نزعة التجريد والاختزال ،لونا وشكلا ،رافقته منذ البداية حتى استحوذت كليا على سطوح اعماله ،ولكنها تجريدية تشي دائما بأرتباطها بالمكان ارتباطا يستبطن الحنين الى الارض الاولى “

-( عصام السعيد) – والعراق الساكن في وجدانه :- أتسمت البدايات الفنية لعصام السعيد بالانفلات العاطفي الذي يستمد صوره واستعاراته ، المتمثلة باللون أو الرموز ،من ذاكرته البغدادية لتكون بديلا موضوعيا عن توقه الى وطنه الذي ظل مخلصا له روحا وفكرا ، تكويناته قائمة بشكل أساس على الخط ،والخط يظهر في حدوده حتى في الأعمال التي تظهر فيها كتل لونية متداخلة ،في ثنايا تكويناته عامة تتبعثر الأشكال الزخرفية،هندسية وغير هندسية ،المستمدة من التراث إلأسلامي “

– (نهى الراضي) تلتحق بكائناتها :- طالما كشفت نهى عن انتماء حميم للطبيعة بكل ما يحمله هذا المصطلح من دلالات وجودية ،وذلك ما دعاها الى أن تشيد في منتصف الثمانين من القرن الماضي منزلا في شمال بغداد وسط بستان يحتوي على “ست وستين نخلة ومائة وواحد وستين شجرة برتقال ،وفحول نخيل ثلاثة هم الذكور الوحيدون المقيمون” ،،طبعت روح السخرية والدعابة أعمال نهى الفنية ثم الأدبية فيما بعد، في سنة 1995 اقامت معرضا في دار الفنون يضم أشكالا مكونة من قطع غيار السيارات والأنابيب المعدنية التالفة الى جانب مجموعة الأحجار الملونة التي تعيد الى الأذهان أعمال نهى الحرفية،وأن معرضها هذا تضمن من روح السخرية والتهكم والعبثية ما فاق كل أعمالها السابقة.

-( فيصل لعيبي) البحث عن الذات :- موضوعات فيصل لعيبي تشمل بشكل عام الورتريت ومشاهد المدن العربية،وغير العربية،بأزقتها وحواريها وملامحها المعمارية ،الى جانب ولعه بتصوير الحياة الشعبية البغدادية ،جل هذه الاعمال منفذة بالزيت على القماش ،الى جانب كم آخر من أعمال تخطيط على الورق بالقلم أو الحبر أو الفحم،ولديه أيضا تجاربه في النحت.يقدم فيصل لعيبي لوحة لا تخطئها العين،لوحة عراقية تتوافر على عناصر جذابة تفرض حضورها على المشاهد:قد تجعله بقراءتها قراءة عابرة،بقدر ما تغريه على التأمل في تفاصيلها وتتبع ما تنطوي عليه من معان ورموز خفية.

– التواصل والتمايز  في الفن الحديث في العراق : جيل الثمانين نموذجا

توضح الكاتبة في هذا القسم الذي يتناول الفن التشكيلي في الثمانين من القرن الماضي “من الصعب رسم خريطة تحيط بنشاط الفنانين التشكيليين العراقيين ،بعدما ما تشتتوا في أصقاع الأرض،منهم من حافظ على بقائه الفني حيا ومنهم من سقط في دوامة حياة أخرى غريبة،ومن النشاطات الفنية التي شهدها النصف الثاني من عقد الثمانين اقامة معارض بمشاركات عالمية ساعدت على توفير مجال للتماس المباشر بين الفنانين العراقيين والتجارب العالمية الحديثة،فكان مهرجان بغداد العالمي  للفن التشكيلي (الفن للإنسانية) الأول 1986 ثم الثاني 1988  بحضور فنانين ذوي سمعة مرموقة في العالم حضورا شخصيا ،أو معنويا من خلال المشاركة فقط،كان للشباب نصيب في هذين المعرضين،،وكانت للمؤلفة وقفة مع تأثير الحرب وهيمنتها على الحياة عامة فالحرب ..ظاهرة كانت ،في صور البدلات الخاكية المفرغة من رجالها لعلي جبار، ومجموعة الخوذ العسكرية لحيان عبد الجبار ،او متخفية كما في المشهد الساخر لستار كاووش،كشفت عن نزعة عنيفة نحو تبني أسلوب تعبيري تشخيصي ،أو تعبيري تجريدي كما في لوحات فوزي رسول وأيمان علي وخالد رحيم وهل وسعدي داوود وهناء مال الله وغسان غائب ، أو بطابع تعبيري مختلف تجلى في أعمال عمار سلمان ومظهر أحمد ويونس العزاوي وفاخر محمد وعاصم عبد الأمير وآخرون،بينما لجأ كريم رسن الى أدخال مفردات مستمدة من تاريخ العراق القديم وكتاباته الصورية التي تحمل بعدا رمزيا الى جانب قيمها الجمالية.

 عراقيون في الشتات : تجارب جديدة

في القسم الأخير من الكتاب خصص للحديث عن التجارب الجديدة لفنانين يقيمون في خارج العراق

  • عادل عابدين) الانزياح والمنفى : تتمحور مشاريع ورؤى عادل عابدين المقيم في فلندة حول صور الغربة والهجرة والانزياح والتهميش وجنون الحرب بمظاهرها المتعددة ، يتناول عابدين هذه الصور من بعد أنساني خالص يتمثل فيها العراق بحاضرته بغداد،متجاوزا حدوده الشخصية ليخاطب العالم برمته،فبغداد بالنسبة اليه رمز يتسع لأحتواء مأساة أنسانية شاملة مغيبة عن أعين العالم ،تصور أعماله الأحساس بالفجيعة بأذكى تجلياتها: السخرية المرة وحدة المفارقة.
  • من خلال المسافة البعيدة التي تفصله عن أرض الوطن ،يصوغ عادل عابدين خطابه الفني والانساني مستعينا بجملة عناصر فنية تتوافر عليها أعماله كالشعر والموسيقى والتصوير،مكونة لغته الجمالية الأخاذة التي يسعى من خلالها الى فتح نافذة ما يخفى عن العالم.

كتاب ((مي مظفر))بذلت فيه كل الجهد النقدي المتميز لوضع بانوراما واسعة تعرض فيها نجوم الفن التشكيلي الحديث ،ومهما حاولنا استعراض اهم ما جاء في الكتاب من شخصيات وسيرة فنية وذاتية وذكريات وانطباعات فأن قراءة او دراسة مثل هذه الكتب تجعل المتلقي يحلق عاليا في فضاءات وافاق الفن التشكيلي العراقي الرائع،ونحن ندعو وزارتي التعليم العالي ووزارة التربية أن تستعين في هذا الكتاب لجعله درسا منهجيا لطلبة الفنون الجميلة وأكاديمية الفنون الجميلة في أقسام الرسم والنحت.