قاع الحمير – نصوص – موسى الهاشمي
في العصر الغابر مر إسكندر المقدوني، في طريقه إلى العالم، برقعة جغرافية سره منظرها وتمثلها جنة على الأرض: جمال طبيعة، أنهار كثيرة ، أشجار ظليلة، وما أزعجه أن كل أهلها حمير وقردة، فامتعض أيما امتعاض وفكر بإبادتهم واستبدالهم بقومه وأهل بيته، فكتب في ذلك إلى أستاذه أرسطو طاليس فجاءه الرد غير مشجع فعزف وغادر مواصلاً رحلته ولم يعقب.
بغض النظر عن حقيقة تلك الرواية، في العصر الحديث، من أجل توازن الطبيعة، يتعين أبقاء الحمير على قيد الحياة ونشرها حتى إذا كان ذلك في بقعة صغيرة. هذا ما أقرته الأسود في اجتماع موسع يخص البيئة، فعاشت الحمير مطمئنة منذ قرن ونصف، في حين، في بداية القرن الحادي والعشرين، انقرضت واختفت عن وجه الأرض كل أنواع الحمير ولم يعد لها أثر سوى في هذه الرقعة الجغرافية؛ بسبب وفرة العلف الذي يمكن أن يغذي حيوانات العالم بأسرها، لا رقعة الحمير وحدها.
أما الضباع فقد اتخذت رقعة جغرافية متناهية الصغر وجراً لها وعاشت آمنة هي الأخرى. تقع رقعة الضباع على طرف خليج تنازعت ملكيته الحيوانات المتشاطئة كافة ولم تفز أيٌّ منها. بيد أن ضيق المساحة حددت عدد ونوع الضباع، والعادات والتقاليد. فمثلاً كانت أجسادها ضخمة وممتلئة وبطينة وشرهة في كل شيء : شرهة في الطعام إلى كثرة ممارسة الجنس إلى أنواع الخبث والتملق وتقبيل أيدي عظام الحيوانات صباح مساء والميل إلى الطرب والرقص.
بيد أن الضباع استيقظت ذات صباح لتجد الغذاء أوشك على النفاد، وكان الوقت متأخراً نسبياً ويتعين فعل شيء على وجه السرعة، قبل فوات الأوان؛ فاجتمعت سراً، وبعد تداول ونقاش مضن فكرت ببناء حظائر في رقعة الحمير على حسابها الخاص. بعد أن وجدت أن أعداد الحمير في تناقص مستمر، لكنها تجهل بناء حظائر ذات جدوى تمام الجهل.. ناهيك عن ضعف قدرتها وقابليتها على أدارة محميات واسعة ذات نفع مجد. ثم ذهب الرأي أن تستعين بالأسود، فهذه لديها باع طويلة في تشييد المحميات وإدارة الحظائر بجدارة. لما تملك من هيبة وقوة بطش.
درست الأسود طلب الضباع بعناية وإفاضة لتحدد أرباحها من تلك الصفقة. وتوصلت من خلال الحنكة التي تملكها والخبرة الواسعة إلى قرار أن تقلب الطاولة على الضباع، وتحّول حمير تلك الرقعة إلى حيوانات أخرى أكثر احتراماً وأفضل نوعية وأجمل سلوكاً. وذلك باللعب بالجينات الوراثية على ما أظن. فاستعانت بكل الخبرات المتطورة التي تملكها ولا تملكها الحيوانات الأخرى بيد إنها فشلت فشلاً تاماً. فهي استطاعت أن تحّول ألأجســاد إلــى أجساد بشـر واللغة لغة بشر بيد إنها أخفقت في تحويل العقول، إذ بقيت عقول حمير مئة في المئة.
بعد ذلك اعترفت ان خير مكان للحمير في المساحة التي شخّصتها الضباع بالفعل. أي رقعة جغرافية شرق أوسطية. فيها من الحمير ما يغني عن التكاليف الباهظة والعمل الشاق، لكنها لم تبلّغ الضباع بدراستها الميدانية وتشخيصها المسبق لأنواع الحمير ومعرفة واسعة بأنسابها وأصولها وأعدادها وتقاليدها وسلوكها. كما كانت تعرف أن أنواع حمير تلك الرقعة ليس من داع لتأسيس محميات وبناء حظائر لأجل زيادة أعدادها، فهي مطاوعة، سلسة، يسيرة القيادة، وفيها حيوانات أخرى ذات أصول حمير. بيد أنها تخفت تحت أقنعة شتى واتخذت أشكالاً مغايرة.. تشبهاً بالأسود أو النمور، وحتى الديناصور المنقرض، لكن من السهل على الأسود كشفها ومعرفتها وإعادتها إلى حمير، وذلك من خلال البصمات التي تتركها حوافرها أثناء سلوكها ونشاطها ورعيها، فالأسود لا تخفى عنها خافية على وجه الأرض. لكنها تتكتم على المعلومات المهمة ولا تبوح لأحد. وبهدوء الزهّاد طلبت من الضباع توفير العلف اللازم وترك الإدارة لها.
كشفت الأسود أن هناك حيوانات في الرقعة الجغرافية ذاتها إلى جانب الحمير ليس من أصول حمير من السهل جداً تحويلها إلى حمير لتأثرها وإعجابها بسلوك الحمير. وإذا كانت لا تتحول في الشكل والجسم ستتحول في التفكير والسيرة. وأقرت ليس بالضرورة أن تكون مشابهة في الهيئة، المهم، في نظر الأسود، الحصول على عقول وسيرة حمير . فإذا كانت الضرورة، في السابق، تقتضي من الحمير حمل الأثقال؛ فحيوانات اليوم طوّرت وسائل عديدة لحمل الأثقال ونقلها من مكان إلى آخر. أهم فائدة تجنيها الأسود العقل والسلوك. والدراسة المستفيضة لخارطة العالم إضافة إلى الجولات الميدانية في الغابات والسهول والجبال أن ذلك الموقع الشرق أوسطي مثالي في حميره وحيواناته، يسهل ترويضه ومطاوعته وقيادته وتشكيله، إضافة إلى ذلك أثبتت الدراسات الحديثة أن حيوانات العالم برمته قد تحولت بطريقة وأخرى إلى ذئاب وكلاب وخنازير ولم يبق للحمير أثراً إلا في هذه الرقعة الجغرافية .
وعلى الرغم من أن حمير تلك الرقعة ليست بحاجة إلى عـلف من احــــد، كما قلنا إلا إنها ما أن ترى أحداً يتقدم بعلف من خارج رقعتها حتى تسارع إلى النهيق والرقص، وتميل إلى الخضوع والتملق وتقديم آيات الولاء، خلافاً لكل حيوانات الأرض؛ عند ذاك تستطيع أن تملي عليها ما تشاء من الأوامر.
ولما كانت كل الحيوانات المفترسة بحاجة إلى لحوم طازجة, ولاسيما لحوم الحمير ذات المذاق الطيب، إلا أن ذلك لم يجعل الحيوانات المفترسة تكتشف أن في هذه الرقعة الجغرافية حمير بحق سوى الأسود، فهي وحدها تعلم أن في هذه الرقعة لحوم حمير يغذي العالم بأسره. ربما ذهب ظن الحيوانات الأخرى إلى غير ذلك واعتقدت إنها حيوانات مفترسة.
ولم تكن الضباع غبية عندما سارعت إلى تقديم العلف وأخذت على عاتقها توصيله إلى تلك الرقعة فهذا سيحفظها من الانقراض ويجعل من الأسود مُدينة على الدوام. في الوقت نفسه ذهبت الأسود إلى ابعد من ذلك فهي المنشئة والمهيمنة على أعلاف العالم وهذا سيجعل الضباع تجلب الأعلاف من أرضها وستكون الأرباح من الأعلاف وإدارة الحمير مضاعفة. إضافة إلى ذلك أن طلب الضباع سيعطي حقاً مشروعاً وقانونياً للأسود، وفق قانون الغاب، في إدارة الحمير في تلك الرقعة، ويوقف احتجاج الذئاب والنمور والخنازير والحيوانات الأخرى بما في ذلك الطيور الجارحة مثل النسور والصقور .. وفوق ذلك ستستحوذ الأسود على الحمير كغذاء وتطرد الضباع عند الضرورة من خلال وضعها تحت اليد…
والحقيقة التي لا مراء فيها لم تغفل الأسود أن كثيراً من حمير تلك الرقعة الجغرافية بذل ما بوسعه لتغيير هيئته والظهور بمظهر آخر يشبه إلى حد كبير حيوانات منقرضة قريبة من هيئة الأسود إضافة إلى الهيئة البشرية لكي ينال احترام وتقدير الحيوانات الأخرى ويوهمها بأنه حيوان أصيل من الحيوانات التي يجب أن ينظر إليها باحترام وتقدير، ويدور الكلام حولها برهبة وخوف، ولا ينظر إلى أي منها على إنه حمار وضيع. وقد شاهدت الأسود حميراً وضعت نظارات سوداً فوق عينيها وغيرت جلودها ولبست لباساً آخر، لباس الورع والتقوى وذهبت تتبختر في سيرها. فابتسمت وقالت في سرها” أن هؤلاء بضاعتي” لا يخفى شيء عن عين الأسود الثاقبة، فمهما فعل الحمار يبقى حماراً سليل النسب.
والشيء الذي لا تحجبه الشمس أن حمير تلك الرقعة الجغرافية ما أن علمت أن الضباع اجتمعت بالأسود وأبدت عزمها على مد العلف إلى الحمير بما يفوق حاجتها حتى عبرت عن سرورها البالغ وترحيبها الحار وسارعت إلى استقبال الأسود بالزهور والورود.
ولم تمل الأسود على الحمير أية شروط سوى السعي لزيادة الأعداد عن طريق الولادات وتهجير وقتل كل حيوان يرفض أن يكون حماراً.
ولم يفطن أي من الحمير إلى مخطط الأسود التي تحرص باستمرار على رعاية الحمير حيثما كانت لاستدامة غذائها من اللحوم الطازجة، ولم تفكر الحمير يوماً لمَ هي غذاء دائم، منذ زمن بعيد، للأسود والحيوانات المفترسة الأخرى ولا عمدت إلى تطوير عقليتها وتغيير سلوكها. بل فكرت فقط بزيادة أعدادها، وهذا خطأ فادح يسهل عملية افتراسها.
غير أن ابن أوى (الثعلب) بفطنته الثاقبة، رغم صغر حجمه، كشف مكر الأسود فاجتمع بالحمير، وأبلغهم بوضوح وشفافية: ان الضباع بتقديم العلف والأسود بالإدارة ما هو إلا مخطط شرير ينبغي التنبه له.
وأضاف، في معرض حديثه” ان الضباع ليست قوية مثل الأسود، تعاني من نقص حاد في الغذاء لدرجة عندما تسللت إلى رقعة الضباع وجدت بعضها قد هلك جوعا وما تبقى في الطريق إلى الهلاك بسبب محاصرة الأسود وتضييق الخناق على الضباع لكي تستورد علفا ولا ينافسوهم على الحمير؛ في حين فكرت الضباع بالتهامكم فقط لتكونوا سبباً في بقائهم أحياء فلو امتنعتم عن استلام العلف سوف تقوى شوكتكم وتضعف شوكة الضباع. ثم أنهم أرادوا استغلال قوة الأسود في أدارة الحظائر نيابة عنهم غير أن ذكاء الأسود ذهب إلى ابعد من ذلك وسارعوا إلى الموافقة ووضعوا شرط إدارة الحمير ليشرفوا بأنفسهم على تامين فرائس سمينه للمستقبل.
أما العلف فبصفتهم منشئين له سوف يعود عليهم بربح طائل ويجعل مستقبل الضباع رهن أيديهم؛ فالضباع لا تستطيع الوقوف بوجه الأسود في ساعة الغضب وعليه فان الأسود هي الرابح الأول والأخير من اللعبة” كما أعلن الثعلب بأنه قد جاب العالم بحرية كونه غير مستهدف من الحيوانات القوية والمفترسة بسبب صغر حجمه وعدم اعتباره وجبة مجزية تستحق العناء، فقد سُمح له بالتجوال ووجد أن الحمير لم يعد لها وجود، وما تبقى منها لبس شتى ألأقنعة للتمويه، بما في ذلك أقنعة الحيوانات المفترسة وعُومِل باحترام، وليس هناك بقية حمير سوى في هذه الرقعة الجغرافية المسماة قاع الحمير. ثم إنه قدم ما يبين عدم وجود مصلحة له في هذا المخطط المشبوه بدليل انه غير قادر على افتراس حمار والحمير تعرف ذلك وإنما هدف إلى عيش آمن. واستأنف قائلاً ” سأكتفي بثمار الأشجار والفئران والجرذان والحشرات” وفي النهاية شكر الثعلب الحمير وغادر رافعاً ذيله إلى فوق وهو على قناعة تامة بأن الحمير سوف لن تأخذ بنصحه وإرشاده لكونها حميراً من جذور حمير، وإنما سينشقون على أنفسهم ويرفس بعضهم بعضا وبهذا يستطيع ان يحصل على فرائس نافقة كثيرة تجعله يحيا هو وجرائه سعيدا. وعلى أثر ذلك اجتمعت الحمير ووجدت أن الأسود من شأنها اختراق رقعتهم متى رغبوا في ذلك ولكنهم كدأبهم بحاجة إلى مبرر احتراما للحيوانات المفترسة الأخرى وإلا سادت الفوضى وأصبحت حياة الغابة لا تطاق .
اما الضباع بتقديمهم العلف فيه وجه نظر ووجهة النظر هذه جعلت الخلاف يدب بين صفوف الحمير؛ فالحمير ذات الخطوط السود والبيض وافقت على استلام العلف بينما الحمير ذات الألوان الأخرى أعلنت رفضها القاطع معتبرة الضباع حيوانات غير محترمة قاسية القلب ولا عهود لها ولا مواثيق ومن هنا نشب الخلاف بين أطراف الحمير. وعلى ضوء هذا عمت الفوضى في قاع الحمير التي كانت ذات يوم آمنة وكان عيشها رغيداً وعلاقتها وطيدة .
وساد صفوف الحمير الشقاق وكثر الغدر والقتل على اللون والعرق وكثرت المؤامرات والمخططات الإجرامية وغارت حمير الشمال على الجنوب والشرق على الغرب وبالعكس. وان البعض ذهب إلى الأسود وطلب زرع أنياب حادة في فكيه ليفترس الفئة المناوئة .
أما الفئة التي تهافتت على استلام العلف من الضباع خشيت ان تستفيد منها الفئة الأخرى فخزنته في رقعة الضباع والأسود واكتفت باستلام إيصال أسود فقط ولم تستفد منه شيئاً في حياتها المتبقية.
وعندما نظرت الأسود إلى ما يجري في قاع الحمير من صراع أحمق وغبي أثبت بما لا يقبل الشك أنهم حمير من أصول حمير، ابتسمت ساخرة، ورفعت يدها عن الإدارة، واكتفت بالمشاهدة والأشراف الجزئي لتبقى الحمير ضعيفة تُدمِر نفسها بنفسها، وهي، على كل حال، تحت اليد، تاركة للحمير التعبير عن نفسها كحمير لا غير!!!























