في السرديات الشفاهية.. واقعة رحيل ملك العراق عامر الخفاجي أنموذجاً

في السرديات الشفاهية.. واقعة رحيل ملك العراق عامر الخفاجي أنموذجاً

باسم عبد الحميد حمودي

يفرق اللسانيون المحدثون بين اللسان –الكلام – والسرد المدون,واذا كان السرد يجمع بين المحكي والمدون –كما نفترض- وان الكثير من الشفاهيات السردية من طرفة الى مثل الى واقعة تاريخية الى سيرة شعبية قد رويت شفاها ,أول الامر ,ثم دونها القادرون على التدوين والكتابة . على ذلك نرى ان الكثير من (الوقائع) المتعلقة بحالة ما,قد يرويها المؤرخون –المدونون –بعدة تفاصيل ,قد يختلف بعضها عن الصيغة الاخرى , وذلك ان هذا التدوين الذي يريد الاحاطة بالواقعة قد اعتمد السرد الشفوي اول الامر,ومن هذا السرد جرى تأطير الكلام المروي بالكتابة والتدوين  حيث يجري  نقل الشفاهي-برواياته المتعددة- الى التنصيص المدون. أن مراجعة اولى لوقائع السيرة الهلالية في مضانها المتعددة نجد أن الرواة  الذين تصدوا للرواية الشفاهية والحكي قد وضعوا امام المدونين عدة روايات في عدد من الوقائع التي تعد شبه ثابتة ومنها:اسباب أقدام الخفاجي عامر ملك العراق زمن السيرة على الرحيل مع الهلاليين الى بلاد الغرب,أي تونس, ومنها :حبه لاخت دياب ابن غانم (احد قادة بني هلال ),وهذا امر تؤكده الرواية التونسية للسيرة لتضعف من موقف الملك العراقي وتجعل السبب متعلقا بعاطفة جنسية لانجد لها نصوصا شعرية في السيرة والتغريبة.  الروايات الاخرى ومنها المصرية والسورية تشير  الى احترام  عامر الخفاجي للهلاليين وحرصه على الدفاع عنهم والسير معهم الى تونس احقاقا للعدل.

رواية المنشد المصري جابر ابو حسين  لمقتل عامر الخفاجي غدرا تشير الى بطولته وحبه لنصرة الحق, وجابر ابو حسين في انشوداته عن عامر الخفاجي يكرر تسمية المنشدين ورواة السيرة في ارياف مصر لتسمية (النجع) وهي التسمية الشعبيةالمصرية لعامر الخفاجي. وتحلل المستشرقة الامريكية اليسون ليريك في كتابها عن ملحمة الضياغم النصوص المتعلقة باخبار (ميا ووطفى )وسائر النساء الحجازيات اللواتي تشير لهن والدة الخفاجي في قصائدها عنه مدعية انهن سحرنه ,لتقول ان امرا كهذا قد يحصل ولكنه لاينفي وقفة الخفاجي البطولية تجاه طغيان الزناتي خليفة وتوق الهلاليين الى ايجاد سكن لهم في تونس . وليريك بهذا تزاوج بين روايتين في جزئية واحدة في السيرة ,مما يشعرنا أن الشفاهي (الذي دون) قد تختلف فيه الروايات استنادا الى الرواة ودوافعهم واتجاهاتهم في (تدوير ) الواقعة وحسم الصورة التاريخية الشعبية لرغباتهم! ونحن نجد ان رغبات الرواة والمنشدين مرتبطة بدوافع  مجتمعهم واختياراته لصيغ الابطال الشعبيين وتصرفاتهم ,وذاك موضوع يحتاج الى تفصيل.