فنان رائد على عتبة التسعين يذرف دموعه بين اللوحات

أزقة الأعظمية وبيوتاتها تعيد ألق فرشاة العبيدي

فنان رائد على عتبة التسعين يذرف دموعه بين اللوحات

عبد اللطيف الموسوي

لم يتمالك الفنان التشكيلي الرائد عبد القادر العبيدي نفسه وهو يرى الأجواء الجميلة التي حظي بها افتتاح معرضه الاستعادي (ذاكرة مكان) فأطلق لدموعه العنان لتكون خير شاهد لحب المبدع العراقي لفنه وبلده فكان ان قابله الحضور بفيض من المشاعر والمحبة. والعبيدي معذور فهذا هو معرضه الرابع بعد انقطاع طويل دام 27 سنة منذ معرضه الثالث الذي اقامه نهاية الثمانينيات. معرض العبيدي يحكي قصة رجل كهل على اعتاب التسعين لم يمنعه انحناء ظهره وخطوط تجاعيده الواضحة على محياه وتقدمه في السن من ان يطلق لفرشاته العنان فيقدم 35 لوحة ابهرت الحضور كما لم العمر من ان يستقبل ضيوفه وان كان على كرسيه الذي لم يغادره طوال حديثي معه.

 بدا العبيدي متشبثاً بفنه وانطباعيته ومدينته التي احب ليقدم درسا مجانيا للشباب المتقاعس.سالت  العبيدي عن سبب اخلاصه للانطباعية وعدم تأثره بالمدارس الحديثة كغيره من المبدعين ، فقال(انا احب الطبيعة  وارى ان لاشيء جميلاً مثل الطبيعة اما الاشياء التي لا اتقبلها فلا يمكن ان احبها ولم اتأثر بالمدارس الحديثة لأنني ارى ان المتلقي يحب الفن الانطباعي اما عندما ينظر الى اللوحات الحديثة التي عبارة عن خطوط وغير ذلك فلايتقبلها وهو لا يعرف معناها اذ ان الرسام الذي يقوم برسم مثل هذه اللوحات وحده يفهم مايرسم ولهذا يضطر بعض الناس الى الطلب من الرسام ان يشرح لهم لوحته).عن معرضه هذا، قال(هذا معرضي الرابع وكان معرضي الثالث في نهاية الثمانينات واقمته في المسرح الوطني بالاضافة الى معرضين آخرين في نادي العلوية وحديقة الامة في سنة تخرجي عام  1975 وعرضت فيه 45 لوحة .مارست العمل الوظيفي في المصرف الزراعي فانقطعت عن الفن  ثم نقلت الى الفنون التشكيلية لكوني احمل شهادة فنية  وكان من اسباب ابتعادي عن الفن قليلاً للاسف ان العلاقات بين الفنانين غير جيدة وليس بينهم حب وهناك تنافس تشوبه الغيرة).

جيل الرواد

 واستأنست (الزمان) برأي الناقد والفنان قاسم العزاوي الذي تحدث قائلاً:(ان الفنان عبد القادر العبيدي من جيل الرواد جيل الاربعينات ومابعدها والمعروف انه تأثر بالانطباعية المحلية التي نادى بها حافظ الدروبي وجميل حافظ وبقي مخلصاً لانطباعيته المحلية بعيدا عن الانطباعية العالمية . لقد ظل العبيدي وفيًا لإنطباعيتنا المحلية المتمثلة بزرقة السماء واشجارنا الجميلة  وهكذا حاول ان ينقل الاثر المكاني لمدينة الاعظمية التي يعيش فيها. والمعروف ان المبدع دائما ما يستوحي ذكرياته واعماله من مدينته وهذا ما انطبق على العبيدي بمعرضه الموسوم حيث نرى الاعظمية بناسها وأزقتها الضيقة وبيوتها وشناشيلها وهذا ايضاً بعض من الوفاء للمدينة وهذا الوفاء هو في حقيقته نوع من التوثيق الجميل لهذه  المدن التي ربما تنطمر بعض ملامحها بمرور الزمن فيأتي المبدع ليذكرنا بها. ان الانتماء الى المكان وتخليده شيء جميل جدا والعبيدي بوصفه فناناً رائداً فمن المؤكد يلتزم بأساسيات الفن وبالمميزات الاصيلة للفن واتضح هذا الامر من التزامه حتى بالخامة اذ استخدم خامة البورد (الخشب)فالكثير من الفنانين القدامى يرسمون على البورد وقد اجاد العبيدي بنقل مشاهد حياتية من مدينته الى معرضه هذا . واعزو وفاءه الى الانطباعية ايضًا  الى ان الطبيعة بحد ذاتها ملهمة للكثير من الادباء والفنانين لاسيما وان الطبيعة تمتلك جميع عناصر الجمال فهي عبارة عن لوحة إلهية جميلة فأكيد، والحالة هذه، تصبح منهلاً يغترف منها الفنان والاديب ابداعاته حتى ان جميع المهتمين بالثقافات تهمهم الطبيعة وعادة ما يتسمون بالوفاء والاخلاص للمنهل الاول الذي اثر في جمالية ابداعهم لذلك نرى العبيدي كان مخلصا للطبيعة التي وهبته الجمال). وتحدث مدير المتحف الوطني للفن الحديث علي الدليمي لـ(الزمان) قائلاً ان(العبيدي من الفنانين الذين واكبوا الفنانين الرواد الذين جاءوا بعد الاوائل وقد تأثر بهم وكان الرواد انفسهم متأثرين بالانطباعية العراقية التي تضم الطبيعة والشجر والبيوتات البغدادية والشناشيل وغيرها. وقد اتخذ العبيدي الامر في البداية هواية وبقي هاويا الى ان دخل معهد الفنون الجميلة فتعلم على ايدي عمالقة الفن التشكيلي حينذاك وبقي يسهم في مشاركات فنية جماعية في بغداد.

ذاكرة بغدادية

وقد بقي على انطباعيته ولم يتأثر بالحداثة التي لايجد نفسه مقتنعاً بها فكل ما في ذاكرته بغداد ومدينة الاعظمية وشوارعها وبيوتاتها ودقائق الاعظمية وقد وضع كل ذلك في هذا المعرض الذي سيكون ان شاءالله فاتحة خير له وسيخصص لهذا المعرض  يوم في قاعة كولبنكيان كما اشار الى ذلك مدير عام دائرة الفنون في وزارة الثقافة شفيق المهدي وهو ابن بار لدائرة الفنون التشكيلية منذ بداية العقد الثمانيني الى ان احيل الى التقاعد).

وكان مدير عام دائرة الفنون شفيق المهدي قد استقبل  قبل اشهر في مكتبة بدائرة الفنون الفنان العبيدي بحضور مدير المتحف الوطني للفن الحديث علي الدليمي .ووجه المهدي في حينه  بتخصيص يوم لهذا الفنان واقامة معرض خاص بأعماله وندوة فنية ونقدية مع مجموعة من النقاد وان يكون له يوم تكريم خاص به.

وتفيد السيرة الشخصية للعبيدي بولادة عبد القادر عثمان العبيدي سنة 1930 في الاعظمية القديمة – محلة الشيوخ. درس في معهد الفنون الجميلة وتخرج فيه عام 1975, اقام اربعة معارض فنية خلال مسيرته التي تخللتها انقطاعات بسبب العمل الوظيفي في مؤسسات غير فنية .تتلمذ على يد أساتذة الفن من الرواد الاوائل وتأثر بهم.