فلسفة الشركات السياسية

 فلسفة الشركات السياسية

 عندما تغيب معايير النظام السياسي بقواعده المعروفة ، وتتحول الدولة الى فرصة استثمارية كبيرة لجمع الاموال وتحقيق المصالح ، يصبح واضحاً ان الجهات التي تقوم بذلك ليست احزاباً او تكتلات او جبهات ، بل هي في الحقيقة ليست سوى (شركات) سياسية تتعامل بمنطق الربح والخسارة ، أي بمنطق السوق كما يقال ، وما دامت موازين الربح والخسارة هي المتحكمة فانها ستسعى جاهدة للحصول على المكسب بغض النظر عن محددات الحق والباطل والمشروع واللامشروع وبدل ذلك ، لا يوجد سوى معيار واحد فقط : اين المكسب ومع من ؟؟ .

وبطبيعة الحال ينتقل اسلوب الشركات السياسية الى المؤسسات والدوائر الحكومية الرسمية التي تقع تحت سيطرتها ويتم تجيير كافة الامكانات والوسائل التي تتمتع بها تلك المؤسسات لصالح تلك الشركات ، وبموجب ذلك تتحول كل وزارة الى مقاطعة اقتصادية خاصة بتلك الشركة ويتم منح المناصب المهمة فيها لمن يتبعونها وعلى هذا الاساس توزع الحصص من المشاريع او الاموال وبذلك تنتفي الغاية الاساسية من وجود المؤسسات الرسمية وتصبح مؤسسات استحصال ارباح بدل ان تكون كما هو مفترض مؤسسات خدمة عامة .

و بحكم الضرورة كمحصلة لما اسست له تلك الشركات ، تنتج شبكة عنكبوتية من المافيات الاقتصادية التي تعمل على شل مؤسسات الدولة من حيث الكفاءة والانتاج والجودة وغيرها وتحول البلاد الى ساحة استيراد مفتوحة مما يعكس وجود مصلحة حتمية في بقاء الوضع كما هو نتيجة شراهة نحو الربح لا نهاية لها ، وبالتالي تصبح تلك المافيات امبراطوريات اقتصادية ، وهي وان كانت بقيت تحت عباءة الشركات لكنها قد تخرج يوما ما عن السيطرة وتتصادم اذا لزم الامر مع تلك الشركات التي اوجدتها طالما انها تشعر ان مصالحها تتعرض للخطر ، أو مع أي جهة اخرى تنادي بفكرة الدولة و بمجرد ان تشعر بان هناك اجراءات قد تمس مصالحها وتحد من سطوتها .

وليس غريبا ان تلك الشركات قد تمتلك اذرعا عسكرية واعلامية لا تدخر جهدا كي تطورها وتنميها وترى في مؤسسات كالجيش والشرطة خطرا لا بد ان تتعامل معه ليس بالضرورة عبر الصدام المباشر ان لم يكن باستطاعتها ذلك ، وانما بالنفاذ اليها واضعافها وتمييعها قدر المستطاع ، ولاطول فترة ممكنة ، ولا بأس اذا تمكنت من تكوين ذراع عسكري لها داخل تلك المؤسسة نفسها بعدد وعدة مناسبين تجعل منه ورقة احتياط ستراتيجي جاهزة للاستخدام وقت اللزوم .

وبالنتيجة فان تلك الشركات اصبحت تتمتع بمقومات سياسية واقتصادية وعسكرية واعلامية ولها سيطرتها على مساحة جغرافية ايضا ، وستبقى تسابق الزمن استعدادا لاسوء الاحتمالات وستستمر في سعيها لتطوير امكاناتها وقدراتها وستقاتل حتى الموت دفاعا عن مصالحها اذا ما حانت لحظة الانفجار العظيم ! ..والسؤال حينها سيكمن حول ما اذا كان هناك من هو مستعد للتعامل مع مثل هذه الصورة المخيفة ويمتلك ادوات تفوق ما لدى الشركات للتغلب عليها وكبح جماحها ؟ .

ابراهيم الشاهد – بغداد