فرانكلين يضحك مرة أخرى

فرانكلين يضحك مرة أخرى

لؤي زهرة

مهداة الى روح الروائي العراقي

عبد الستار ناصر

(ذلك الجزء الصغير جدا المتبقي من رأس فرانكلين وهو يضحك في تنور والدة عبد الستار ناصر هو نفسه الذي ضحك من ابراهيم رشدي عبد العظيم وهو يبحث عن ميراث ابيه الذي أودعه بين طيات الكتب ، وربما الرأس ذاته يضحك الان من ضحايا آخرين في مكان آخر . ( لم يضع – عبد الستار ناصر – نقوده في أي بنك كما يفعل العقلاء من البشر بل جمعها درهما درهما . أسبوعا بعد أسبوع وشهرا بعد شهر حتى أشترى اوراقا  بنكنوت خضراء من فئة مئة دولار تحمل صورة فرانكلين … ثم دسها بين طيات كتاب سمين في الصفحة 150- 151 ) . الان بدأت افك ذلك اللغز وتلك الشيفرة التي كثيرًا ما بقيت عاصية علي وبدأت أفهم سر موت والدة دكتور ابراهيم رشدي المفاجئ في عام 2003 بعد وصول ابنها الوحيد الى العراق بشهر واحد . وها أنا بدأت افهم سر تلك الكلمات التي كان يهذي بها دكتور ابراهيم رشدي وهو يقف على أطلال مكتبة أبيه وهو يردد صفحة 56 ، اكثر من أربعة الاف كتاب ، الرسالة نعم هناك من زور الرسالة ، الرفيق عدنان الموظف بالبريد الذي صار الشيخ عدنان القيادي في حزب أسلامي . والمنهاج الثقافي الذي لا يقرأه أحد … كلمات صارت يسيرة الفهم بعد أن قرأت صورة فرانكلين . فقد حملتني الذاكرة الى عام 1975 حين ودع استاذ رشدي ولده الوحيد ابراهيم الى مطار بغداد وعيناه تمتلأ بالدموع لكنه كان يبتسم بوجه ولده والمودعين بينما راحت والدته تقرأ آية الكرسي وختمتها بقول الله خير حافظا وهو أرحم الراحمين كان تلك المرة هي الاخيرة التي ارى فيها ابراهيم قبل توجهه الى لندن لاكمال دراسته الطبية على نفقة والده الاستاذ رشدي وكان في حينها شابا وسيما احتظنه استاذ رشدي وهمس في أذنه ، ربما قال له :- لا تنسى الصفحة 56 هي نفس تأريخ ميلادك سأدخر ميراثك هناك بين طيات الكتب . اوشك ابراهيم على اكمال دراسته حين بدأت الحرب العراقية – الايرانية فأرسل استاذ رشدي الى أبنه برقية مشفرة يطلب منه البقاء وعدم المجئ الى العراق فالحرب بدأت تأكل كل شيء وتقول هل من مزيد … مع نهاية الثمانينات من القرن الماضي وقبيل وفاته بأيام كنت أرى أستاذ رشدي عبد العظيم و هو لايزال في مستهل السبعين من العمر لكنه كان يحتفظ برونقه ولازلت أتذكره في كل يوم يمر من امامي وهو يحمل كتاباً على الرغم من أني لا اعلم له نشاطا أدبيا بعينه فربما كان قارئا جيدا وحسب . كان يحمل ذات يوم معه روايتَي الشرق المتوسط ومدن الملح لعبد الرحمن منيف ورايته مرة أخرى وهو يحمل معه المحاكمة لكافكا و ذات يوم رأيته يحمل كتاب النظرات للمنفلوطي وتمنيت أن يعيرني اياه واخر مرة لمحته وهو يحمل معه كتاب اظن كان أسمه الوجودية مذهب أنساني لجان بول سارتر . ما زالت ملامحه تترأى أمامي وهو يرتدي بذلةً بألوانٍ زاهية غير عابئ بما يدور حوله من احداث جسام وكان يصر على وضع منديل بلون ربطة عنقه وقراصة الرباط (فيونكه ) بلون ساعته نفسه كان يحمل عصا تمنحه هيبه وتبعد عنه عيون رجالات السلطة الذين يبحثون عمن يرسلوه الى الجبهة بقواطع الجيش الشعبي … تدهورت أحوال أستاذ رشدي بعد مداهمات من قبل رجال الامن الى بيته مرة استجوبوه عن ابنه ابراهيم المنتمي الى المعارضة العراقية في الخارج ومرة اخرى بحجة أخرى ولم ينتهه عام 1990 حتى توفي استاذ رشدي أثر أزمة قلبية حادة . الرفيق عدنان او الشيخ عدنان الذي كان يهذي بأسمه الدكتور ابراهيم هو المسؤول الاول والاخير عن موت والده فقد كان يعمل موظفا في دائرة البريد وهو المسؤول عن مراقبة حركة دخول وخروج الرسائل والتجسس على أجهزة الهاتف لصالح النظام السابق . حتى بدون أخذ الاذن من القضاء العراقي بل إن القضاء العراقي كان خاضعا للرقابة الشديدة فربما كان سائقهم الخاص وافراد حمايتهم من رجال الامن ويكتبون كل صغيرة وكبيرة في تقارير أسبوعية الى الدوائر الامنية . لقد اطلع الرفيق عدنان على رسالة الى ولده ابراهيم يخبره بكل التفاصيل الدقيقة وانه يحتفظ له بمبلغ كبير من الدولارات بين طيات مكتبته التي تبلغ اكثر من أربعة الاف كتاب هي حصيلة ما جمعه من عمره من واردات عمارته التي ورثها عن ابيه وبيته الذي ابتناه لابنه و كذلك محصول ارضه الزراعية المترامية و ذكره برقم الصفحة 56 وهو تاريخ ولادته كما وترك له وصية و حصر كافة املاكه في صفحة 56 من كتاب المنهاج الثقافي الذي لا يمكن أن تطاله يد أنسان ذات يوم فهو كتاب تافه أجبر الشعب العراقي على تلاوته اناء الليل وأطراف النهار وكانه كتاب مقدس . قام الرفيق عدنان بأستبدال ما جاء بالرسالة بكلمات أشواق وعتب دون اي ذكر لقصة ذلك الكنز المودع بين طيات الكتب . في تلك الفترة توفي الاستاذ رشدي عبد العظيم وبعثت والدته رسالة تعزية الى ولدها الدكتور ابراهيم في لندن وبعد عدة أشهر وصلت رسالة من ابنها الا انها زورت من قبل الرفيق عدنان فقد كتـب فيها frown emoticon أمي الغالية اقبل اياديكم الكريمة والبقاء لله وأسكن الله والدي الجنة فلقد كان نعم الاب … ) وذيلت الرسالة بالاتي ( أمي اتمنى عليك بيع مكتبة والدي وسارسل شخصًا من قبلي يعطيك مبلغ مليون دينار عراقي أرجو أن تحتفظي به لحين عودتي كما أنني استلمت بقية المبلغ هنا في لندن ) حمل ساعي البريد تلك الرسالة الى تلك الام المفجوعة بزوجها والمتلهفة لسماع اخبار ولدها . انتظر الرفيق عدنان عدة ايام قبل أن يأتي اليها يخبرها بأنه الشخص المعني بتلك الرسالة واعطاها مبلغ المليون دينار و قام برزم الكتب بعلب كارتونية بعد أن تأكد من وجود اوراق البنكنوت النقدية بين طيات صفحات 56 من كل كتاب . في عام 1991 نشبت ثورة عارمة كانت تستهدف الاطاحة بنظام البعث فأستغل الرفيق عدنان تلك الثورة ولجأ الى أحدى دول الجوار ومن هناك اعلن تبرئته من نظام البعث الكافر وتدرج في المناصب القيادية لجماعة اسلامية معارضة وانتقل بعدها الى دولة اخرى قبل أن يحصل على اللجوء في اللمانيا وبالتحديد في مدينة هامبورغ حيث اقتنى عمارة سكنية مكونة من عدة طوابق وبعد عام 2003 عاد الى الوطن وهو يرتدي زيًّا إسلاميًّا ويحمل اسما جديدا غير ملوث بالماضي هو الشيخ والحاج عدنان المجاهد الثوري الذي يعرفه الجميع . في نفس ذلك العام عاد الدكتور ابراهيم بعد فترة اغتراب دامت ثمانية وعشرين عاما  .كانت المفاجأة الكبرى حين رأى مكتبة والده قد بيعت وكانت المفاجئة الاكبر حين أخبرته والدته بأنها باعت تلك المكتبة اثر تلقيها رسالة منه يعبر فيها عن رغبته ببيع المكتبة . أدرك الدكتور ابراهيم بذكائه أن رجال المراقبة في البريد لهم اليد الطولى في تنفيذ تلك الجريمة وحمل الرسالة الى دائرة البريد والاتصالات فأخبروه أن الشيخ عدنان البعيد عن الشبهات هو المسوؤل الاول والاخير في تلك الفترة ، حاول أن يصل الى الشيخ عدنان لكن دون جدوى فهو محاط بحرس شديد ورجال غلاظ لا يسمحون لاحد الاقتراب منه وأن أي كلام عن الشيخ عدنان هو دعاية الهدف منها تسقيط العملية السياسية وتشويه صورة الجهاد البطولي الذي يتمتع به قياديو الجماعة الاسلامية ومنهم الشيخ عدنان … أصيب الدكتور ابراهيم بالاحباط من الوصول الى هدفه وأنتابه شعور بأكتئاب حاد بعد وفاة والدته التي توفيت غما على فعلتها الشنيعة … كان الذنب ذنب أستاذ رشدي لانه لم يطلع زوجته على سره كما كان ذنب عبد الستار ناصر حين لم يخبر والدته عن السبعة الاف دولار التي ائتمنها عند اناس يعرف عنهم بأنهم يصونون الامانه … شكرا لعبد الستار ناصر فلولاه لما أستطعت ان افك ذلك اللغز المحير … في أخر خبر سمعته عن دكتور ابراهيم انه عاد الى لندن وقيل توفي هو الاخر كمدا على ذلك الارث الذي ذهب هباءً  منثورا بحيلة أحكمَ تنفيذها الرفيق عدنان ..