عن الكُتب والكُتّاب ومؤسسات النشر العربية**
وسط ثقافي مسكون بالتحجيم والإقصاء**
أحمد محمّد امين – ستوكهولم
هي المصادفات ترمينا هنا وهناك ونلتقي هذا وذاك. ساتحدّثُ عن ثاث ظواهر، ربّتما يُعاني منها كثيرون من أمثالي
حين يصدرُ لي كتابٌ أحظى بعدد من النسخ من الناشر، الذي أخذ سلفاً تكاليف الطبع، لكنه حين يبعث لي خمسين نسخة ينبغي أن ابعث له قيمة الشحن لإيصالها اليّ. ولكنّه»أيضاً»لا يمنحني حصة ممّا يُباع من كتبي. فمذ عام 2000 وانا اطبع كتبي هنا وهناك. فلم استلم من ناشري كتبي فلساً واحداً. وقد طبعنا اكثر من خمسة عشر كتاباً أنا وزوجتي. وأقيام الطبع تزداد مع الزمن. ولعلي لستُ الكاتب الوحيد الذي يؤكل حقه علناً، بل هو حالُ كل المبدعين الاُلى يقترون على عوائلهم ليغتني الناشرون. لقاء خمسين أو مئة نسخة. تُرى لمَ لا تضطلعُ وزاراتُ الثقافة في بلداننا بهذه المهمة ؟ وربّما كان الجوابُ جاهزاً لديّ فثمة مافيات تسيطرُ على مؤسسات النشر الرسمية في بلداننا العربية. وتلعبُ العلاقاتُ الشخصية والصداقاتُ والمواقفُ السياسية لعبتها في التحجيم والإقصاء والإهمال. ولأنّ طبع الكتاب مكلفٌ فوق طاقة الكتّاب لذلك تظلّ بضاعتُه مركونة في ادراجهم.. والابداعُ»في أيّ جبهة كتابيّة»هو مثلُ الخبز الساخن ينبغي تعاطيه في أوانه. فما يُكتبُ اليوم من القصص والآشعار وباقي انماط الكتابة قد يفوتُ أوانه بعد سنين عدة. القصةُ والقصيدة ُ في تطوّر مستمر. فلا أظنّ ان ما كتبناه قبل بضع سنين يصلح ان يجاري ما يُكتب اليوم. الحياة ُ تتغيّر بين يوم ويوم. وكذا الإبداع كونه معطى من مُعطياتها. فالكاتب بين جحيمين لا يرحمان»الناشر ومؤسسة النشر الرسمية. وأظنّ أن ليس ثمة حلٌّ قريب لهذه الظاهرة التي تقتل المبدع قبل الإبداع. ولديّ اصدقاءٌ كثرٌ لديهم مشاريعُ كتابية منجزة، لكنهم لا يستطيعون نشرها للأسباب التي ذكرتُ.
وكم يُبهجني لو أنّ ناشر كتبي أتصل بي يوماً ما، وفي زمن ما ليهمس في اذني أن لي مستحقاً مالياً لديه يروم ارجاعه.. لكنّ ذلك حلمٌ بعيدُ المنال. والأدهى من كلّ ذلك أنّ بعضَ الناشرين مبدعون لهم سمعة طيّبة في الكتابة.
……………………
الظاهرة ُ الثانية»واقولها بمرارة وحزن»انني حين اطبع كتاباً، تصلني كما ذكرتُ، نسخٌ فاوزعها على اصدقائي كتّاباً ومثقفين وبعضَ واجهات الثقافية. اهديهم نسخاً من كلّ ما أصدرت من كتب. بل واتجشم دفع مبالغ لايصالها الي عناوينهم في أيّ بلد كانوا»قريبين وبعيدين»وحين يظهر لهم كتاب يحجمون عن اهدائي نسخة منه.لاسباب يعرفها كلُّ أحد منا. لكن آخرين»وهم قلة»تصلني كتبُهم. ومن باب الوفاء والصداقة والمحبة اكتب عنها، واحاول تقويمها من وجهة نظري. انّ التواصل الابداعي بين الكتّاب أمرٌ مهمٌ ينبغي ترسيخُ وشائجه عبر الكتب والرسائل والمهاتفات التلفونية. فتكسبنا هذه العلاقاتُ خبرة متجددة من خلال النقد والملاحظة والنصيحة. فلسنا جميعاً متكاملين بلغنا اوجنا الابداعي.
قبل اسابيع أقام احدُ المقيمين في السويد ندوة قرأ نصوصاً شعرية لشاعر سويدي، وتلبية لرغبة أحد الأصدقاء حضرت الندوة وكانت متألقة تقديماً والقاء ً. وقبل انعقاد الندوة تقدّمتُ نحوه وعرّفته بنفسي وشعّ على سيمائه سرور. واهديته ثمانية كتب من اصداراتنا»أنا وزوجتي»وكانت كتبه موزعة فوق طاولة طويلة يروم بيعها، وربّما كانت عليها اسعار»لستُ متأكداً من ذلك»تسلم مني كتبنا بمحبة، ودسّها في حقيبته. لكنّي استغربتُ أمره أنه لم يُبادر الى أهدائي بعض كتبه كما فعلت ُ، حينئذ تركته وجلست مع الحضور لأستمع الى نتف شعرية ترجمها له الى العربية. انتهت القراءات وانصرف الحضور وكنتُ أطمع أن يُبادر فيهديني بعض كتبه الا أنه لم يفعل. ودّعته وقد غشيني الكمد. وتساءلتُ تُرى أأنا المُخطيء حين اهدي كتبي للآخرين ؟ أم هم المخطئون حين لا يردّون المثل بالمثل. بعد يومين نشرتُ مقالة عن ندوته التي اعتمدت فيها على ذاكرتي التي ما زالت كريمة معي تسعفني على تذكّر ما مضى بكلّ صفاء وتألق.
لقد التقينا أنا وهو مرّات عدّة»وصرنا أصدقاء»بيدَ أنه حتى الآن لم يُبادر الى اهدائي كتاباً من كتبه فيماهو يتحدّث بسخاء وموضوعية عن كتبنا التي قرأها. ترى كيف تُفسّرُهذه الحالة، أهي نوع ٌمن البخل أم التجاهل المُتعمّد واللامبالاة..؟
وظاهرة ٌ اُخرى اختتم بها الظاهرتين فثمة جمعيات أو تجمعات عربية في السويد لها عناوين ثقافية ولها انشطتها ومُريدوها وقائمون على شؤونها»وكلّها تتلقى دعماً ماديّاً ومعنويّاً من السلطات السويدية وبسخاء»بيد أنّ ما تقدمها هرطقاتٌ سياسية وحفلاتٌ ترفيهية لا تغني ذائقة المثقف ولا تُلبّي حاجاته الثقافية. قد تقيم بين آوان بعيدة ندوة شعرية لشعراء محسوبين عليها وعلى نهجها الفكري، او تترصد مناسبة وطنية تتنوع فيها الفعاليات شعراً وموسيقى واغاني وربما مسرحيات قصيرة. لكن الثقافة كزاد معرفي لا وجود لها. وكلما اسمع عن نشاط ثقافي يُقال أن السياسي الفلاني القي محاضرة عن الزمن العراقي والعربي الجديدين. وتناسى هؤلاء انّ الفضائيات العربية عبّأتْ رؤوسنا بكل ما يخطر وما لا يخطرُبالبال بدءاً من الصراعات السياسية والثورات التي لفظت انفاسها حتى زواج ملك اليمين ومضاجعة المرأة الميتة وختان النساء وتفسير الأحلام والسحر والنصائح الطبية…الخ. لكن الثقافة بمعطاها المعرفي لا تدخل صالات هذه الجمعيات. وان كان ثمة نشاط من ايّما نوع فمقصورٌعلى اعضاء القائمين على شؤونها. وحين كنتُ في لوند كانت الجمعية المندائية العراقية تعيش حراكاً ثقافياً لا مثيل له في أيّ مكان، استضافت الشعراء سعدي يوسف ومظفر النواف والصكار وعدنان الصايغ، وكذا ليلى العثمان وناهدة الرماح ورشيد خيون وعزيز السباهي واسماء كثيرة فكرية وادبية نسيتُها. اضافة الى جلسات ترفيهية لأعضائها مرّة كلّ اسبوع. فما كانت الأنشطة محصورة بالأعضاء، بل يستقدمون المثقفين من كلّ مكان على حساب الجمعية. وأظنّ ان ما يُقدّم هنا من خلال الجمعيات العربية لا تتصل بثقافة الوطن وتقاليدها. بل تخبّطٌ عشوائي لابراز هذا الاسم وذاك. كنتُ آمل ان اسمع كل ما يتصل بجذورنا هنا، كي تبقى خيوط النسيج العربي متينة وقوية وغنيّة ترفع هاماتنا عالية بين الجاليات الأجنبية الأخرى. فعلى سبيل المثال تُقام في اماسي أيام العطل مهرجاناتٌ موسيقية وغنائية ومسرحية راقصة ورياضية في حديقة منطقتنا. من قبل الجاليات الأجنبية. وتسيل الى اسماعنا اغنياتٌ من امريكا اللاتينية ومن اوربا الشرقية وتركية وايرانية وسريانية. أمّا الجالية العربية فنائمة وعليها صخرة الصمت واللامبلاة…..
/8/2012 Issue 4265 – Date 1 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4265 التاريخ 1»8»2012
AZP09
























