عنوانات حداثوية يستوحي الشعراء مضامينها – نصوص – نجاح هادي كبة

من الأنساق الثقافية في تفكير الحلاج  1-2

عنوانات حداثوية يستوحي الشعراء مضامينها – نصوص –  نجاح هادي كبة

السيرة الذاتية

المرحلة الاولى :

ولد الحسين بن منصور الملقب بالحلاج سنة 244هـ / 857م في “البيضاء ” في موضع يقال له الطور . وليس هناك الا النزر اليسير من الاخبار عن طفولته / فقد نشأ في ” تستر ” حيث انتقل مع أهله . وحفظ القران في الثانية عشرة من عمرة ليتتلمذ عند سهل التستري سنتين بعد ذلك .

وفي الثامنة عشرة من عمره سافر الى البصرة وفيها تتلمذ على يد عمرو بن عثمان المكي وهناك اصبح الشاب صوفيا بعد ان لبس الخرقة ايذانا بذلك وهناك تزوج ايضا بنت ابي يعقوب الاقطع واثمر هذا الزواج ثلاثة بنين وابنة واحدة وكفل والد زوجه معيشة عائلته . الا انه بعد الزواج حدث نزاع شديد بينه وبين حميه فتضايق الحلاج وتألم وذهب الى بغداد ليستشيـر ” الجنيد ” كبير المتصوفة في عهده عارضا عليه ما يلقاه من اذى بسبب الصدام بين شيخه ” المكي ” ووالد زوجته ” الاقطع ” وكان شيخ الملة يأمره بالسكوت والصبر .. وبعد سنة ونصف من الاقامة غادرها الى بغداد وفيها تردد الى ” الجنيد ” ثم غادرها الى مكة حاجا. فجاورها سنة كاملة منقطعا للعبادة . وفي مكة حدثت القطيعة الكاملة بينه وبين شيخه ” المكي ” الذي اشاع عنه الدعاوى العريضة ومنها قوله ” هو ذا من عارض القران” وما مثلها من كلمات لكن هذه المخاصمة لم تتوقف عند هذا الحد . اذ بدأ الشيخ بمهاجمة تلميذه متهما اياه بالكفر ومنكرا على ” الاقطع ” تزويجه ابنته ، وكأنه  يسعى لتطليقها منه .

ورجع الحلاج الى بغداد . وفي بغداد حدثت القطيعة بينه وبين الجنيد ونسبه شيخ الملة الى الادعاء . واصبح واضحا ان على هذا المدعي ، ان يسير في طريقه وحيدا فانتقل الى تستر واعضاً واقام سنة . فلقي قبولا الا ان كتب شيخه ” المكي ” كانت تتنافى فيه متهما اياه بالعظائم ، مشككا بعقيدته .

يتمرد الحلاج ، وتحرّكه انفعالية يرمي الخرقة الصوفية منطلقا على هواه مبتعدا عن الشيوخ ، موافقا ابناء الدنيا  .

المرحلة الثانية :

اما المرحلة الثانية من حياته فهي مرحلة سفر وتنقل من مكان الى اخر تبتدئ برحلة طويلة دامت خمس سنوات . اذ غاب في ” خرسان ” و ” ما وراء النهر ” و” سجستان ” و” كومان ” ورجع بعد ذلك الى ” فارس ” ثم انتهى الى الاحواز واتى بأهله اليه ثم خلفهم هناك وخرج الى البصرة فأقام مدة يسيرة ثم رجع مع عدد كبير من تلامذته ، وشاع هناك اتهامه بالشعوذة ، رجع الى البصرة واقام فيها سنة ثم ترك اهله وذهب برحلته الثانية الى ” بلاد الترك ” فقصد ” الهند ” و ” خراسان ” و ” ما وراء النهر ” .

حتى وصل الى (( تركستان )) ثم تعداها الى الصين ، ثم حج للمرة الثالثة وفيها قال (( تهدى الاضاحي واهدي مهجتي ودمي)) ليعود الى بغداد بنفسية جديدة متمثلا بهذا القول .

المرحلة الثالثة :

الحلاج يختم عقده الخامس ويستقر في بغداد ويبني داراً ويتغير عما كان عليه في السابق ، واذا بالاستقرار يخفي نزعته الوثابة التي تظهر بشكل اخر ، واذا به يستقر في المقابر ليلا مصليا بالقرب من ضريح ابن حنبل ، وفي النهار يدور في الاسواق صارخا وباكيا مطالبا الناس بقتله فهو يريد ان يموت كافرا . وراجت اجابته الشبلي (( انا الحق )) فطالب القاضي ” محمد بن داود ” وهو فقيه سنّي ظاهري .. بمحاكمته . وطالب بقتله ، الا ان احد شيوخ الشافعية وهو ((ابن سريج )) رفض طلبه ، لان الالهام الصوتي لايخص المحاكم الشرعية ، ولما اتى الوزير ((ابن الفرات )) بعد ثورة ابن المعتز الفاشلة سنه 296  هـ اصدر  امرا بإلقاء القبض على الحلاج وتلامذته ، لكن الحلاج هرب على الرغم من طلبه الموت بتلك الصورة الاستعراضية المثيرة في شوارع بغداد واسواقها (.(1

تبلور آراء الحلاج

يقول كامل مصطفى الشيبي : ويبدو ان الحلاج عاد من الهند مقتنعا بان ماغرسته فيه رحلته هذه ينبغي ان يعرض على الله في مكة وان يخلع فيها عنه التراكمات غير الاسلامية التي علقت بنفسه وعقله ، ومن هنا قطع عهدا على نفسه امام الله ببذل حياته في سبيله .. وبهذا يبدو ان هذه الرحلة كانت فاصلة في حياته وانه توصل خلالها الى الفكرة التي ينبغي ان يؤمن بها والمنهج الذي ينبغي ان يتبع لتحقيقها ، وهكذا بدا الحلاج يدعو الناس سرا الى مذهبة الجديد الذي يقوم على تغليب الروح على الجسد برياضة النفس باشد ماتكون الرياضيات ، بهدف شحنها بالروح الالهية وتمكينها من تقبل الطاقة الربانية التي يعجز البشر العادي ان يتحمل اشعاعها في نفسه ليكون في وسعه في النهاية ان يتعلم من الله ويصدر عنه على الصورة التي ظهرت في ادم لما علمه الله تعالى الاسماء كلها ، وفي المسيح لما مكنه من احياء الموتى ، وفي محمد (ص) لما ظهر على لسانه القران معجزته الكبرى ، وكان من رأي الحلاج في هذه الفترة ان صاحب الدعوة ينبغي ان يمضي في دعوته الى الغاية التي مابعدها غاية دون تراجع ، اسوة بإبليس ، رئيس الملائكة السابق ، الذي لم يبال بغضب الله عليه لما امره بالسجود لادم ، وهو من طين ادنى من عنصره الناري واثر ان يتمسك بفضل عنصره وسموه ورفعته على الطين ، وكان من رأي الحلاج ايضا ان صاحب الدعوة ينبغي ان يتأسى بفرعون الذي لم يستجب لنداء موسى لما دعاه الى نبوته حرصا منه ألا يجعل لانسان سلطة إغلاق الطريق الواسعة التي يحق لكل انسان ان يسلكها الى الله في كل زمان ومكان ، وأخيرا كان من رأى الحلاج انه ينبغي عليه – اذا فشل في تحقيق فكرته – ان يأتم بالمسيح الذي بذل دمه قربانا لله وغسل ذنوب البشر بسيل من حشاشة الانسانية ليكشف في أعينهم حجاب الجسد ويجلو عن أذهانهم ماكانوا فيه من جميل وغفله ووهم  (.(2

الا ان ماسينيون يؤكد ايمانه بالله ورسله وكتبه مما يدلل على ان للحلاج فلسفة تحتاج الى التأمل ، يقول ماسينيون:

ريثما يفلح النبي في اثبات نبوته فهو – عند منكريها – كاذب ( فان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك (قران 3 / (184 او مجنون ( كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ) ( قران : 54 /9) فان اظهر مايخرق نواميس الطبيعه المألوفة ( المعجزة) فانه ساحر (فالقى عصاه فاذا هي ثعبان  مبين ، ونزع يده فاذا هي بيضاء للناظرين ، قال الملأ من قوم فرعون هذا لساحر عظيم)  (3)  (107 -109 /7) ويضيف ماسينيون: ومرة حرك الحلاج يدة في مجلس فنثر مسكا على القوم وحرك يدة مرة اخرى فنثر دراهم ، وهنا يشير ابن النديم الى ان شخصا ( فهيما ) كان بين الحضور لفت نظر الحلاج الى ان الدراهم التي احضرها الحلاج من النوع المعروف بين الناس ، وخاطبة قائلا : (( ارى دراهم معروفة ، ولكن اومن بك وخلق معي ان اعطيتني درهما عليه اسمك واسم ابيك ” فقال له الحلاج :  ((وكيف ، وهذا لم يصنع ؟ فقال الرجل ( الفهيم ) : ((من احضر ماليس بحاضر، صنع ماليس بمصنوع 4) ) الا ان ماسينيون يقول : لا ارى حاجة للاشارة الى ان ثمة مبالغات كثيرة واوهاما في سرد روايات كرامات الحلاج .. الا اننا نعرض هذه المبالغات والاوهام لتقدم جانبا لايمكن الاستغناء عنه في كتابة سيرة صوفي مثل الحلاج (5).

ويرى كامل مصطفى الشيبي ايضا بالاضافة الى ايمان الحلاج بالله ورسله وكتبه فانه كان داعية وسياسيا فقال : والغريب ان الحلاج قد عرف باسمين : احدهما مانعرفه ، والثاني : محمد بن أحمد الفارسي فكأن الاسم الثاني مثّل صفته السياسية باعتباره داعية اسماعليا على غرار ماكان عليه ابو عبد الله الصوفي الذي كانت مهمته العمل على نشر المذهب في المغرب ، فلعل الحلاج كان مسؤولا عن المشرق ولعل من غير الممل ان نذكر ماعهد عن الحلاج من كرامات ومخاريق وسحر فانه يمكن ان يلتقي مع اسلوب العمل الاسماعيلي الذي يخاطب الناس على قدر عقولهم ويعطيهم مايريدون وبالاسلوب الذي يؤثر فيهم ويجذبهم الى الدعوة ، والى هذا اشار اخوان الصفا في رسائلهم في قولهم داعين الداخلين في عقيدتهم الى تصيد ذوي الاستعداد لتقبلها (6).

ويبدو ان الحلاج كان وراء سفره وخصوماته مايخفي وراءه اسلوبا عقائديا فلم تنقطع مراسلاته مع ابناء البلدان التي زارها مما يؤكد انه صاحب رأي سياسي وديني وفكري ، يقول ماسينيون ايضا :

ويروي حَمْدُ انه حين عاد والده من رحلته الطويلة الى الهند وخراسان وماوراء النهر وتركستان .. كان اهل الهند يكاتبونه باسم المغيث واهل بلاد ماصين (الصين) وتركستان بالمقيت واهل خراسان بالمميز واهل فارس بابي عبد الله الزاهد وكان ببغداد قوم يسمونه المصطلم وبالبصرة يسمونه المجيد (7).

وفي ضوء ماقاله ماسينيون – المذكور اعلاه – ان للحلاج اكثر من اسم حركي (كما يطلق بلغة العصر)  فهو المغيث / المميز / عبد الله الزاهد / المصطلم (المجيد) ولم يقتصر اسمه الحركي على ذكر الشيبي سابقا من انه يدعى باسمه الصريح واسم اخر كقناع هو محمد بن احمد الفارسي . ويؤكد الحلاج ان تطوافه في البلدان لم يكن لغاية الشعوذة كما روي عنه قال ابو الحسن محمد بن عمر القاضي : حملني خالي معه الى الحسين بن منصور الحلاج وهو اذ ذاك في جامع البصرة يتعبد ويتصوف ويقرأ .. الا ان الصوفية تدعي له المعجزات من طريق التصوف ومايسمونه مغوثات ، لامن طريق المذهب فأخذ خالي بحادثة وانا صبي جالس معهما اسمع مايجري ، فقال لخالي : قد عمدت الى الخروج من البصرة ، فقال له خالي : لم ؟ قال : قد صيّر لي اهل هذا البلد حديثا فقد ضاق صدري ، واريد ابعد عنهم ، فقال له مثل ماذا ؟ قال : يروني افعل اشياء فلا يسألوني عنها ، ولايكشفونها فيعلمون انها ليست كما وقع لهم ، ويخرجون فيقولون : الحلاج مجاب الدعوة وله مغوثات، قد تمت على يده ألطاف، ومن انا حتى يكون لي هذا (_.(8

المرحلة الرابعة

حالة في السجن :

وفي المرحلة الرابعة من حياته التي استمرت كسابقتها ثلاث سنين او اربع ظل ((مختفيا ، يتحرك سرا ، الى ان القي القبض عليه سنة 300 هـ في (( سوس )) في الاحواز ومن سنة 301  هـ الى 309 هـ قضى الحلاج هذا الشطر متنقلا من سجن الى سجن ، وكان عدد من حاشية الخليفة قد سمعوا به واصبحوا من اتباعه وعلى راسهم (( نصر القشوري )) فحموه واكرموه في سجنه الى ان نقل الى دار السلطان بعد ان عظم شأنه … وكانت والدة الخليفة (المقتدر) تحاببه وتؤمن بورعه واتت وزارة جديرة على رأسها علي بن عيسى الذي جلبه اول مرة الوزير حامد الذي القي القبض عليه في ((سوس )) اتت هذه الوزارة سنه 306 هـ وبعد ازمة مالية ، وخلال ذلك احيل الحلاج الى الوزير ليناظره من جديد فلم يناظره فاحيل الى حامد سنه 308 هـ وبعد ان كثرت الاقوال في سحره وادعائه الالوهية وبعد ان شاع الحديث عن تلامذة له يعيدونه ، فتسلمة الوزير (( حامد )) وقدمه للمحاكمة التي رأسها القاضي المالكي (( ابو عمر الحمادي )) المعروف يتملقه لرؤسائه واحضر عددا كبير من الشهود ، ونوظر الحلاج فثبت وانكر الدعاوي عليه الى ان وقع في قضية فقهية تمس الحج وتبدل معناه ، فأدانه القاضي واحلّ دمه بقية القضاة .

في 24 من ذي القعدة سنه 309 هـ جلد وصلب وقطعت يداه ورجلاه واحرق ثم قطع راسه واحرق جثمانه (9)  .

القضية التي قتل بسببها الحلاج :

اما القضية الفقهية التي قتل بسببها الحلاج وعذب فهي :

ان من الكتب او الدفاتر – التي احضرت ، كتاب يحكي فيه الحلاج بان الانسان اذا اراد الحج ولم يمكنه ، افرد في داره بيتا لايلحقه شي من النجاسة ، ولايدخله احد ، فاذا حضرت ايام الحج طاف حوله طوافة حول البيت الحرام ، فاذا قضى ذلك ، وقضى من المناسك مايقضي بمكه مثله ، جمع ثلاثين يتيما ، وصنع لهم اطيب من مايمكنه من الطعام واحضرهم الى ذلك البيت وقدم اليهم ذلك الطعام ، وتولى خدمتهم بنفسه ، فاذا فرغوا من اكلهم وغسل ايديهم كسا كل واحد منهم قميصا ، ووضع اليه سبعة دراهم او ثلاثة – الشك ليس من الحلاج

فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج ، وهكذا انتهت حياة الحلاج بهذه الفكرة الفلسفية .

من الانساق الثقافية في تفكير الحلاج :

ساتناول ثلاثة انساق ثقافية في تفكير الحلاج كالاتي :

أ. في ضوء سيرته  .

ب. في الانساق الثقافية في شعره .

ج. في الانساق الثقافية لمقولاته .

أ- في ضوء سيرته :

في ضوء ما تقدم من سيرة ذاتية للحسين بن منصور الحلاج نلحظ : 1. ان الحلاج منذ طفولته وحتى كبره ذا شخصية دينامية لا تعرف للاستاتية معنى وهذا مما ولّد في نفسه قوة الجدل واتخاذ الموقف الصلب الثابت على صحة رأيه كما يعتقد ويبدو ذلك واضحا من خصوماته مع حميه ثم مع شيخه ” الجنيد “.

  1. 2. ان الحلاج كان كثير السفر وقد وجه وجهه شطر بلدان بعيدة كالهند والصين مما اكسبه ثقافة اعلن – عن رفضه لبعضها .
  2. 3. واذا صح ما قاله كامل مصطفى الشبيبي انه صاحب مذهب ايديولوجي (بالمعنى المعاصر) او مذهبي ديني اسماعيلي فانه قرن ثقافته النظرية بالعمل وبذلك فلم تكن ثقافته طوبائية بل واقعية .
  3. 4. كان الحلاج يفلسف ثوابت دينية ولم يدحضها كاختراق ابليس لأوامر الله سبحانه وتعالى واستبداد فرعون حين اعلن للمصريين انه ربهم الاعلى قد زعزع المنطق الارسطوي المنطقي المبني على ثوابت معينة واحل محله المنطق الجدلي واعطى المسوغات لذلك فرفض مبدأ عدم التناقض في الشيء .
  4. 5. ان الحلاج يفيد من مواقف هذين المارقين (ابليس وفرعون) والافادة غير الايمان بما قاما به لان الحلاج مؤمن بالله وكتبه وقد اثبت ايمانه عن طريق الصلاة والحج والتصوف ولبس الخرقة البالية وتحمل التقشف .
  5. 6. كثير من اراء الحلاج تخرج على لسان العديد من المسلمين وغير المسلمين – في الوقت الحاضر ان صحت او لا تصح كقولهم ان اطعام الفقير واكساء العاري ولا سيما اليتيم افضل من اداء الواجبات الدينية كالحج الذي حاول الحلاج اختراق مفهومه ضمن نطاق الدين ذاته .
  6. 7. كان تأخير صلب الحلاج وقتله ابشع قتلة بوقت زمني شاسع فالحلاج سجن 301هـ وصلب 309هـ وقد نقل من سجن الى سجن وقد اثرت شخصيته الثقافية على من حوله كما ذكر سابقا كسجانيه حتى ام الخليفة المقتدر عطفت عليه، ان تأخير صلب الحلاج والعطف عليه داخل السجن لا يخلو اسئلة ومن علامات استفهام منها : لماذا كانت هذه النتيجة الحاسمة المؤلمة للبشر في قتله وتقطيعه بعد تأخير دام ثماني سنوات ؟

السبب برأي ان الحلاج قد الصق به تهم عديدة وهو بريء منها وقد دافع عن نفسه من تلك التهم – كما سبق – وان وراء الحلاج من يمحص الامور او قد يكون من اتباعه ، كل ذلك يشير الى براءة الحلاج والظلم الذي لحق به والتعاطف معه بوصفه مثقفا مقموعا .

  1. 8. والسؤال الآخر لماذا لم يصلب فقط بعد تأخيره ؟ والجواب ان الثقافة التي امتلكها الحلاج لا يكون هناك عادل موضوعي لمحوها من اذهان قطاع واسع من الرعية سوى استخدام هذه الطريقة البشعة في قتله .
  2. 9. لقد أراد الحكام آنذاك الابقاء على جهلهم بدليل ان محاكمة الحلاج لم يحضر فيها فقهاء يمثلون طوائف المسلمين كلها فكانت المحكمة مالكية برئيسها حنفية بعضويها ولم يحضر الجلسة احد من الشافعية ولا الحنابلة بالضرورة لانهم كانوا خصوم الدولة ومعارضين لهذه المحاكمة على إطلاقها بتأثير احمد بن عطاء الذي كان ينتمي اليهم …. الا انه لا مفر من ملاحظة ما انطوى عليه هذا التشكيل من تحيز وسوء نية من قبل حامد بن العباس تحقيقا لرغبته العارمة في الانتقام فمن المعروف اولا ان المالكية لا يجوزون توبة الزنديق اصلا بعكس غيرهم من اتباع المذاهب الأخرى ((11.
  3. 10. لقد بقيت ثقافة الحلاج تمد العقل بالتفكير والتمحيص بعد صلبه ، ومما زاد هذه الثقافة أهمية انه اهدى دمه في سبيلها الى الله سبحانه وتعالى ومن خدم الله والناس فقد خدم دين الله وهذا مما زاد من اهمية ثقافة الحلاج بعد صلبه قديما وحديثا .

 وهكذا سمعنا ابا بكر الشبلي الذي قيل : انه اعرض عن الحلاج في اخريات ايامه لقوله : ” انا الحق ” يهتف بين جمع من الناس دون خوف او تردد : ” كنت انا والحلاج شيئا واحدا الا انه اظهر وكتمت” ((12 .والحديث يطول .

وحديثا فقد عالجت مسرحيات واشعار وقصص وادبيات اخرى الواقع الراهن الذي يمر به مجتمعنا في ضوء قناع شخصية الحلاج (وذكرت السيدة آنّه ماري شيمل ان شاعرا سنديا اسمه امام بخش خادم ، نظم سنة 1918م ديوانا من الشعر في قصة الحلاج وان الشاعر الاردي اكبر الله ابادي (ت: 1921م) لما استهجن تقليد المسلمين للأوربيين لم يجد الا الحلاج ليضمنه شعرا )(13 ).

كما تحولت حياة الحلاج وثقافته الى الفولكلور والقصص الشعبية فألف رضوان السح سيرة شعبية للحلاج بـ (150) صفحة من القطع المتوسط إضافة الى دواوين شعره ومسرحيات وأدبيات أخرى ظهرت تحمل معاناة الحلاج وثقافته.

  1. 11. فالتصوف ظاهرة تاريخية متميزة في الإرث الإسلامي تتطلب باستمرار الدراسة والاستيعاب والبحث والإفاضة في كشف جوانبها المتعددة كغيرها من الظواهر الفكرية الفلسفية في المجتمع بعيدا عن وسائل النقل غير الواقعي او التأييد المطلق وصولا الى موقف متزن مقترن بدراسة العلوم الحضارية السائدة (14 ).
  2. 12. لقد اثمرت الثقافة الصوفية لاسيما ثقافة الحلاج الى قيام حركات وثورات في العالم الاسلامي منها (ان نجح محمد بن عبد الله بن تومرت الهرفي المهدي الحسني ” 485 هـ – 524 هـ / 1902 -1130 م فأسس دولة دينية في مراكش جعل رباستها الدنيوية لعبد المؤمن بن علي القيسي الكومي وذلك في سنه ” 514 هـ -1120م ” فسجل في تاريخ الحركات الصوفية اول دولة قامت على قواعد الروح والسلوك والاذكار ” (15 .)
  3. 13. لقد خلف الحلاج وراءه ثروة من المؤلفات اوصلها ماسينيون الى 46)) مؤلفا بحسب رواية الفهرست لابن النديم (16) وقد اضاف اليها الدكتور كامل مصطفى الشيبي حتى اوصلها الى (50) مؤلفا منها كتاب (( الاحاطة والفرقان )) وكتاب ((انفاس النور )) وكتاب (( في السحر)) ((وبستان المعرفة)) وديوانه الذي اكمل جمعه ماسينيون ولم يبق من كتب الحلاج سوى كتاب الطواسين الذي ذكر ماسينيون انه هُرَب من سجن الحلاج على يد صديقه وتلميذه احمد بن عطاء الادمي (17 ).

ويلاحظ على اكثر عنوانات كتب الحلاج سمة الحداثة وقد تناص معها بعض شعراء الحداثة في عنونة دواوينهم .

ب- في الانساق الثقافية في شعر الحلاج :

ينبغي ان يشار الى ان شعر الحلاج – في جملته ينطبع بطابع العقلانية والتعبير المباشر عن المعاني النفسية – فلسفية وعاطفية باسلوب يتعلق بالمعاني من دون الالفاظ وبالجمل المرسلة – ان صحّ التعبير – الخالية من التعقيدات البيانية والتركيبات الحافلة بالصور … وفي ماعدا هذه ينبغي ان يشار الى ان شعر الحلاج يعرض لمعان يمكن تقسيمها الى معان حسية واخرى ثقافية (18 ) ومن الانساق الثقافية :

انزال الاخر بمنزلة النفس لاتلوث العلاقة به طغيان المادة فكتب الحلاج الى صديقة ابي العباس بن عطاء الادمي ، الذي ضحى بحياته دفاعا عنه ، يقول :

كتبت ولم اكتب اليك وانما

          كتبت الى روحي بغير كتاب

وذلك ان الروح لافرق بينها

          وبين محبيها بفضل خطاب

وكل كتاب صادر منك وارد

اليك  بلا رد الجواب ، جوابي (19)

الاحساس بالجمال المادي وتذوقه ، ولا جمال من دون تذوق ، قال

ياشمس يابدر يانهار

          انت لنا جِنّة ونـــار

تجنب الاثم فيك اثم

          وخيفة العار فيك عـار

يخلع فيك العذار قوم

                   فكيف من لا له عــذار ؟ ((20

ففي هاتين الفقرتين ( (1 و ( (2 وجه الحلاج اهتمامه بالجسد وتعلقه به بمبالغة .