عندما يتحدث التاريخ

عندما يتحدث التاريخ

في بلدي مدن و أبواب و تأريخ و حضارات و معابد مازالت آثارها و بصماتها حاضرة شاخصة و طقوس مازالت تمارس إلى يومنا هذا و لو اختلفت الأهداف و الرموز .

أعياد رأس السنة البابلية بأيامها الاثني عشر و عرباتها و كهنتها و طقوسها المقدسة عند كل شعب بابل بالإضافة إلى الملك و مهما كانت عظمته فهو لاعب الدور الرئيس في كل الفعاليات و الأعمال حتى أنه هناك يوم يسمى إذلال الملك يتلقى فيه الضربات و الصفعات من أجل أن يبكي بصدق لكي يثبت ملكه و يبعد الشر عن بلاده .

و كان لي الشرف ان اقدم استاذي و صديقي الكبير الباحث حسن عبيد عيسى بمحاضرتين القاهما في أمسيتين رائعتين خلال هذين ألأسبوعين ألاولى أمسية نادي الكتاب في كربلاء المقدسة و ألثانية أمسية أقامها ألبيت ألثقافي ألبابلي و كانتا بعنوان رأس ألسنة ألبابلية .

عنوان كبير يعود بنا الى بداية نشوء العلم الانساني و يغوص بنا عبر التاريخ القديم حيث ولدت الحضارة و تعلم ألانسان شكل الحرف و بدأ يجد لنفسه أسلوب حياة يحتاج ألى نظام ألوقت و برنامج يعتمد على طقوس مقدسة رسمت للحضارات اللاحقة منطلق ثابت و رصين .

( أكيتو ) و تنطق بالسومرية ( أكيتي سنونم ) و بألاكادية ( ريش شاتين (

و هو عيد رأس ألسنة لدى ألاكديين و البابليين و الاشوريين و من بعدهم الكلدانيين

و هذا بعض ما تحدث به الاستاذ الباحث الكبير حسن عبيد عيسى في ألامسيتين فنال استحسان الجميع و ابهرهم بالمعلومات الباذخة و الربط المميز بين التاريخ القديم والحديث و سرد ممتع وحضور مميز و متداخلين قد أضافوا الشيء الكثير . تطرق فيها الى كون الاحتفال بعيد رأس السنة هو عراقي صرف أستورثه الساميون من أسلافهم السومريين الذين أسسوا لهذا العيد..وان أسلافنا كان لهم عيدين الاول في رأس السنة وهو الاكيتو الذي يصادف في أول نيسان والثاني في الخريف..الاول يصادف مع جز الصوف الذي له أهمية كبيرة في اقتصاد البلاد إذ ان القطن لم يعرف الا بوقت متأخر مما يعني انهم كانوا يعتمدون على الصوف لباسا وخاصة الاثرياء..أما عيد الخريف فيصادف مع حصاد التمر ..ولو انه يتضمن طقوسا للاستسقاء..

كان عيد رأس السنة يمتد الى 12 يوما ..وشرحت تفاصيل طقوس كل يوم واثبت ان فن التمثيل الصامت البانتميوم انما هو فن بابلي ..وان البلاط والمعبد كانوا يمثلون ملحمة الخليقة البابلية

ثم أكد الاستاذ فلاح الجباوي وهو مختص في علم الاثار و احد العاملين في مدينة بابل الاثرية خلال مداخلته على ان البابليين عرفوا المسرح قبل باقي الشعوب من خلال تمثيلهم لملحمة الانيمو اليش كما كرر مطالبته لاحياء هذه الطقوس في مدينة بابل و جعلها فعاليات ثابتة في نفس التاريخ المثبت لجذب السياح و ايضا للتعريف اكثر عن اول من عرف التقويم و سجله و كذلك دعا الى جعل يوم 27 من أذار هو يوم المسرح العراقي لانه شهد تجسيد عمل متكامل في ذلك العصر شارك فيه الملك نبوخذ نصر و ايضا مجموعة من كهنة معبد مردوخ و مجموعة كبيرة من الحاشية و سكان بابل .

و أكمل الاستاذ الباحث حسن عبيد محاضرته و سرد لنا عن كيفية اذلال ملك بابل الذي تنزع عنه شاراته الملكية ويجر من اذنه ويصفع بشدة امام وثن مردوخ حتى تدمع عيناه وان لم تدمع فذلك علامة شؤم لذا يجب ان يبكي..ثم تعاد له شاراته ويعاد الى عرشه مجددا..

وبين ان مردوخ في الفكر البابلي يستقر في كوكب المشتري ووثنه في اكبر معابد بابل الايساكيلا وان اهتمام البابليين بالمشتري له قصة تمتد الى يومنا هذا..ففي الاسبوعين الاخيرين حصل امران في اوربا الاول قيام علماء اثار بترجمة رقيم يتضمن مسار المشتري الذي يحاول العلماء الان تسجيل نقاطها وان البابليين اجروا حسابات تدلل على انهم عرفوا اللوغارتيمات ليسجلوا من خلالها مسار الكوكب المقدس عندهم..الفتح الثاني هو اكتشاف ان المشتري قد يتجسس على كوكب الارض من خلال اكتشاف بؤرة في الكوكب موجهة نحو الارض وفي البؤرة ما يشبه الحدقة..المهم ان الاهتمام الاوربي يفسر اهتمام البابليين بالمشتري..ما لم اتوصل له هو الربط البابلي بين المشتري وبنات نعش(الدب الاكبر(

ثم بين ألباحث عن كيفة أنتقال هذه الطقوس و ألاعياد الى باقي الحضارات حيث قال :

انتقال هذه الممارسة الى بقية الشعوب،هي عن طريق اليهود الاسارى في بابل انتقلت الى الاغريق والرومان،بينما استورثها الفرس الذين احتلوا العراق بعد قضائهم على سلطات الكلدانيين وسمي بالنوروز اي اليوم الجديد..وحتى يكرسوا فارسيته فانهم افتعلوا اسطورة للملوك الكيانيين وهم طبقة من الملوك الاسطوريين الذين لا وجود حقيقي لهم وجعلوا ذلك العيد قوميا لان ملكا جائرا تخرج من كتفيه حيتان تقتاتان على مخي شابين يوميا..واسم الملك أزدهاك..ولأنه سيئ فانهم رأوا الا يجعلوه منهم فقالوا هو عربي واسمه الضحاك..فالخير منهم ولهم والشر يأتيهم من الاقوام الاخرى كالعرب.و اظهرت التطابق والتشابه بين العيد الفارسي والعيد البابلي من حيث الطول فهما يستمران 12 يوما وان خواتيمهما تحديد المصائر وذكرت كيف(تدخل )الدنيا على حيوان معين يحدد سلوك العالم في العام القادم عند الفرس..وغير ذلك من نقاط

المهم انهم افلحوا في خداع الفاتحين المسلمين ليبقوا عليه رغم وثنيته،وكانوا يقدمون الهدايا للخلفاء عند حلوله وحلول المهرجان الذي هو الشطر الثاني ويحصل في شهر ايلول وان الامام علي كان يعرف وثنية هذا العيد ،ورفض هادياهم..

ثم أكتملت الامسية بمشاركة بعض الباحثين و الادباء و المثقفين بمداخلات قد أضافة الشيء الكثير للمحاضرة أن كانت أضافة معلومات لم تذكر في المحاضرة أو من خلال طرح بعض التساؤلات التي تخص الموضوع .

فاضل المعموري – بغداد