
عناية المحامي المعتاد .. معيار قانوني موضوعي – ليد عبد الحسين
نسمع ونقرأ كثيراً بأنه يجب على المدين بالتزام ما أن يبذل في تنفيذه عناية الرجل المعتاد، وبناءً على المبادئ القانونية والتشريعات العراقية فإن العناية المطلوبة من كثير ممن التزامهم بذل عناية لا تحقيق غاية هي عناية الرجل المعتاد، وليست مجرد العناية التي يبذلها الشخص في شؤونه الخاصة. ولربما يسأل كثيرون من هو هذا الرجل المعتاد الذي نقيس أعمال وأداء المدين عليها ويكون قدوة لجميع العاملين المطلوب منهم بذل العناية لا النتيجة؟
الجواب: إن «الرجل المعتاد» (أو الشخص المعتاد) هو معيار قانوني موضوعي يستخدم لتقدير الخطأ وتحديد مدى العناية والحيطة المطلوبة من الشخص في تصرفاته لتجنب المسؤولية القانونية.
حرص شديد
بمعنى أنه ليس شخصاً حقيقياً موجوداً في الواقع، بل هو نموذج ذهني وضعه المشرع للقاضي كي يمثل الشخص المتوسط في حيطته وحذره وذكائه.
فهو شخص لا يتسم بالحرص الشديد والنادر، وفي الوقت نفسه ليس مهملاً أو غبياً، بل هو الشخص الذي يمثل «أوساط الناس» في المجتمع، فلا يكلف الشخص بما يفوق طاقة البشر العاديين، ولا يُعفى من المسؤولية إذا قصّر عن مستوى الشخص المتوسط.
وعند قياس سلوك شخص ما يُقارن بما كان سيفعله الرجل المعتاد لو وضع في نفس الظروف الخارجية (مثل الزمان والمكان)، ولا يُعتد بالظروف الشخصية للمخطئ مثل ضعف الذكاء أو نقص الخبرة، لأن المعيار هنا موضوعي وليس ذاتياً.
وعندما يتعلق الأمر بمهنة معينة (كالمحاماة) مثلاً، يتحول المعيار من «الرجل المعتاد» العام إلى «المهني المعتاد» (أي المحامي المعتاد)، وهو الشخص الذي يمتلك قدراً متوسطاً من مهارات ومعلومات أهل الاختصاص في مهنته، ويلتزم بالأصول المستقرة للمهنة. لأن المبدأ العام في القانون العراقي أن الشخص المكلف بواجب (كالمحامي) ملزم ببذل عناية الرجل المعتاد ولكنه يقيناً يُقصد به مستوى أوساط المحامين وإلا ليس من المنطقي أو المعقول أن نطلب من محامٍ أن يبذل عناية مثل عناية الطبيب في إقامته دعواه بنفسه أو مثل عناية المعلم عند إقامته دعواه فهؤلاء مع جزيل احترامنا لعلمهم العالي في الطب أو التعليم لربما لا يملكون معلومات قانونية ويخطئون في أبسط بديهيات القانون، فهل نقبل من محامٍ يخطئ مثلهم بحجة أنه بذل عناية مثل عنايتهم، بالتأكيد لا، لذلك ينبغي أن يحرص المحامي أن يمتلك معلومات واطلاع زملائه المحامين، حتى لا يتسبب في خسارة حقوق موكله نتيجة جهله ببديهيات القانون وبالتالي يتحمل المسؤولية القانونية عن تعويض ضرره.
ومعيار الرجل المعتاد أشارت إليه عدة نصوص قانونية في التشريعات العراقية منها مثلاً المادة (148) من قانون المرافعات المدنية النافذ رقم (83) لسنة (1969) بخصوص الحراسة القضائية إذ أوجبت عليه بذل عناية الرجل المعتاد في الحفاظ على ما عهد إليه.
أعمال خاصة
أو المادة 934 من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951
(1 – إذا كانت الوكالة بلا أجر وجب على الوكيل أن يبذل في تنفيذها العناية التي يبذلها في أعماله الخاصة، ومع ذلك إذا كان الوكيل يعني بشؤونه الخاصة أكثر من عناية الرجل المعتاد، فلا يطالب إلا ببذل عناية الرجل المعتاد.
2 – وإن كانت بأجر وجب على الوكيل أن يبذل دائماً في تنفيذها عناية الرجل المعتاد) وكذلك المادة (1339) من ذات القانون (1 – يتولى المرتهن إدارة المرهون رهناً حيازياً، وليس له أن يتصرف فيه ببيع أو برهن، وعليه أن يبذل في إدارته من العناية ما يبذله الرجل المعتاد، وليس له أن يغير في طريقة استغلاله إلا برضاء الراهن)
أو المادة (132) من قانون النقل رقم 80 لسنة 1983 (يُسأل الناقل عن هلاك الشيء أو تلفه وعن التأخير في تسليمه إلا إذا أثبت أنه وتابعيه قد اتخذوا الإجراءات التي كانوا سيتخذونها بحرص في تصريف أمورهم الخاصة لو وجدوا في الظروف ذاتها على أن لا تنزل عن حرص الرجل المعتاد والتي من شأنها تجنب الهلاك أو التلف أو التأخير وتفادي نتائجه)
فإذن يُسأل المحامي عن التقصير المهني الذي يتضمن الجهل الفاحش بالقوانين والأنظمة أو أي مخالفة متعمدة تؤدي لضرر الموكل. هذا المعيار هو معيار موضوعي يقاس بمستوى المحامي المعتاد في نفس الظروف، وليس معياراً ذاتياً يختلف باختلاف الشخص، مع الأخذ بنظر الاعتبار ما ورد في المادة (934) من القانون المدني مارة الذكر.
وقد أكد قانون المحاماة العراقي رقم (173) لسنة 1965 على عناية المحامي والتزاماته المهنية، في أسبابه الموجبة بأن مهنة المحاماة هي الطريق المعبد إلى القضاء مما يستلزم.
أن يكون المحامي بمستوى عالٍ من العلمية والمنهجية والكفاءة لأنه أحد معاوني القضاء وبالتالي يجب أن يتشابه معه بالعلم والكفاءة.
كما عنى القانون بتقاليد المهنة وآدابها كجزء أساسي من عناية المحامي، إذ حظرت المادة (48) من القانون قبول الوكالة في دعاوى معينة (مثل وجود صلة قرابة مع القاضي)، واعتبر هذا الحظر من صميم (النظام العام) مما يعكس وجوب العناية بحياد واستقلال المهنة.
كما وضع القانون نظاماً صارماً لتأديب المحامين لضمان التزامهم بالعناية المطلوبة. وتختص مجالس التأديب أو لجان الشكاوى في حال الإخلال بواجبات المهنة أو تقاليدها.
علماً أن المادة (63) من قانون المحاماة أشارت إلى أن المحكمة تقدر الأتعاب بما يتناسب مع «الجهد المبذول في الدعوى»، وهذا يربط بين الاستحقاق المالي وبين مستوى العناية والعمل الذي قدمه المحامي.
هذه وغيرها يجب أن يعيها كل محامٍ ويحسب لكل خطوة يخطوها في عمله ألف حساب، ليس خشية من عقاب ومسؤولية فحسب، ولا رغبة في إخلاص في العمل فقط، بل سعياً لأن يكون محامياً حقيقياً وواعياً لموقعه ودوره، فلا يليق بالمحامي إلا أن يكون مؤثراً في كل المواقع والأدوار.
















