عملية الرشيد – نصوص – حيدر علي الجبوري
بعد تفجير شارع المتنبي بأيام قليلة ،اتفق حراس بعض محال والمعامل القاطنة خلف بنايات شارع الرشيد على ان ظلمة الليل بدت تكون اشد عتمة ،وان بعضهم شعر بتخاطف أجساد من بين أعمدة بنايات ذلك الشارع ،وفُسرت تلك الإخبار على أنها محاولات من عصابات منظمة ترتب لاقتحام البنك المركزي ،وقال بعض سامعي تلك الروايات بأن ما يجري هو تطبيق لأسلحة أمريكية متطورة ،يراد منها السيطرة الكاملة على الأماكن دون أن يشعر العدو بذلك ،حتى ان احد الحراس كاد يمسك بشيء اصطدم به ،لكنه لم يجد ما يراه كي يستمر بالقبض عليه ،او يلاحقه بعدما افلت منه ،وبرغم الظلام الذي حل بغرابته على ذلك المكان ،لكنه لم يكن كافيا لان يختفي فيه احد حد التلاشي و الضياع ،وبعد إطلاقه في الهواء رصاصتين ،وهي الإشارة التي اجمع حراس المعامل والمحال في حال حصول طارئ ،اجتمع الكل واخبرهم بأن صوت وقع الإقدام كان متجها صوب شارع النهر ،او ربما نحو دجلة ،فذهبوا يحملون معهم الأسلحة و بعض المصابيح ،فلم تدم فترة بحثهم بين صناديق البضائع الفارغة حينما وجدوا أنفسهم مطوقين من قبل القوات الامريكية ،ثم لبوا نداء رميهم الأسلحة وان يرفعوا أيديهم للأعلى . وبعد الاستماع منهم للحادثة ،أمرهم الأمريكان بعدم مغادرة أماكنهم مهما حصل ،وإلغاء إشارة الرصاصتين . ومن لم ينفذ تلك الأوامر فأنه سوف يكون المسبب للإرباك الحاصل في عمليات التنسيق العسكري ،فعاد كل مكانه ،ثم تحركت الهمرات الخمس متجهة صوب تمثال الرصافي وهي تهم للاستدارة عبورا على جسر الشهداء ،فأوقف الرتل انفجاراً على إحدى العجلات ثم تبعه رمياً رصاصاً كان كالمطر ،وغير محدد الاتجاه ،من أسطح المباني ،من تحت الجسر ،ومن خلف التمثال ،حتى ظن احد الجنود بأن الرصافي كان يحمل بندقية ،غير انه عدل عن ظنه بوجود احدهم خلف التمثال وما أن أشار بسلاحه الموضوع فوق الهمر نحو الهدف حتى فارق الحياة برصاصة ثقبت جبهته ،وبعد الاستغاثة بدعم جوي ،بدأت الأمور تميل للسكينة ،والحصيلة مقتل سبعة جنود ،والشروع في البحث عن جثث القوة المشتبكة الأخرى ،علها تكون خيطا لمعرفة انتسابها والجهة التي تقف وراءها ،غير أنهم لم يجدوا أي اثر لقتلى ،ولا حتى مصابين او دماء لمنسحبين . كانت المنطقة مغلقة مذ وقت الانفجار ،اي الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل وحتى شروق الشمس ،والبحث جار عن شيء يشير لاماكن إطلاق النار على الرتل . فتم فتح الطرقات وتحركت كل العجلات بأمر انسحاب وإعداد تقرير عما حصل ،بعدما تم استجواب من تبقى على قيد الحياة في تلك المعركة . قال جندي : كان شارع الرشيد غارقا بفوضى صناديق البضائع ،وبعض العربات لحمالين كانوا قد قيدوها بالسلاسل ،ومن الصعب التمييز والتكهن بمكان وضع قنبلة ،لكن هذا ليس الجديد في الأمر ،بل الغريب هو ان احدا لم يُصَب من العدو ،فبعد استمكان قوتنا في الاشتباك،توغلنا في كل المنافذ غير اننا لم نحقق شيئا .اما الجندي الثاني ،فقد كانت شهادته مثابة طرف خيط لهوبكنز ،الضابط الذي تولى جمع المعلومات وتحليلها ،فتسجيله لجملة : بعد دخولي انا واثنان من رفاقي لمتحف النساء ،كان سطح المبنى خاليا تماما من اي مسلحين ،مع ان ذلك الاتجاه كان الاكثر نارا علينا . لم يكن في ذهن هوبكنز ان هنالك متحفا للنساء في ذلك المكان ،وبعد الاستفسار ،تبين ما قصده الجندي هو المتحف البغدادي ،وبعد إعادة الاستجواب ،أصر الجندي على كلامه ،وما رآه في المبنى ليس سوى بضع تماثيل لنساء عربيات . كان في نظر هوبكنز ،ان ما تعرض له الرتل ليس بالمفاجئ او النادر ،ففي اليوم الواحد يُقتل العشرات من الامريكان في العراق ،وتحترق الكثير من الاليات .
بيد ان التساؤل الذي لم يجد له جوابا هو : كيف تجتمع عدة ملابسات في ليلة الهجوم دون ان يُترك اي اثر؟،فأن كان العمل مخابراتيا ،فلا بد من مساومة كان قد رفضها الجانب الامريكي فيكون الهجوم مجرد ردة فعل هو في الحسبان ،وان كان العمل منضويا لصالح جهة شعبية مقاومة ،فلن يتعب احد نفسه في البحث عنها لسرعة ما ستعلنه تلك الجهة بتبنٍ للهجوم .
وليس لذلك الصمت الذي تلا العملية الا وبعده صخب اكبر . فكانت اولى طلعاته هي للمتحف البغدادي ،فسجل في جهاز التسجيل خاصته : الساعة الحادية عشر وخمس وأربعون دقيقة ،أتوجه لدخول المتحف في زيارة تفقدية للمكان ،وتسجيل ما يحتاج ما مستلزمات دعم واعمار له . فاستوقف دخوله ومن معه عند باب المتحف عصف رياح اتخذت من شارع الرشيد ممرا لها ،وفي البدء ،كان كمن يرى شيئا يتجه نحوه ،وليس أكياسا وأوراق تدفعها الرياح ،رأى صناديق البضائع تتقافز بحركة سريعة ومنظمة وتتجه نحو الجميع ،ثم لم تخطأ في إصابة اي احد من الجنود ،مشتركة مع العاصفة في خلق فوضى معينة فيما بينهم ،لكنهم كانوا الاكثر استعدادا للمواجهة حينما شاهدوا عربات الحمالين وهي تركض لمكانهم ،كانت اكثر من عشرين عربة ،ولها مقدمات حادة لا يمكن ان اصابت احدهم الا وآذته .
شاهدوها تتقدم دون ان يدفعها احد ،او حتى يمسكها ،وسرعان ما وصلت اليهم لتبتر ساق جندي ،فأعلن في صرخته اطلاق الرصاص من قبل الجميع ،لكن الاشتباك كان اسوأ من الاول ،فهذه المرة لا وجود لمصادر اطلاق نار ،بل كان العدو مختبئا في العاصفة وترابها ،اما العربات ،فقد كانت شرر الرصاص تتطاير من هياكلها ،لكنا اختفت في الظلام وهي تتجه في سرعة صوب جسر الشهداء . فتكشفت السماء بعد ذلك على نحو مفاجئ ،دون تصور ما كان انه في الحقيقةً قد كان ،لتأتي قوة دعم إضافية كانت قريبة من المكان ،باشرت بنقل الجريح ،والشروع في البحث عن جنديين قد فقدا اثناء تلك الفوضى ،وشرع معهم هوبكنز الذي أصابه صندوق فارغ بالبحث أيضا ،فوجد في منتصف الجسر عباءة رجل عربية ،وجدها معلقة على الجدار الحديدي الاخضر ،لتكون تلك العباءة هي اول الخطوات المسرعة نحو المتحف ،متحف النساء ،او البغدادي ،وليس لديه مهما ما يكون ذلك المكان ،بحجم اهمية ما سيجده ،وبالفعل ،وجد المتحف كما اراد ،وعكس ما قاله الجندي : كان المكان يبدو صامتا جدا ،وكل شيء فيه ساكن وبلا حراك ،التماثيل للنساء والرجال كانت كلها موجودة ،احدهم كانت زوجته تقدم له الشاي ،والبعض في مقهى ،و اخرون في حمام الرجال ،فكان خليط الغضب واللهاث ان صرخ بوجه احد الرجال التماثيل : لمن هذي العباءة؟.بعد ان احكم قبضته على قماشها .
على السرير في قاعدة الصقر ،كان هوبكنز يقلب صورا أخذها من محل التصوير في المتحف ،صورا لزوار يرتدون الزي العربي ،ويقفون بجانب او قرب التماثيل لتخليد زياراتهم ،فلاحظ وكما محققي الجنايات ،لاحظ في صورة عباءة كان يضعها رجل من اولئك على كتفيه ،وبقربه مجموعة رجال تقف خلفهم عربة وحصان ،في درب ضيق تتصدر منازله الشناشيل . هي نفس العباءة . قال هوبكنز لنفسه ،وادري انهم سيقولون عني مجنون، لكنني سأكون اكثر جنونا ،لو لم يكن لدى أولئك الجماد أمر يخفوه . كتب في تقريره ان جهة الهجوم لم تعرف الى الان لمن تنتسب ،لكنها ستقع في الفخ الذي يتم اعداده ،ومسألة وقت لنهايتها . واستطاع ايضا ،وبصعوبة مريرة إقناع المجندة ماغي بأن ما سيواجهانه لو انها اتت معه ،سيواجهان اشتباك محوره اختلاف ازمنة ،وكل ما سيخدمهما هو الذكاء ،والثقة ،وعدم التصديق بكل ما سيكون . فدخلا سوية بعدما تركا الرتل مرابطا قرب مبنى دائرة التقاعد الوطنية ،دخلا المتحف حينما اجتازا الجسر سيرا ،فلم يكن يضيء المكان سوى ضوء القمر ،والذي أعطى انطباعا لماغي بأن ما يرومان فعله مغايرا لمشهد اثنان يمشيان على جسر خال ،ليلا ،ويشاهدان صورة القمر في النهر ،دخلا بعدما فتحا مصابيح بنادقهما وهما يصوبانها نحو التماثيل ،كان المكان خالياً من كل الرجال ،وكأنه بالفعل متحف للنساء وحسب ،وظهرت على وجه هوبكنز علامات استفهام وحذر كثيرة لم يستطع ان يفسرها لماغي ،لكنها ذكرته بأن يتحلى بالذكاء ،والثقة وعدم تصديق ما سيكون ،وقبل ان تكمل صرخ بأن يغادرا فورا نحو الرتل المرابط ،فكانت اطول مسافة في العالم عليه يقطعها وصولا لهناك ،لكنه عند منتصف الجسر ،رأى عجلات الهمر يأخذها سيل دجلة وهي تغرق فيه رويدا رويدا ،ثم وجد جثث الجنود ملقاة عند اطراف النهر بعدما تم القضاء عليها ،فبقي مقيدا بحيرته عما سيفعل بعدما اتصل طلبا بالامداد والدعم ,ثم سمع صوت ماغي وهي تشير ببندقيتها نحو الرأس الاخر من الجسر ،وفي تلك اللحظة تأكد له ما كان يريد عدم تصديقه ،لان التصديق في الامر ،لن ينفع معه ذكاء ،ولا ثقة . كانت الرياح تقلّب عباءاتهم يمينا وشمالا ،واصطفافهم كاف ليغلق عرض الجسر . ميزّهم ايضا عبر التماع وجوههم وهي تعكس ضوء القمر منها ،ثم اختفوا ببطيء منحدرين اسفل الجسر نحو متحفهم ،ليتركوه يتجرع هزيمة جديدة ،وفاتحين له دربا اقل ما سيقال عنه لو سلكه : مصاب بمرض لعنة العراق .
وفي الحقيقة ان اللعنة صار ت امامه وجودا تاما لا لبس فيه ،فأعد للعملية الاخيرة كل مستلزماتها ،كتب لزوجته رسالة على بريده الالكتروني كان فيها : لو اني عدت حيا ،فلا تسأليني قطعا عما حصل ،وسنكمل حياتنا بكل سعاد ة ،وان لم اعد ،فأرجو الا يكون غيابي سببا في توقف سعادتك . كانت الخطة تبدأ باستدراج اولئك في شارع الرشيد ،بعد مغيب الشمس ،وإيهامهم بقوة ستكون كالفريسة بالنسبة لهم ،ثم يبدا الهجوم من قبل قوة خاصة مختبئة منذ الصباح في الادوار العلوية للمحال ،وكالعبث ،كان كل شيء ،على الرغم من توكيد هوبكنز بأن من سيأتي هم اخطر من الأشباح ،فكانت سخرية بعض الجنود دافعا موجِهة له نحو المتحف ليأتي اليهم منه بفتاة تمثال ،رأوه يجرها من شعرها ويسحل جسدها على الارض كأي دمية ملابس ،حتى سأله احدهم عما فعل ؟ فأجابه وهو ينظر للسماء وقد ازداد ادلهامها : لقد استفززتهم .كان صدى صراخها يلتف حول اعمدة بنايات الشارع كما افاعي الانوكوندا ،ولا يسمعه غير قومها الذين استدرجوا للمكان بالفعل ،فبدأ العصف يثير كل اتربة المكان ،ووجهت كل اضواء العجلات نحو جهة ساحة الرصافي،بعدما تم رصفها في منتصف الشارع ابتداءً من البنك المركزي ،فأعطى طابع المكان تأهبا للجميع ،وبأن العملية ،عملية الرشيد ستحسمها الدقائق المقبلة ،فقد ظهر العدو هذه المرة جليا امام اعينهم ،وبنظر هوبكنز ،فان حضورهم لم تكن فيه اي دلالات للقتال ،فتقدم نحوهم بعدما طوّق عنق فتاتهم بيد ،وفي الاخرى كان يحمل سلاحه ،ثم قال لمن تصدرهم : لم يكن لديكم الذكاء الكافي كي يستمر تفوقكم ،وهذي ليلتكم الاخيرة .
فبدأت القوة الخاصة بقنصهم في دقة والرمي على كل منطقة في اجسادهم ،حتى شوهدت تتطاير في الهواء ثم ترمى ممزقة او متقطعة الاوصال ،وفي الاثناء ،كان صوت انفجار قد حجب السمع عمن كان هناك ،ثم غيّب الظلام الغريب اهداف فريق هوبكنز ،والذي وجد مقتولا فيما بعد تحت الأنقاض ،وبجانبه دمية مثقبة لرجل في زيٍ عربي ،وممسكة اياه من عنقه..
























