

مالمو – الزمان
عن دار “جدار للثقافة والنشر بالإسكندرية – مالمو”، صدرت الطبعة الثانية لمجموعة “عشرُ طُرقٍ للتَّنكيل بجثَّة” للشاعر المصري عماد فؤاد، لتشكّل إضافة جديدة ضمن مشروع الدار لنشر الأدب العربي المعاصر بصيغتيه الورقية والرقمية.
شكّلت “عشرُ طُرقٍ للتَّنكيل بجثَّة”، المجموعة الشِّعرية الخامسة لصاحبها، نقلة نوعية في مسيرته الشعرية التي بدأت عام 1998، إذ اعتبرت حال صدورها الأول عام 2010 عن دار الآداب البيروتية عملًا شعريًا مفارقًا في قصيدة النثر، ورحلة جريئة في أعماق الذاكرة والوعي، “يقودنا فيها الشاعر إلى مساحات شائكة وملتبسة من التجربة الإنسانية، بدون أن يتوانى عن النبش في المسكوت عنه، ليقدِّم قصيدة نثر عارية ومُفارِقة، تتشكّل من شظايا حياة متناثرة بين الوطن الأم والمدن الأوروبية المختلفة”، وفقًا لما جاء في بيان دار “جدار” عن الإصدار الجديد للمجموعة.
منذ العنوان الصادم، يضعنا عماد فؤاد أمام تحدٍّ مباشر؛ أيُّ تنكيل هذا… وأيُّ جثَّة تلك؟
وبتداعي القصائد واحدة بعد أخرى، نكتشف أننا أمام تنكيل لغوي وشعري بالعديد من الجثث والذكريات والمشاعر، ليس فعلًا جسديًا بقدر ما هو تنكيل رمزي بالماضي، بالذكريات، بالثوابت، وحتى باللغة نفسها، ليتشظّى النص إلى مقاطع قصيرة ومكثفة، لا تزيد عن الكلمات العشر أو أقل، أقرب ما تكون إلى شذرات من وعي مشتت، أو يطول في مزج سردي شعري عميق وذي نفس لا ينقطع، يمزج فيه الشاعر بين الخاص والعام، بين اليومي والأسطوري، لتصبح المجموعة الشعرية تجربة قراءة فريدة ومحفزة.
صدرت لعماد فؤاد العديد من الأعمال الشعريّة، كان من بينها: “تقاعد زير نساء عجوز”، (2002)، و”بكدمة زرقاء من عضَّة النَّدم”، (2005)، و”حرير” (2007)، و”تلك لغة الفرائس المحظوظة” (2019)، فضلًا عن مجموعته الشعرية الأولى “أشباحٌ جرحتها الإضاءة” 1998، كما أصدر فؤاد روايته الوحيدة “الحالة صفر”، في القاهرة عام 2015.
إلى جوار أعماله الشعريّة، نشر فؤاد عددًا من الأعمال الأخرى، لعلَّ أبرزها عمله الضخم “ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ” وهي أنطولوجيا شعريّة مرجعية صدرت عام 2016، وتضمّنت مختارات لـ 53 شاعرًا يُمثّلون ثلاثة أجيال في النّص الشِّعري المصري الجديد. وفي عام 2022 أصدر فؤاد كتابه اللافت “على عينك يا تاجر: سوق الأدب العربي في الخارج… هوامش وملاحظات”، والذي تضمن العديد من المقالات والحوارات الصحافية، في استقصاء نقدي لماهية الحضور الثقافي العربي اليوم في الثقافات الغربية.
من أجواء المجموعة الشعرية، نقرأ في قصيدة بعنوان “اُقْتل شبحًا”:
رجلٌ هشٌّ صغيرٌ
متَّهمٌ بخنق حبيبته
وامرأةٌ أضعفُ من أن تحمل سكّينًا
متهمةٌ بطعن حبيبها
حتى صار مصفاةً بين يديها
كلاهما لا يعرف الآخر
لكنَّهما حين كانا يدافعان عن نفسيهما
كانا يؤكّدان أنَّهما بريئان
يقولُ: لم أخنقها
كنت أنتقمُ من محبَّتي فيها
وتقولُ: لم أطعنه
كنت أحاول أن أفصل قلبي
عن محبَّته!
ويقول في قصيدة بعنوان “وأظلَّتْهم سحابة”:
قيلَ: وجدوها في الصَّباحِ جُثَّةً طافيةً على ضِفَّةِ النَّهرِ
قيلَ: جَرَّدوها مِن ملابسِها في الليلِ
قيلَ إنَّ لحمَها نُهشَ في أماكنَ لم تطلْها العينُ من قبلُ
قيلَ إنَّ شعرَها كانَ مُربوطًا بإحكامٍ فوقَ رأسها بدبّوسِ شَعْرٍ دقيقٍ حتَّى لكأنَّ العينَ لا تراهُ
قيلَ: عشرةُ أظافرَ تركتْ آثارَها واضحةً كفضيحةٍ فوق نهديها الملفوفينِ
قيلَ: عضَّةٌ ازرقَّتْ هُنا، وعَضَّةٌ ازرقَّتْ هناك
قيلَ: حملوها ومضوا يسألونَ النَّاسَ عمَّن يعرفُها
قيلَ: أنكرَها النَّاسُ وهم مُشفقين وحزانَى
قيلَ: ثمَّةَ سحابةٌ أظلَّتهم في رواحِهم وغُدُوِّهم من دارٍ إلى دار
قيلَ: لم يشمُّوا لها رائحةً فعفَّتْ عن سربهمِ المهرولِ الكلابُ الضَّالةُ وذبابُ الصَّيفِ
قيلَ: رفضَ أن يُصلِّي شيخُهُم على جُثمانِها ولم تُفتحْ لها مقابرُ النَّاسْ
قيلَ: أعادُوها إلى النَّهرِ رَابطينَ جِسْمَها بأحجارٍ ثقيلةٍ ملفوفةٍ في خيْشٍ
قيلَ: رفضها النَّهرُ بعدَ أيّامٍ، غاصت الأحجارُ في مياهِه
لكنَّه لم يقبلْ جُثمانَها
ثمَّةَ رائحةٌ غامضةٌ كانت تفوحُ من بينِ نهديها أزعجتِ النَّهرَ
فأعادَها طافيةً على سطحِه في الصَّباحْ.
























