عزرائيل الرحيم على خشبة الرشيد

عزرائيل الرحيم على خشبة الرشيد

إنسجام ملحوظ بين المؤلّف والمخرج بأدق التفاصيل

كافي لازم كريم

(اسم المسرحية عزرائيل، مكان العرض مسرح الرشيد،ليلة العرض الخميس 31 أب الماضي،تاليف  مثال غازي ،اخراج اسامة السلطان )

يقول المؤلف عن هذا العرض المسرحي”الحياة اجمل من ان نفكر في مغادرتها فلا احد يفكر هنا في مغادرتها طوعا او اختيارا فكل الذين يغادرونها عيونهم معلقة عليها” وهنا التساؤل هل الحياة تستحق ان تعاش ام لا. وماسبب وجودنا على هذه الارض. هل نحيا لكي نموت ام نموت لكي نحيا في حياة مضطربه بتساؤلات كبرى لم تجد  لها من اجابات حقيقية لحد اللحظة ومنذ الاحتجاج الاول حين وطئ الانسان قدمة على هذه الارض وحالة القمع الاولى جاهزة لأجهاض لحظة الولاده  .. شاهدنا عرضا مسرحيا مثيرا لمؤلف مختلف يبحث في دواخل النفس البشرية في آلية جديدة لكي يقرب وجهة نظره للمتلقي بانسيابية غير مخدشة في موضوع داخلي ذاتي اثاره الفلاسفة المحدثين رغم قدمه الا انه اصبح ظاهرا في ظل حالة انعدام الامن والهدوء والاضطراب الهائل الذي خلقته نتائج القهر والحروب والموت الرخيص لقد كان المؤلف القدير مثال غازي متقدما في طرحه لهذا الموضوع الشائك فالموت عنده نقطة البدء لحالة اخرى قد تكون اجمل من الحياة نفسها   هذا الى جانب المعالجة الآخاذه والجاذبة للنص من قبل المخرج اسامة السلطان الذي اكد ان موت الممثلة وهي بطلة العرض (الفنانة بشرى اسماعيل والتي اجادت بأدائها) ماهو الا وجوبا لكل انسان رغم الرفض الظاهر من قبلها ولكن عندما يأتي عليها (عزرائيل) (ويقال والعهدة على القائل انه آخر الموتى) ويدخل معها في حوار فلسفي مهم ويؤجل قبض روحها لاقناعها بأنها ممكن ان تبدأ من جديد مع الموت (الممتع) لتنطلق بطريقة اخرى نحو عالم جديد يتجاوز الابواب الحديدية الشائكة لأفق جديد وحسن فعل المخرج حينما رسم لنا عزرائيل بأناقته الزائدة وبدلته البيضاء وجسمه الرشيق (الفنان جاسم محمد) الذي اجاد بتجسيد دوره في ظاهرة جديدة وغير تقليدية فقد اعتدنا ان نرى هذه الشخصية بصورتها البشعة وفي اجنحتها العملاقة التي تغطي السماء في خيالنا الجمعي الذي رسموه لنا الأولون.

ادوات المسرح

وهكذا فعل المخرج في استغلال ادوات المسرح لاسيما مرآة المكياج باكثر من معنى فهي بابا للدخول في العالم الآخر و لها وجهان وجه للحياة ووجه للموت فكلاهما عالمان يتصارعان منذ الخليقة الاولى..

كذلك حركة الناس في تحريك ادوات الشغل المسرحي في انسيابية متقنة مع ان السينوغرافيا  كان فقيرا وعليه عمل شيئا في خلفية العرض (السايك)في البوابة الحديدية الضخمة الا انه كان مقبولا.

يبدو انه كان انسجاما ملحوظا بين المؤلف والمخرج الى حد التفاصيل في رؤى مشتركة. ان هكذا عروض تشكل اضافة مهمة في الحركة المسرحية رغم قصر وقت المسرحية (خمسون دقيقة) في حين ان فكرة العمل وجماله تتحمل الكثير في اغنائها.وكان ممكن اعطاء  الموسيقى اكثر مساحة في هكذا عرض فلسفي عالي الغوص في اعماق النفس البشرية  كما هو ممكن استغلال اكثر للتقنيات المتوفره في مسرح الرشيد في تشكيل العرض مع الفكر المتقد لروح النص.

لقد حضر العرض جمهور نخبوي كثيف في اول ايام العرض وهذا مؤشر ايجابي اكيد ولكن متى تفكر الفرقة الوطنية للتمثيل في جذب الجمهور الشعـبي العريض ليتواصل مع نشاطها المسرحي في عرض اعمال شعبية تخاطب فكره وتطلعاته . نحن نأمل ذلك لاسيما في وجود الوفرة المالية هذا الموسم..