ضوء على رسالة جاسم الحلوائي 2

ضوء على رسالة جاسم الحلوائي 2 الشيوعيون الطقوسيون يتربصون بعامر عبد الله لحقن الكراهية ضده عبد الحسين شعبان بيروت وجّه الرفيق جاسم الحلوائي ” أبو شروق” رسالة مفتوحة لي عبر المواقع الألكترونية، وكنت قد استلمتها مع رسالة موجّهة منه إلى الرفيق ” أبو سفيان” مع ” محبته”، يطلب منه تدقيقها وإعادتها، ثم ورد في رسالته المرسلة لي ” ليست للنشر الآن”، لكنني استلمتها من صديق منشورة على موقع الحوار المتمدّن (مع رابطها)، ثم علمت بنشرها في جريدة الحزب (طريق الشعب)، وفي وقت لاحق وصلني كتاب تصحيح واعتذار بإعادة نشر فقرة منها. صحيح أننا شيوعيون، الحلوائي ما يزال يحمل البطاقة ويعتبرها هوّية الدخول إلى “الجنة”، وأنا شخصياً منذ أن تركت العمل التنظيمي والمسلكي الروتيني ما يزيد عن ربع قرن، لم أعد أكترث سوى ببطاقتي الوجدانية، فالشيوعية بالنسبة لي تعني الحقيقة والجمال والعدالة والمساواة بين البشر والرجال والنساء والقضاء على الاستغلال، وقد وضعت خلفي جميع المواقع والإغراءات والمناكفات التي لا طعم لها، ثم إنه ليس لديّ الوقت لكي استغرق في أمور مثل هذه. ولولا خشيتي من تضليل عدد من الرفاق وشحنهم باتجاه الكراهية والحقد، ومحاولة الترصّد والإيذاء لشخص مثل عامر عبدالله، وتشويه التاريخ لما اضطررت لكتابة هذه المادة أصلاً، مهما قيل ويُقال، وأظن إن روح الانتقام والثأر والتأثيم والتحريم، بل والتجريم على الرأي التي تتلبس بعض ” المخلوقات” لا تستطيع بناء حزب أو علاقة إنسانية أو شخصية أو اجتماعية، لأنها تقوم على الغدر والخديعة والتدليس والإلغاء. وحتى لو افترضنا إن الذين اتّخذوا موقفاً من الإجراءات البيروقراطية، فكرياً وسياسياً كانوا مخطئين أو أنهم بالغوا في الذهاب بعيداً في النقد، فكان على الادارة المعنية أخذ ذلك بروح التسامح والتكافل ورحابة الصدر واستيعاب انتقاداتهم والسؤال عنهم، لاسيّما للرفاق المسنين، وتلك مسألة إنسانية، لكنها لا تفعل ذلك وتذهب للتفتيش بالمجهر عن مستطرقين لا يهمّ من يكونوا، لكي يتكرّموا بالاصطفاف معها، ناسية اسم الحزب وتاريخه وسمعته. يتحدث لينين عن شيوعية الفجل أو بالأحرى شيوعيو الفجل، الذين ظاهرهم أحمر وباطنهم لا علاقة له بظاهرهم، وقد حاولت في عنوان كتابي ” الحبر الأسود والحبر الأحمر- من ماركس إلى الماركسية” الإيحاء، بأنه ليس كل من حمل بطاقة العضوية أصبح شيوعياً، فالشيوعية سلوك وقيم وأداة تعبير عن الحق والجمال والخير، ولذلك ترى الكثير من الشيوعيين من حملة البطاقة في السابق والحاضر، لا علاقة لهم باسم الشيوعية، ولأنهم لم يستوعبوا روحها فقد حاولوا أن يضيفوا عليها أحياناً نزعة ريفية أو نكهة بدوية أو لوناً عشائرياً تقليدياً، وفي وقت لاحق، أصبح لها شكل مذهبي وطائفي وقومي، حتى أن أمين عام الحزب دخل مجلس الحكم الانتقالي بصفته شيعياً. فرائض دينيية خلال حياتنا الحزبية والسياسية صادفنا الكثير من الشيوعيين الطقوسيين، وهؤلاء أقرب إلى بعض المتديّنين الشكليين، الذين يعرفون من الدين أداء بعض الفرائض والشعائر، مثلما يعرف بعض شيوعيينا، بل يحفظون عن ظهر قلب المناسبات التي يحتفلون بها مثل عيد العمال وثورة اكتوبر وميلاد لينين وتأسيس الحزب، أما جوهر الشيوعية وروحها فهم لا علاقة لهم به، ولذلك فالبطاقة ليست دليلاً على شيوعية ” الشيوعي”. وإنما سلوكه وموقفه من قيم الشيوعية لا تعاليم إدارات تخطئ وتصيب، والأهم الموقف من الناس ومن الحقيقة. وهناك الشيوعيون المدرسيون الذين يعرفون الشيوعية بطبعتها السوفييتية في الخمسينيات، والتي كانت المدارس الحزبية تحشو أذهان ” الرفاق” لاسيّما من ” العالم الثالث”، بها لكنها تتعامل بحذر إزاء رفاق الدول الغربية وتطور الفكر الشيوعي والماركسي، ولعلّ بعض شيوعيينا غير معنيين بالشيوعية الحيّة، بقدر عنايتهم بوظيفتهم الإدارية والتبشيرية وبامتيازاتهم، وينظر البعض إليها باعتبارها “غنيمة” لا يمكن أن يوفّرها سوى هذا الكيان بحكم التقاسم الوظيفي، ولعلّك لو نظرت إلى بعضهم بدون الحزب فسوف ترى أن لا أحد يذكره أو يتذكّره، ولهذا يتم التشبث بالموقع والإسم، حيث لا نافذة لهؤلاء على الدنيا من غيره، ولهذا يتم جمع البطانات والأتباع ونصب المكائد واستخدام العقوبات على نحو يدفع بالبعض، إلى رمي المبادئ جانباً في سبيل “التعتق” بالمواقع، بطريقة عشقية. أما الشيوعيون الذرائعيون فهم الذين يبررون كل خطوة تخطوها القيادة ” الحكيمة”، باعتبارهم يمتلكون أرقى نظرية، وبيدهم القدح المعلى في الجاهلية والإسلام، وحيثما يميلون تميل الحقيقة إلى جانبهم، بل تميل الدنيا والحياة، وإن أخطأت إدارة الحزب فلا ينبغي مواجهتها بالخطأ، الاّ بعد سنوات وإذا هي أرادت فقط. وإن حدث ما هو ضروري للتبرير ولامتصاص النقمة وللاستمرار ليس الاّ، والآّ فالويل لمن يوجه النقد، فقد يكون أما ضعفاً في الصلابة أو اختراقاً فكرياً أو غيره في المنظومة الفكرية التي ينبغي الحفاظ على نقاوتها كما كان الشعار السائد، وإن اضطّرت إدارة الحزب للاعتراف بعد مضي عشر سنوات مثلاً أو أكثر على خطأ سياساتها فسيبالغون هم في الانعطاف إلى الجانب الآخر، وكأنك أنت المخطئ، في حين كانوا يستقتلون في الدفاع عن الخطأ أو تبريره في حينها، وهم من يتنافسون على الانقلاب أيضاً، وهؤلاء من أدركتهم شهوة النفوذ أو السلطة، حتى وإن كانوا من خدمها وحواشيها. ولعلّ الرفيق جاسم الحلوائي يعرف الكثيرين منهم. أما الشيوعيون المعولمون فهم من حاول استخدام تعاليم الشيوعية ضد الشيوعية “الشيوعولوجيا”، وهم من روّج للمشروع الأمريكي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، حين استبدلوا الولاء من موسكو إلى واشنطن، بل إن بعض الشيوعيين ساهم في مشروع تدمير العراق بالافتراءات وبالعمل في إطار عقود مع البنتاغون ومؤسسات أمريكية أو مدعومة من جانب أجهزتها لتبرير وتسويغ الخطاب الجديد لليبرالية باعتبار أن المعركة بين العلمانية والإسلامية، وبين الحداثة والتخلف، ولم نسمع أو نقرأ كلمة واحدة بحق هؤلاء الذين وقعوا العقود من الأجهزة الأمريكية، سوى الاحتضان والتملّق أحياناً، ومثلما كان البعض مندفعاً للتحالف مع البعث، فقد انقلب إلى الضد منه، محاولاً تشويه كل تلك الفترة وتعليقها برقبة عامر عبدالله أوسواه من الشيوعيين مثل باقر ابراهيم أو غيره، وينسون أن الأمين العام للحزب كان عزيز محمد، وإن كان الجميع يتحمّل المسؤولية. أما موضوع احتلال العراق ومقاومة المحتل وإن كان من البوابة المدنية- السلمية، فهذه أمور مؤجلة أو تصب في خانة الإرهاب، حتى أن هناك من طالب الأمريكان بالبقاء في العراق لكي لا يقع تحت النفوذ الإيراني أو لحين استكمال ” الديمقراطية”، ولهذا السبب اعتبر الاتفاقية العراقية – الإيرانية “أحسن الحلول السيئة” وإن اتفاقية الإطار الاستراتيجي التي لا تزال نافذة، مفيدة للعراق ولتقدمه وتنميته، مخالفاً تاريخ الحزب الشيوعي كلّه إزاء المعاهدات والاتفاقيات مع الدول الامبريالية، لاسيّما مع بريطانيا والولايات المتحدة، التي كنّا نمطر ” الجماهير” بشعاراتنا التي تندّد بالاتفاقيات الاسترقاقية المذلّة، لدرجة أنها كانت لازمة لجميع بياناتنا. وعند تقييمنا للموقف من هذه المعاهدات سواء من الانتداب البريطاني العام 1920 أو اتفاقية العام 1922 أو اتفاقيات النفط أو معاهدة العام 1930 أو معاهدة بورتسموث العام 1948 أو الاتفاقية العراقية – الأمريكية أو الاتفاقية العراقية – البريطانية (العام 1954) أو معاهدة حلف السنتو (حلف بغداد- المعاهدة المركزية) العام 1955، فإننا جميعنا وقفنا موقفاً مبدئياً منها، في حين لم نعترض أو نعبئ الجمهور ضد اتفاقية العام 2008 مع واشنطن، وبقي الموقف ذاته من احتمال توقيع اتفاقية جديدة العام 2011، ولعلّ ما نشرته في الكتاب من وثيقة تعود إلى محكمة الشعب وشهادة عامر عبدالله ضد محمد فاضل الجمالي (العام 1958) إنما هو مدعاة للمقارنة بين موقفين، وهذا كان في وقت قيادة سلام عادل التي سآتي على ذكر مزاياها. لعلّ الشيء المختلف هو موقفنا من اتفاقية 6 آذار (مارس) العام 1975 التي وقعها شاه إيران مع صدام حسين والمعروفة باسم اتفاقية الجزائر، وهي اتفاقية غير متكافئة، تنازل فيها العراق على جزء من أرضه ومياهه، ولاسيّما في شط العرب، ونتذكّر كيف كانت مانشيتات الجريدة تبرّر وتدافع عنها، وكيف كان يتم الترويج لأعظم تجربة في العالم الثالث و”يداً بيد لبناء الاشتراكية” حتى أننا اضطررنا للعمل شركاء عند الطلب (من موقع ثانوي) في هجوم الحكومة ضد الحركة الكردية وما سمّي بالجيب العميل، وكيف قمنا بذلك بكل ” ممنونية”، ثم سلّمنا السلاح للحكومة بعد انتهاء المهمة، وكان بعض الرفاق الأكراد أكثر قسوة من الآخرين على الأكراد، مثلما كان رفاق الوسط والجنوب أكثر قسوة ضد الجماهير المحتجة على إجراءات الحكومة، فيما هو معروف بحركة “خان النص” العام 1977، ونظّمنا الحراسات ” المشتركة” دفاعاً عن النظام الثوري. وهل ننسى كيف تسابق البعض (وهم أغلبية) لتشييع المنظمات الديمقراطية (اتحاد الطلبة، وإتحاد الشبيبة ورابطة المرأة) إلى مثواها الأخير، بل إحالة التراب عليها، بزعم إننا جمدناها ولم نحلّها، وقد كانت تلك نكتة سمجة وضد الجمهرة الواسعة والغفيرة من أعضاء هذه المنظمات. لقد ظلّ التنظيم الرسمي يحمل صفة الشيوعية التي عملت فيه وتحت رايتها لسنوات ولا يزال كل ما يصدر عنه يعنيني حتى وإن من باب الفكر السياسي، خصوصاً وأنني لا أخفي بمناسبة أو بدونها الإعلان عن “ماركسيتي” المادية الجدلية من موقع مستقل، لا كما يختفي البعض وراء أسماء كثيرة، وإذا كان هناك من بقي يحمل الهوّية، فإنه من الجدير أن يعطينا جواباً عن القضايا المطروحة والمسكوت عنها، ومعها دزينة أخرى مؤجلة، وذلك طبقاً للشفافية التي نطالب بها الآخرين: أخبرونا كيف تم التصرف بالمالية طيلة السنوات الماضية ولحد الآن؟ وعلى الأقل الإيرادات والمصروفات وأوجه المساعدة التي تصلنا، وهو ما أثاره شوكت خزندار! وإذا كان العمل السرّي لا يسمح بذلك في السابق، فالجدير بنا أن نعرف الآن لاسيّما في ظروف الفساد المالي والإداري المستشريين بالبلد. هل يجرؤ جاسم الحلوائي أو غيره في دس أنفه في مثل هذه الأمور، طالما أنه يخبرنا بمعلومة مهمة جداً وهي أنه يدفع اشتراكه الشهري، وساهم في إعداد النظام الداخلي، فليتفضل ويخبر إدارة الحزب وجمهور الأعضاء والأصدقاء عن ماليتنا؟ وكيف تم تسخير جهاز الحزب وإعلامه لمشروع خاص كما يذكر د. رحيم عجينة؟ ومن قام بطرد عشرات الرفاق في عدن على دفعتين وتم الاتصال بالسلطات اليمنية لإبعادهم، وهذه عيّنة واحدة من باقة كبيرة للذين تم التنكيل بهم والتي لا يجمعها جامع مع أي اعتبار إنساني مما نزعم إننا حريصون للتعبير عنه لدى الغير، فما بالك برفاقنا الذين هم أولى بالمعروف. لقد كنّا دائماً نضفي على أنفسنا الحكمة والفضيلة والشجاعة والوطنية والتضحية والاخلاص للشعب، وعكسها دائماً ما ندمغ الخصوم، ناهيكم عن الأعداء، بالسفَهِ والرذيلة أحياناً، ونشكّك في وطنيتهم وفي خياراتهم واجتهاداتهم، فضلاً عن تضحياتهم واخلاصهم، وهو الأمر الذي كانت ولا تزال جميع الأحزاب والحركات الشمولية تتبعه سواءً كانت قومية أو إسلامية أو شيوعية، ولعل المدرسة الشيوعية هي الأبرع في ذلك. ويزداد الأمر حدّة في اتهام بعضنا البعض، لاسيّما في حال الانقسامات والانشقاقات التي تترك ندوباً عميقة على النفوس والعقول، دون تسامح أو بُعد نظر، بل نستطيع أحياناً أن نتساهل وأن نغضّ الطرف عن أعداء ونتعامل معهم بلياقة كبيرة، لكننا لا نتعامل مع بعضنا البعض بذات المعايير، وهل يُعقل أن نتعامل مع سفاحين وفاسدين وأجراء لدى أجهزة وجهات خارجية معروفة وضبّاط مخابرات ووكلاء أمن، ولا نستطيع التعامل مع رفاق لديهم اجتهادات خاصة خاطئة أم صائبة؟ وقد ظلمنا بعضنا البعض إلى درجة قاسية وانطبق علينا قول الشاعر: وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنّدِ وأظنّ أن عامر عبدالله في ما كتبه في كتابه الأخير مقوّضات النظام الاشتراكي، الصادر في العام 1997، هو تعبير بليغ ومؤثر عن المرارة والاحباط والقنوط والألم، لاسيّما وهو يصف العلاقات الرفاقية المتدهورة والممارسات الحزبية المقيتة، والتي قد يكون العدو أكثر رحمة في التعامل معنا من تعامل بعضنا مع البعض الآخر، وخصوصاً عند الاختلاف. إن مهمة النقد ووظيفته ضروريتان وحيويتان حين يكون الإنسان في قمة المسؤولية، وإن فات زمن، فلا بدّ من الاعتذار عن عمل لا إنساني أو سلوك قمعي أو ارهاب فكري أو قرارات إدارية بمنع علاج أو سحب جواز سفر أو إلغاء إقامة أو قطع دراسة أو تمزيق العوائل أو تعذيب مناضل، وعلى الرغم من أهمية الإقرار بها كمسؤولية أخلاقية، لكنها تستوجب الافصاح عنها بوضوح وبالتفصيل والاعتذار من الضحايا على نحو ملموس دون عموميات أو كلام فضفاض. الإقرار بالخطأ أمرٌ حميدٌ وهو ما فعله عدد محدود جداً من الذين كانوا يوماً في موقع المسؤولية بما فيه اعتذار شخصي وقد حصل تارة بصورة مباشرة ووجاهية وأخرى علنية وأمام الآخرين أحياناً، لكن لا ينبغي إضاعته بين السطور وفي صيغ عامة أو عبر مغازلات لواقع جديد، خصوصاً بعد فشل تجربة الماضي وهي الحقيقة الساطعة التي يمكن التوصّل إليها دون عناء يُذكر وعلى نحو شبه إجماعي، رغم محاولات تغليف النقد بالتبرير أو التشبث ” النظري” مع صدمة الواقع. يعتقد الرفيق جاسم الحلوائي أن مجرد وجود هيكلية باسم الحزب، مهما كانت الأسباب هي أفضل طريقة للعلاج، ويستمد ذلك من تجربته في الحزب الذي علمته أن النضال من داخل الحزب وليس من خارجه، ويدعو المخلوعين أو الذي يشكون التهميش أو الإقصاء التوقف عن الشكوك وتكريس إمكاناتهم لتقوية الحزب لا إضعافه. وهو السلوك الذي يدعو إليه الآخرين، لكنه ينسى أن إدارة الحزب أغلقت أمامهم جميع الأبواب، الاّ باب الاستسلام والخضوع، وقد ارتضى البعض ذلك وآخرون لم تسمح لهم كرامتهم بذلك والأمر متعلق بهم. ولعلّ الكثير من هذه المفاهيم مضى عليها ما يزيد على قرن من الزمان، وخصوصاً في الصراع بين اللينينية والمارتوفية وما كتبه لينين في هذا الشأن العام 1903 في كتابه ما العمل؟ لكن تلك القواعد بما فيها المركزية الديمقراطية، التي هي تعبير متناقض لم تعد تصلح لعصرنا، بل إن مفهوم الحزب قد تغيّر كثيراً ناهيكم عن دوره ووظيفته، وأصبح ما نعنيه بالتيار الواسع العريض ودون التزامات صارمة وضبط حديدي، هو الأقرب إلى الواقع، وتلك هي الفكرة المارتوفية. وإذا كانت التعاليم اللينينية حول مفهوم الحزب والعصبة الثورية ” الطليعة” صالحة لزمانها فقد لا تكون ملائمة اليوم لكثير من التجارب في ظل الثورة العلمية- التقنية والتطور الهائل في وسائل الاتصال والمواصلات وتكنولوجيا المعلومات والطفرة الرقمية ” الديجيتل” وكل ذلك أصبح جزءًا من عالم السياسة المتشعب والمتنوع والمعقّد. ولكي لا تتشوّش الصورة أو تلتبس، ولكي أميّز نفسي أبادر إلى القول، أنني لا اعتبر الاتجاه القيادي الرسمي السائد، خائناً مثلما يذهب بعض الرفاق، لكنني أختلف مع أطروحاته جملة وتفصيلاً، وأعتبره خاطئاً واستمراره في هذه الأخطاء سيلحق ضرراً بليغاً بالحركة الشيوعية وبالماركسية، لاسيّما وإن تراكم الأخطاء سيؤدي إلى تغيير بنيوي في طابع الحزب وهوّيته، الذي سيتحول من حزب شيوعي ماركسي، إلى حزب ذرائعي أو غنائمي، كل وظيفته هي تبرير سياساته وتوزيع بعض امتيازاته على قيادييه وإيجاد الذرائع لنهج الآخرين من حلفائه، الذين اعتادَ أن ينصاع إليهم، لاسيّما في سنواته الجمهورية ما بعد العام 1958، حتى وإن كان يهمس في الأذان، عن فردية بعضهم وفاشية وإجرامية البعض الآخر، وفساد جهة ثالثة، ومشبوهية مجموعة رابعة وارتباطات فئة خامسة وهكذا. يعلّق جاسم الحلوائي عن المبالغة في مؤهلات عامر عبدالله التي وردت في الكتاب “التي هي بعيدة عن الحقيقة” ثم يتساءل ماالهدف من تحجيم دور سلام عادل ولمصلحة من يتم ذلك؟ ويا لحكمة الاكتشاف وروعة المكتشف، ويبدو أن الحلوائي لم يقرأ الكتاب فدور سلام عادل مبرّز حتى وإن كان الكتاب مخصصاً عن عامر عبدالله، بل إن دور سلام عادل موجود في كل ما كتبت عن تاريخ العراق السياسي المعاصر. وقد أعذر الرفيق جاسم الحلوائي، الذي قد لا يكون مطّلعاً عليه، لأن ما أكتبه هو خارج دائرة التداول الحزبي الذي اعتاد عليها الكثيرون، وللفائدة أنقل فقط بعض المجتزءات من باب الإضاءة على سبيل المثال لا الحصر. وحسبي أن أشير إلى صفحات يكاد بعضها أن يكون نادراً عن سلام عادل وزواجه ومن حضر وكيف أخفت “زوجة سعد صالح”، ثمينة ناجي يوسف (أم إيمان) في سيارة سعد صالح وزير الداخلية الأسبق ورقمها 10 كربلاء، وغطّتها بالعباءة، وهي تحمل المناشير لنقلها من محل إلى آخر لاحتمال اعتقالها، ولعلّ ثمينة ناجي يوسف كانت مبرّزة وهي شابة، حيث كانت تحضر مجلس سعد صالح، إضافة إلى فاطمة الخرسان، وهو شيء لم يكن مألوفاً آنذاك، وهو ما رواه لي المحامي لؤي سعد صالح نجل سعد صالح، وما دونته، إضافة إلى معلومات أخرى في كتابي الموسوم ” سعد صالح- الضوء والظل: الوسطية والفرصة الضائعة” الصادر في العام 2009. وقد اقتبست رأي ثمينة ناجي يوسف عن سعد صالح الشخصية الوطنية العراقية من كتابها عن سلام عادل ” سيرة مناضل”. ولكي تكتمل الصورة سأقتبس من ص 43 من كتاب ” النار ومرارة الأمل” أي بعد صفحة ونصف تقريباً من الاقتباس الذي ورد في ص 41 الذي أشار إليه حيث أقول ” وتنفيذاً لخط الحزب الجديد وتجاوزاً لخطة الحزب التي أقرّها الكونفرنس الثاني العام 1956، والذي رجّح الخيار العنفي أشرف سلام عادل (حسين أحمد الرضي) الأمين العام للحزب بنفسه على تنظيم الخط العسكري وتنظيم الخلايا للضباط وضباط الصف والجنود، كما أفرد بعض الحلقات لقيادة مجموعات الضباط الأحرار، وأصدر نشرة حزبية موجهة للجنود والضباط تحثهم على الوقوف صفاً واحداً لإنقاذ البلاد وتطهيرها من ربقة المستعمرين وأتباعهم. سألتُ عامر عبد الله خلال مطارحتي معه في الثمانينيات، إضافة إلى مقابلات لم تنشر بعد، عمّا إذا كان اختيار الأسلوب الكفاحي العنفي قد تمخّض عن مؤتمر أو كونفرنس ((Conference ، علماً بأن الكونفرنس الثاني الذي عُقد العام 1956 كان قد أتخذ قراراً بالخيار السلمي، فأجاب: كانت الأمور أقلّ تعقيداً والثقة عالية وظروف العمل السري لا تسمح كثيراً بعقد مؤتمر أو اجتماع موسع لأخذ رأي القيادات والكوادر، بل إنني كنت قد كتبت رأياً بهذا الخصوص وعرضته على سلام عادل، فأبدى تأييداً وحماسةً، واقترح أن يتم تعميمه، ليصبح هذا الرأي بمثابة رأي الحزب وتوجيهاً للرفاق، وقد سعينا إلى تثقيف كادر الحزب الأساس وملاكاته المهمة بضرورة الاستعداد لكل طارئ جديد. وكانت انتفاضة العام 1956 التي شارك الحزب بقيادتها بروفة جديدة لقياس استعداداتنا، لا سيّما الجماهيرية للنزول إلى الشوارع وقطع الطريق على القوى الرجعية فيما إذا تحرك الجيش، وهو ما حصل يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958، حيث كانت الكتل البشرية الهائلة، صمام الأمان لانتصار الثورة، وكان الحزب قد أصدر تعميماً داخلياً لكوادره للاستعداد للطوارئ يوم 12 تموز (يوليو) أي قبل يومين من اندلاع الثورة. ويمكن ملاحظة ما ورد في هامش رقم (1) ص 47، حيث كان الحزب بقيادة سلام عادل (بعد تنحية حميد عثمان)، قد استجمع قواه وكتله وتنظيماته المنقسمة حيث اعترف الجميع بأخطائهم بهدف توحيد الحزب “وكانت منظمة راية الشغيلة قد انشقّت عن الحزب في العام 1953 ومن أبرز قياداتها آنذاك جمال الحيدري وعزيز محمد، وقد وصفتها جريدة القاعدة العام 1954 بأنها زمرة بلاطية ( نسبة إلى البلاط الملكي) وإنها انحطّت في المستنقع والقاذورات اليمينية، متهمة ايّاها بالانتهازية. أما منظمة وحدة الشيوعيين فكانت برئاسة عزيز شريف وعبد الرحيم شريف التي ساهم عامر عبدالله بحكم صلته الوطيدة معهما في إقناعهما، والبقية الباقية بحلّ المنظمة والالتحاق بالحزب. كما انضمت كتلة داوود الصائغ “رابطة الشيوعيين ” لاحقاً إلى الحزب، واعترف الجميع بأخطائهم في لحظة تطّهر غير مسبوقة، بما فيها التنظيم الأصلي (القاعدة) الذي اعترف أن القيادة التي اتّخذت قرارات الفصل كانت جاهلة (المقصود قيادة حميد عثمان الذي جرت محاولات لمحاسبته وتجميده فيما بعد)، وحصل الأمر بتدخّل من خالد بكداش والحزب الشيوعي السوري الذي تم الاحتكام إليه، لا سيّما بإنهاء انشقاق راية الشغيلة. ونلاحظ هنا مؤهلات سلام عادل القيادية وقدرته التنظيمية الهائلة، ثم استشرافاته المستقبلية، فضلاً عن تجرّده وهو في موقع المسؤولية.