صورة حزينة تصل حد البكاء – اضواء – يوسف عبود جويعد

نور يضيء الظلمات في العائد إلى الغربة

صورة حزينة تصل حد البكاء – اضواء – يوسف عبود جويعد

بناء فني متماسك , أحداث محتدمة , تنتقل بنا في فضاء السرد إلى كل الزوايا , لغة منسجمة تتلاءم ومسيرة الحكايات , في المجموعة القصصية ( العائد الى الغربة ) للقاص أحمد عواد الخزاعي , ندخل هذا العالم المتنوع عنوة , إنها محاولة أدبية إبداعية متميزة , لإيصال صوت الآخر إلى المتلقي, فلم يكن اختياره للثيمات السردية بدافع الكتابة فحسب, بل إن القاص عمد إلى أن يضع أمامنا أحداثاً إنسانية كبيرة, أراد لها أن تصل وتتشعب وتكبر, وكأنها صرخة ألم موجهة إلى ضمائرنا, تهز وجداننا, وتؤجج مشاعرنا, فقد أجاد القاص أحمد عواد الخزاعي نقل الحدث من لحظة توهجه, ليبدأ بعدها بتحريك المسيرة السردية بسياقها الفني حيث انطلاقها وتواترها, وتصاعدها ليصل بنا إلى ذروتها, كما نقل لنا هذه الأحداث داخل إطار وأساسيات وأدوات القصة, سواء كانت قصيرة, أو قصيرة جدا, حيث ضمّن القاص هذه المجموعة كلا الجنسين, وكانت متوحدة في نسيجها المتنامي, وكأنه صوت ناي حزين يداعب أوتار القلب, حيث إن اللغة السردية كان لها دور كبير في بناء هيكل القصة والشخوص, وكذلك توضيح الحدث, إذ إنه اختار السارد العليم ليقوم بمهمة سرد الأحداث بتقنية, لأنه وجد في هذا الأسلوب القدرة والإمكانية والحرية المطلقة في تناول النص, كما إن إيقاع الحركة السردية داخل متن النص السردي جاء منساباً سلساًهادئاً, موغلا في خط الاتصال الروحي, وقد تمكن بالتلاعب في الزمان والمكان بدراية ومعرفة, فكانت أغلب القصص بأزمنة تصلح لكل الأزمان, وكذلك المكان فقد أشار إليه، حيث احتاج إلى توضيح مناخ السرد, أي إننا نستطيع أن نعرف أن هذه القصة حدثت في المناطق الريفية في الجنوب, وتلك في المناطق العشوائية, وأخرى داخل المدن, إلا أن هويتها بقيت مفتوحة مطلقة, وهذه التفاتة ذكية من القاص, لإعطائها شموليتها واتساعها, لأن تحديد الزمان والمكان بشكل تفصيلي يحد من حريتهاوشموليتها, كما إنني أود الإشارة هنا إلى المقدمة التي استهلت المجموعة ((من رحم معاناة مجتمعنا الذي جلدته سياط الحروب, وعصفت به الأزمات على مر تاريخه المعاصر, لا بد لنا من صيرورة جديدة وثقافة تلامس واقعنا بتجرد وتطرح مشاكلنا بطريقة تصل إلى الجميع)) والتي أراد بها القاص مساعدة المتلقي لمعرفة الرسالة الموجهة في هذه النصوص, وإنني أنصح بعدم تضمين أيّ مجموعة قصصية مقدمة أو رؤية نقدية, أو إشارة تساعد المتلقي في معرفة النصوص, لأن من الأجدى والأحسن أن يقوم المتلقي بمعرفة الرسالة الموجهة دون تدخل, وأشيد بأنها وصلت دون الحاجة إلى هذه المقدمة, إذ إن ذلك جاء جلياً واضحاً منذ القصة الاولى ((الخيمة)) حتى نهاية آخر قصة, حيث ندخل قلب الحدث السردي ((نهضت كعادتها كل ليلة وهي تسوق خطاها الثقيلة كأنها عجوز هرمة على الرغم من أنها لم تتجاوز الثلاثين, في ظلمة تلك الخيمة التي آوتها وطفليها, هرباً من الرسائل المحشوة برصاصات الموت التي سلبتها بيتها كما سلبتها زوجها من قبل، انحنت على طفليها تعيد دثارهما وهي تلملم وشاحها الأسود المرمي على كتفيها: البرد شديد هذه الليلة..)) ص9, وهكذا يتضح لنا بشكل لا يقبل الشك أننا سوف نمخر عباب نصوص قصصية سردية لها رسالة واضحة, لأن القاص من خلال هذه المجموعة يؤكد على ضرورة دخول الأجناس الادبية, داخل المحنة الإنسانية في هذا البلد, بل إنه يوغل في التوضيح إلى الحد الذي يكون فيه المنجز الإبداعي جزءاً من محنة الإنسان, وصوتاً ينقل حقيقة الوضع المتردي, وكلما توغلنا في أحداث أيّ نص نجد هذا الصوت ينادي, وهو حقيقة مشاركة وجدانية ضرورية لزجّ الإبداع الأدبي داخل حياة المواطن, وعند الاستمرار بمتابعة القصة الأولى نوغل في أعماق مأساة هذه المرأة الذي يصل إلى حد الكارثة الإنسانية, امرأة مهجرة بخيمة مع طفليها، وحدهم داخل خيمة, لا تحميهم من البرد القارص, ولا حر الصيف اللاهب, وهي تحلم بدفء الحياة داخل بيتها الذي هُجِّرت منه عنوة, وتحلم بزوجها الذي قُتِل قبل أن يعود إليها, حتى يصل هذا الحلم إلى حقيقة داخل أفكارها, فتجده يدخل خيمتها ويلمس أطفالها, ويحدثها, ثم يختفي, لتغلق الخيمة وإلى الأبد , إنها صورة حزينة تصل حد البكاء, وهكذا فإن القاص عمد إلى إدخالها عالمه السردي كصوت إدانة واستغاثة, وفي قصة ((أرض الجوع)) نكون مع طفل يتيم الأبوين, تتكفل بتربيته أخته ((بدرية))، إلا أن بدرية يوافيها الأجل فيبقى وحيداً ((أزاح عباءتها السوداء عن وجهها المتعب, أطال النظر إليه قبل أن يرفع عمامتها عن جبينها ليقبلها هناك هامساً في أذنها: ( نامي خوية بدرية وارتاحي) … فلقد غادرت أرض الجوع, وإذا توغلت في أحداث القصص داخل المجموعة الموغلة بأشكال مختلفة من حياتنا في جميع مجالاتها ومحافلها, الحرب, الريف, المدينة, الظلم, النهيبة, الانفجارات ودمارها, والدخول في تفاصيلها يحتاج إلى حيز كبير من الدراسة, وما إن أن تكمل قراءة هذه المجموعة حتى تكتشف بأنها ثقيلة بمضامينها وأفكارها وثيماتها لأنه يناجي داخلنا الإنسانية, ويوجه خطابه الأدبي, وخطابه الثقافي إلى المتلقي, لخلق حالة من الصحوة وتفاعل ثقافي حر, للقيام بعملية التلقيح لترسيخ حالة الوعي, والقيام بحملة ثقافية كبيرة, لإنقاذ الإنسان, الذي دفن تحت انقاض فوضى الحياة , وهمجية التنظيم , كما ان المجموعة لم تخل من رؤية فلسفية, تدعو إلى الأمن والأمان, ففي قصة (العائد إلى الغربة) والتي حملت المجموعة اسمها, يؤكد القاص إن بإمكان الوطن أن يتحول إلى عالم غريب, فبعد عودة بطل القصة من الأسر, لم يجد إلا والده الشيخ الكبير وابنه, وعندما يسأل عن أمه يعرف بأنها توفيت, وعندما يسأل عن زوجته يقول له ابنه: إنها تركتنا, وتزوجت, فيزداد شعوره بالغربة أمام هذه المتغيرات الحياتية غير المتوقعة, لقد أجاد القاص في جعل عنوان كل نص قصصي جزءاً من بنائها ومرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمضمونها, وبعد أن نمر بأحداث القصص القصيرة, ندخل باقة أخرى من القصص القصيرة جدا والتي لا تقل أهمية عن سابقاتها, ولأن القصة القصيرة جداً لها مقوماتها ومميزاتها التي تختلف عن القصة القصيرة, نكتشف أن القاص استطاع أن ينقلنا إلى أصول كتابتها, حيث الاختزال, التكثيف, الدلالات والصور الإيحائية, المستهل المبهر, النهاية المدهشة, ولأن هذين الجنسين يختلفان في جوانب, وتشتركان في جوانب أخرى مثل الحدث, الحكاية, المضمون, الشكل, التعريف, الحبكة, التأزم، الانفراج, فإنني أقول بكل ثقة إن القاص أبدع في نماذجه القصصية المتنوعة دون أن يخرج عن أصولها وفن كتابتها بالتزام تام, وبخبرة ودراية عالية, وأضاف إليها اللغة التي تهيم بنا, وتهيمن على حواسنا, إنها رسالة جادة تقول لقد آن الأوان للثقافة أن تقوم بدورها في تنظيم الحياة, ولقد عبّد لنا الطريق ومهده من خلال نصوصه الإبداعية ذات المغزى الإنساني الكبير, إلى أن ندخل خضم الحياة ونساهم في حركة التنظيم, إن المجموعة القصصية ((العائد الى الغربة)) للقاص أحمد عواد لخزاعي حزمة من الضوء لإظهار ظلمات لم نلتفت اليها…