صوته لا يزال يتمشى في الميدان – مروان ياسين

 

 

مروان ياسين

 

1-

كلّما حاولتُ أن أخرجَ من جلدي،
لِأُصبحَ شجرةً غريبةً في غابة عملاقة،
كانت جدران الموصل القديمة تتسلّل إلى مسامّ قدميّ،
كأنّ الأرض نفسها،
وضعتْ راحتيها تحت نعلي، وقالت لي: لا تذهبْ.

كان صديقي “فريد ” يسبقني بخطوتين،
وعيناهُ تنحتان ضوءاً على الإسفلت المعتم،
ينفثُ دخان سيكارته كأنّه يُلقّن الهواءَ نصّه المسرحي الأخير،
ويقول لي: ” يا أبا الطيّب، ما نفعُ العلوّ
إذا لم تكن هناك يدٌ تهدهد ظهرك حين تنهار؟” .

كنتُ أحمل غربتي في جيب قميصي
كعلبة ثقاب مبتلّة،
وكلّما حاولتُ إشعال أمنية
صفعتني الرطوبة.

الجدران الجصّية تشمُّ نواياي،
وتُطلق رائحةً تشبه طحين أمّي حين كانت تغنّي للفجر
وتخبز لي شكل الحكاية.

أنا الذي ظننتُ أن ناطحات السحاب ستمنحني رأساً أعلى،
لم أفهم أنَّ كلّ عمارة شاهقة هي جدارٌ آخر
يحجب عني وجهَ جارتي التي كنتُ أسمع أغنيتها
وهي تكنس الغيم من الدرج.

صديقي … لم يكن يمثّل،
بل كان يُعيد ترتيبَ الروح على خشبة المسرح.
كان يعرف أن العالم ليس أكبر من “شارع فاروق”،
وأنّ “سينما الحمراء” تحوي من الدهشة
أكثر مما تحويه قاعات برلين الباردة.


كان يسألني:
“ما حاجتك إلى جسور إسمنتية
إذا كُنتَ قد عبَرتَ طفولتكَ
على حبل غسيل مربوط بين نافذتين في الدوَّاسة؟”

صوته الآن يزورني كلّما دخلتُ أزقة “السرچخانة”،
يوقظ الغبار الذي خبّأ ذاكرتي في شقوق الحيطان.

2-

في الليلة التي رحل فيها،
أخذ صوته معه
وترك صداه يمشي على عكّازٍ من الذكريات.

سمعتُه يتجوّل في شارع “الميدان”
يلوّح للباعة بعينين من دخان،
كانت الكلمات التي نسي أن يقولها
تطفو فوق واجهات المحلات
مثل ملصقاتٍ قديمة لأفلام لم تُعرض بعد.

قال لي مرة: ” كلُّ ما نفعله، هو أننا نُدرِّب أنفسنا على الخسارة
بحجّة البحث عن معنى أبعد،
بينما المعنى كان ينامُ عند عتبة بيتنا
ويوقظنا كلّ صباح برائحة الشاي وصوت فيروز” .

لم يكن يحب الجغرافيا،
كان يعتبرها خيانةً ناعمة،
ترسم لنا حدودًا وهمية
ثمّ تضحك حين نسقط في هاوية البُعد.

أذكر حين قلتُ له إنني أحلم بمدينة بلا ذاكرة،
صافحني بحزنٍ كأنني صرتُ مقبرةً متنقّلة،
ثم قال:
” يا أبا الطيب، كلّ المدن الجديدة تشبه صالات الانتظار،
الفرح فيها مؤقت،
والوجوه مؤقتة،
حتى الملامح تبدو كأنها ملامح مؤقتة بعقد شهري” .

الريح في الموصل تعرفُ أسماءنا،
تداعبُ وجنات الشوارع
كما تداعب الأمُّ شعرَ رضيعٍ لم يُسمّه أحد.

الريح هنا تُحِسُّ،
تشمُّ،
تتذكرُ،
وتُعاتبُ.

وأنا الذي كنت أريد أن أكون حُرًّا،
اكتشفتُ أنَّ الجذور ليست قيداً
بل ذراعاً ممدودةً نحو الغيم،
كي لا نسقط دون صوت.

 

3-

في مقهى “الشرق”،
كان يفتحُ جريدته
كما يفتحُ الستارة على مشهدٍ أخير.
لا يقرأ،
بل يصغي للحبر،
يختبر صمته كما يختبر الممثل سكون الجمهور
قبل أن يُطلق الصرخة الأولى.

قال :” أن تصغي للحبر ،
يعني أن تدرك أنَّ الكلمات لا تُكتَب،
بل تُنتَزع من صخر الروح وتُعجن بصوت المكان” .
وحين سألته عن معنى الوطن،
أشار إلى علبة كبريتٍ فارغة
تركتَها يدٌ مارةٌ على الطاولة المجاورة
وقال:
“أحيانًا يكفي أن تُشعلَ ذاكرةً صغيرة،
كي ترى الضوء في أماكن لم تَعد تُضاء” .

كان يرى المدى في زقاقٍ ضيّق،
والخلود في حجرٍ طينيٍّ فوق عتبة.
كان يضحك حين أتحدّث عن المدن التي حلمتُ بها،
كأنّه يسمع نكتةً سمجة من ممثلٍ هاوٍ نسي أن الحياة ليست تمرينا .

 

قال ” نحن لسنا أبطالاً تراجيديين ،
نحن خشبة المسرح نفسها، نحترق كل ليلة،
كي يشاهدَ غيرُنا الضوء” .

في ” شهر سُوُقْ” ،
كانت البسطات تصيح،
والعطور تتطاير مثل نغماتٍ عاجزة عن الهبوط،
كل شيء هناك كان يملك
اسماً
وشعورًا
وظلًّا يلتفّ حول قدميه كقطةٍ تتدلّل.
حتى الفوضى كانت تمشي بأناقة وتُلقي التحية
على كل من يعرف أن الخراب ليس غياب النظام
بل حضور الحنين.

4-

كنتُ أمشي في “باب لكْش”،
أراقبُ الظلال الطويلة التي تخرج من الأبواب القديمة
كما تخرج الأرواح من بقايا الصور،
وظننتُ لوهلةٍ أنّي رأيتُه ينحني
ليجمع نكتةً ضحكنا عليها
ثمّ نسيناها
على عتبة دكانٍ للكتب المستعملة.

قال لي مرّة:
“الطرقات التي تعرف أسماءنا تبكي حين نموت،
لكننا لا نسمعها، لأننا نكون مشغولين بالسير
في خرائط لا تعرف وجوهنا ” .

كلّ صباح كنتُ أفتح النافذة
كي أتأكد
أن الموصل لم تهرب،
أن شارع فاروق لا يزال يُحني ظهره لأقدام العابرين،
وأنّ العصافير لم تهاجر بعد،
رغم أن الأغصان فقدت أسماءها.

في “سوق العطّارين”،
كان الهواء مشبعًا بما لا يُشترى:
حنينُ الأمهات،
ارتباك العشاق،
وغبارٌ قديم يعرف مَن خان ومَن انتظر.

هناك …. كنت أُدرك أن الرائحة تُبصر،
وأن العطر يشير بيده إلى دروبٍ لم تُكتب على الخرائط.

قال صديقي:
“كل ما لم نرَه رأيناه دون أن نعلم، حين شممناه”.

في “الدواسة”، كنا نكتب قصائدنا على الجدران،
ثم نمحوها بضحكةٍ عالية،
كأنّ الشعر لا يُحفظ إلا في ذبذبات الصدى.

كل شيء في تلك الشوارع يملك ذاكرة،
حتى الأرصفة،
كانت تُصغي لصوت أقدامنا
وتنحني أحيانًا،
لتمرّ ذكرياتنا دون أن تتعثّر.

5-

في السرجخانة حين تمرّ الغيوم ببطء ،
أشعر أن السماء نفسها تحاول أن تتذكّر اسمه .

الهواء هناك يمشي على رؤوس أصابعه،
كأنّه يخاف أن يوقظ الخطوات التي نامت في بلاط الأزمنة.

قلتُ له في أحد المساءات:
“أفكّر في المغادرة، ربما في المنفى سأجد صوتي”.
فنظر إليّ نظرةً طويلة كأنّه يقيس خوفي بالسنتيمترات
وقال:
“المنفى ليس في البُعد،
بل في أن تتحدث إلى نفسك ولا تفهم ما تقول.”

كان يفهم أن المسارح أوسع من المطارات،
وأنّ خشبةً صغيرة في قاعة مهملة
يمكنها أن تحمل أكثر مما تحمله خرائط الأمم.

في ذلك المساء،
دخلنا سينما ” غرناطة ” وبدت مهجورة،
جلسنا في صفّ مهدم وكانت الشاشة بيضاء
كوجه فقد ملامحه.
قال لي:
“الصورة تحتاج ذاكرةً كي تتحرّك، لا آلة عرض.”

وفهمتُ حينها أنّ كل الأمكنة التي أحببناها
لا تزال تنتظرنا،
وأنّ الشوارع التي مشيناها لم تتوقّف عن الكتابة،
لكننا نحن من رفع القلم.

6-

أجلس في الظلّ المتسلّل من نافذة الظهيرة،
وأفتح دفتر الوقت،
فأجد أن “الميدان” لم يكن مكانًا،
بل ساعة رملية كلّما قلبتها،
عادت وجوهنا تمشي من جديد
نحو أوّل سؤال طرحته الحياة علينا ثمّ نسيناه.

الأماكن ليست جدرانًا،
هي نَبضٌ مكسوٌّ بالتراب،
خريطةٌ حيةٌ ترتدي أسماءنا كأنّنا وُلدنا منها،
لا فيها.

“الموصل” لا تزال تكتبنا بأحبارٍ لا تُرى،
في دفاتر من طين،
تتركها القوافل خلفها حين تمرّ.
كل قافلة عبرت “باب البيض” كانت تترك أثرها
في نَفَسِ الهواء،
في ميل الغصن،
في شرود المارة وهم يعدّون خطواتهم
دون أن يدركوا
أنّهم يسيرون فوق أصوات الغائبين.

القوافل…ما أكثرها،
وما أقلّ من نتذكّرهم.
كانت تحمل سلال الحكايات
وتنثر التوابل والقصص في “سوق العطارين”،
ثم ترحل كأنّها لم تكن،
لكنّ العطر يبقى،
يمشي معنا،
يتسرّب من كتب مهملة في “شارع النجيفي” ،
أو من منديلٍ نسيناه في جيب معطفٍ شتوي.

وها أنا الآن، أكتبُ لأستبقي ما تبقى،
أضع اسمي في هواء “الدندان ”
وأترك قلبي معلقًا على شرفةٍ في “شارع فاروق”،
ليُخبر العابرين أنَّ مَن رحلوا لم يذهبوا،
بل تحوّلوا إلى أصداء تمشي على أطراف الحنين،
وتُربّت على أرواحنا
كلما حاولنا النزوح
بعيدًا عن الجذور.

*الميدان ،شارع فاروق ، سوق العطارين ،شهرسوق ، الدواسة ، السرجخانة ،باب البيض ، باب لكش ، سينما الحمراء ، سينما غرناطة ، الدندان ، مقهى الشرق،شارع النجيفي ..كلها أسماء لأماكن شهيرة ،تقع في قلب مدينة الموصل القديمة . أما “فريد عبد اللطيف”فقد كان من رواد تأسيس المسرح في الموصل ،ومن اقرب اصدقائي،رحل عن الحياة عام 2005 بعد صراع مع مرض السرطان .