
صحفي يتسبّب بطرد دبلوماسي ألماني من العراق
دبي – محسن حسين
من ذكريات العمل الصحفي ان صحفيا من المانيا الغربية جاء الى مكتبي في وكالة الانباء العراقية (واع) يوم 10 شباط 1963 بعد يومين من سيطرة حزب البعث على الحكم في العراق ومقتل رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم على امل ان يحصل على سبق صحفي عندما اقتل وفق ما سمعه من السفارة الالمانية اني عميل لالمانيا الشرقية واني تسببت بطرد دبلوماسي الماني غربي من العراق بتوجيه من المانيا الشرقية وحسب ما سمعه فان الشيوعيين الألمان، و يقصد ألمانيا الديمقراطية، يقتلون عادة عملاءهم في الدول التي تقوم فيها ثورات وانقلابات خوفا من افتضاح أمرهم!
ولما قلت له أنني بالفعل كنت وراء طرد ذلك الدبلوماسي الألماني لأمور لا علاقة لها بما قاله خاب ظنه وخرج بعد ان تاكد انه لن يحصل على السبق الصحفي المزعوم.
ورويت له قصة ما حدث عام 1961.
كان الدكتور بلومر الملحق الصحفي في سفارة ألمانيا الغربية من أنشط الدبلوماسيين الغربيين في بغداد. واستطاع خلال فترة قصيرة تكوين علاقات متينة مع عدد من مندوبي الصحف المحلية الذين كانت تستهويهم حفلات الكوكتيل و الاستقبال في السفارات حيث تتوفر لهم أنواع المشروبات من البيرة والويسكي وغيرهما وكذلك الحصول على وعود بدعوات إلي هذه الدولة أو تلك.
ولكي يضمن الدبلوماسيون حضور المؤتمرات الصحفية التي يعقدونها بالمناسبات المختلفة فإنهم كانوا يقدمون المشروبات وبعض المأكولات الخفيفة في تلك المؤتمرات.
وكان المؤتمر الصحفي الذي عقده الدبلوماسي الألماني في فندق بغداد في الأسبوع الأول من أيلول عام 1961 واحدا من هذه المؤتمرات إذ حضره حشد كبير من مندوبي الصحف المحلية إضافة إلى مراسلي وكالات الأنباء وحضرت المؤتمر بحكم عملي مديرا للأخبار في وكالة الأنباء العراقية. كان موضوع المؤتمر العلاقات التجارية بين البلدين لكن سرعان ما تحول إلى موضوع آخر يتعلق بمؤتمر القمة الأول لحركة عدم الانحياز الذي كان يعقد في تلك الايام في بلغراد من 1-6 أيلول 1961. في هذا المؤتمر أعلن ممثل العراق هاشم جواد وزير الخارجية الدعوة إلي الاعتراف بالدولتين الألمانيتين على أساس الأمر الواقع، وكذلك فعل الرئيس الغاني نكروما الأمر الذي دعا ألمانيا الغربية إلى شن هجوم إعلامي على العراق وغانا طبقا لمبدأ (هالشتاين) الذي تطبقه ألمانيا الغربيه وهو قطع العلاقات مع كل دولة تعترف بألمانيا الشرقية.
وبدلا من التحدث عن العلاقات التجارية راح الدكتور بلومر ينتقد العراق وموقفه في مؤتمر عدم الانحياز. وكنت اعرف انه لا يجوز للدبلوماسيين انتقاد الدول التي يعملون فيها ما داموا موجودين في أراضيها، ولما نبهته إلي ذلك ظل يواصل انتقاداته، سألته عما إذا كان يتحدث باسمه الشخصي أو باسم حكومته وقلت له: إذا كنت تتحدث باسمك الشخصي فإنني سأضطر إلي ترك المؤتمر الصحفي.
انفعل الرجل كثيرا وضرب الطاولة بقبضة يده بقوة وهو يصيح بأعلى صوته: أنني هنا أتحدث باسم حكومتي ، حكومة ألمانيا الاتحادية!
اعتبرت هذا الموقف خروجا على العرف الدبلوماسي ولأنني امثل الوكالة الرسمية في العراق فإنني قدرت انه لا يمكن نشر هذه الانتقادات المعادية في نشرة الوكالة، ولهذا توجهت بعد انتهاء المؤتمر إلى وزارة الخارجية لأستوضح من الدبلوماسيين العراقيين الموقف في مثل هذه الحالات ولأبلغهم بما حدث.
قابلت هناك اثنين من أصدقائي كانا يعملان في الصحافة قبل أن يعينهما وزير الخارجية هاشم جواد في قسم العلاقات وهما المرحومان بديع بطي وعبد الله الخياط ولما سمعا مني ما حدث طلبا مني أن أقابل وكيل وزارة الخارجية الذي أبدى اهتماما بالقضية. وكما توقعت فقد طلب مني عدم نشر أي شيء عن المؤتمر وانه سيعرض الأمر على رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم.
وفي مساء ذلك اليوم صدر بيان من وزارة الخارجية يعلن طرد الدكتور بلومر من العراق لمخالفته العرف الدبلوماسي. وتبين في اليوم التالي أن بلومر شعر بالخطأ فغادر فور انتهاء المؤتمر الصحفي بسيارته إلي إيران.
























