شهادة .. أعترافات في حضرة الحلم – علي حسين عبيد

شهادة .. أعترافات في حضرة الحلم – علي حسين عبيد

سوف أبدأ شهادتي هذه مع رحلة الكتابة أولا، ثم أعبر إلى القراءة تاليا، فالكتابة كانت ملاذي الأخير وفرصتي الوحيدة (لإنجاز شيء مختلف) بعد أن فقدتُ تماما فرصة أن أكون لاعبَ كرة قدم مشهور أو أحترف الفن، لكن كل هذه الأمنيات تبخّرت ولم يبق لي سوى الورقة والقلم وهما متوفّران حتى لأكثر الناس فقرا مثلي…

بدأتُ في الدراسة المتوسطة بكتابة نصوص لا أعرف تجنيسا لها، ربما خاطرة أو أحد أشكال الشعر، لكن تحت ضغط شيء أو دافع ما لا أعرف كنهه تعلّمت بحور الفراهيدي لاحقا ونظمت الشعر ونشرته كمبتدئ في صفحات القراء بمجلات مختلفة تستقبل المحاولات الأولى منها (مجلة فنون، والطليعة الأدبية، والمجالس المصورة الكويتية)، ثم بدأت بوضع الهدف الأهم وهو كتابة قصة أدخل فيها إلى الوسط الأدبي في الثمانينيات…

لازلت حتى اللحظة أتذكر بدقة تجربتي في كتابة قصتي الأولى (الخيالية)، كنت غاطسا فيها حدّ الغياب، رغم أنها لا تتجاوز صفحتين، أعيد وأصقل، أضيف وأشطب، وأحيانا أبحث عن مفردة بديلة لوقت طويل، كنتُ مترددا من إرسال القصة للنشر خوفا من الفشل، لكنني أخيرا وضعتُ لها عنوان (الرمانة)، كونها تدور عن عاشق لشجرة رمان، ووضعتها في مظروف ورقي وكتبت على وجهها عنوان مجلة الطليعة الأدبية وأرسلتها بالبريد العادي في الشهر الأول من سنة 1983? ثم أخذت أتابع صدور المجلة المنتظم في كل (رأس شهر).

فقدان الامل

بعد ثلاث أو أربع شهور نسيت القصة وفقدت الأمل بنشرها لاسيما أنني لا أعرف شخصا واحدا في الوسط الأدبي في بغداد، وفي صباح مختلف كنت في علاوي الحلة ببغداد، رأيت على رصيف الشارع صحف مفروشة ومجلات للبيع من بينها العدد الجديد لمجلة الطليعة الأدبية، فقلبت المجلة وقرأت جملة (المساهمون في العدد) المكتوبة بالغلاف الأخير، كانت لحظة غريبة صاعقة أو صادمة، حين رأيت اسمي مكتوبا مع المساهمين في العدد 11 سنة 1983.

لقد تم نشر قصتي كإحدى القصص المحترفة في مجلة الطليعة الأدبية، لكنني فوجئت بتغيير عنوانها من (الرمانة) إلى (الحلم) ورأيت اسمي (علي حسين عبيد) من بين الكتاب المشاركين في العدد، وكأنني حققتُ منجزا لا حدود له، غريب ذلك الشعور الذي تلبّسني في حينها، بعد أيام وصلتُ إلى مقر مجلة الطليعة الأدبية في دار الشؤون الثقافية، والتقيتُ أستاذنا الكاتب المهذّب الخلوق (خضير عبد الأمير) الذي يعود الفضل كاملا له في كوني أصبحت كاتبا، رحب بي بهدوئه المعروف وحين سألته عن سبب تغيير العنوان من (الرمانة) إلى (الحلم) فقال: الرمانة مفردة شعبية بينما قصتك (حالمة) فوجدت أن عنوان (الحلم) أكثر انسجاما معها.

قصة الحلم هي نقطة الشروع بمواصلة الكتابة والدخول رويدا في وسط ثقافي (خرساني من الصب المسلح)، لا يسمح باختراقه إلا للأقوياء، فكان إزميل كتاباتي يطرق بإصرار على هذا الجدار عسى أن أجد ثغرة ولو صغيرة أتسلل منها إلى الوسط الأدبي ولم يتحقق هذا إلا بعد سنوات من المثابرة والإصرار في الكتابة والمتابعة والحضور الميداني للثقافة والأدب في العاصمة.

في مساء رائق ملائكي كنتُ أجلس في حديقة اتحاد الأدباء إلى مائدة جمعتني بالشاعر حسن النواب والقاص صلاح زنكنة، كان المكان ساحرا بخضرته وأضوائه ونسائمه، وفي لحظة غرائبية هبط على رأسي ملاك من السماء لا حدود لجماله، إنه (هيمن) ابن صلاح زنكنة، كان العالم كله في وادٍ وأنا والملاك هيمن في وادٍ آخر، وبعد أن تركنا المائدة وخرجنا من حديقة الاتحاد، كتبتُ قصتي (كائن الفردوس) التي حملت عنوان مجموعتي القصصية الأولى.

بعدها كتبتُ روايتي (طقوس التسامي) التي وثَّقتُ فيها حياتي لعشر سنوات قضيتها في الجيش وركّزتُ فيها على العدوان الأمريكي الهمجي على العراق، ثم نشرت نصوصا سردية بأسلوب مغاير في الصحف وجمعتها في مجموعتي القصصية الثانية (الأقبية السرية)، وبدأت بكتابة عمودي الثقافي في جريدة المشرق كل ثلاثاء واستمر لأربع سنوات، ووجدتُ من المناسب أن لا تضيع هذه الأعمدة فجمعتها بكتاب نقدي حمل عنوان (ثقافة الجدران) أصدرته دار الشؤون الثقافية 2014.

بعد ذلك حلّت مرحلة النضوج الإبداعي – هكذا يطيب لي أن أعطيها هذه التسمية- وهي مرحلة كتابة مجموعتي القصصية (لغة الأرض) التي فازت بالمركز الأول في جائزة الطيب صالح من بين (266) مجموعة قصصية مشاركة في (الدورة التاسعة)، ومضامين معظم قصص لغة الأرض مخزونة في ذاكرتي وهي عبارة عن أحداث مميتة ومأساوية عشتها بنفسي وعائلتي في أحداث سنة 1991? ولا أنسى هنا الدور المهم لصديقي المبدع حسن النواب في مراجعة وتدقيق هذه المجموعة قبل إرسالها إلى الخرطوم.

مهرب عراقي

ومن بين المحطات المهمة في حياتي الأدبية صفقة التهريب التي عقدتها مع مهرب عراقي كي يصل بي إلى أوربا مقابل آلاف الدولارات، وفشلت هذه الصفقة التي كانت عبارة عن خديعة مخطط لها مسبقا، وبسبب فداحتها والألم الذي ألحقته بي حوَّلتها إلى رواية (جنائن الوهم) التي وصلت إلى القائمة الطويلة في جائزة الراشد للإبداع وتم طبعها في الإمارات.

أما العبور إلى ضفة القراءة، فيمكن القول إنني بدأت ذلك بشكل جاد حين عشتُ عذابات (رجب) بطل رواية (شرق المتوسط) لعبد الرحمن منيف، كنتُ أتخيّل نفسي بطلا سياسيا طامحا نحو الحرية بلا خوف أو تردد، كان الألم الذي يعانيه رجب بمثابة ألمي، وكنتُ أتلوّى جزعا وألمًا حين أدخلوه زبانية السلطة عاريا في كيس مصنوع من الجنفاص وأدخلوا معهُ مجموعة من القطط الجائعة، وأغلقوا الكيس بإحكام بواسطة حبل قوي، تخيّلتُ نفسي عاريا محبوساً مع القطط في هذا الكيس المغلق.

مع مرور الزمن تخلى السرد عن مهمة نقل الأفكار من الكتب إلى رأسي، ولازلت حتى اللحظة أتذكّر بطل رواية (حبة قمح) للروائي الكيني نغوغي وا ثينغو، وهو يتقافز حافيا فوق الرمال وكيف كانت قدماه تبرقان في لحظة ملامسة الأرض، وكيف كان جسده كلّه عبارة عن شبحٍ مشعّ، وكم تمنيتُ في لحظات قراءة (حبة قمح) أن يصبح جسدي كتلة من شعاع وليس من لحم يابس لا يشعَ ولا ينفع في شيء.

بقيَ الجوع الفكري ينهش رأسي من الداخل، لدرجة أنني غالبا ما أنسى إطعام جسدي، وكنتُ أكتفي بوجبة واحدة كفيلة بجعل جسدي مستكينا هادئا طوال 24 ساعة، لكن ما الفائدة من هجوع الجسد ورضاه، إذا كان الرأس يتضوّر جوعا للأفكار المغايرة.

هنا بدأت أتحوّل إلى بعض الروايات الفلسفية والكتب النقدية الفكرية، فقرأتُ رواية (طقوس في الظلام) لكولن ولسن، ثم روايته (ضياع في سوهو)، وبدأتُ أقرأ كتبه الفلسفية، كالمنتمي وسقوط الحضارة والشعر والصوفية وكتابه النقدي المهم (فن الرواية)، ثم قرأتُ الإنسان وقواه الخفية، وكتب أخرى له قد يكون أهمها كتابه (رحلة نحو البداية)، فأدخلني ولسن إلى عالم فكري فلسفي لم أعهدهُ من قبل.

كنتُ في وقتها جندياً مكبّلا بالأوامر العسكرية المعروفة بصرامتها، وكان معي في الغرفة أربعة جنود آخرين، ليس فيهم من يقرأ الرواية أو الفلسفة، بل ينظرون إلى القراءة غير المدرسية ترفاً أو ضربا من العبث، وكانوا يستغربون شغفي الكبير بالقراءة، لكنهم لم يتدخّلوا في شأني وأظهروا لي احتراما جيدا، في ذلك الوقت كنتُ اشعر بضآلتي، كأنني مسخ كافكا، لا يُسمح لك بقراءة ما ترغب، وهكذا بدأ ولعي بكتابات الفيلسوف (المجنون) نيتشة الذي يذكره كولن ولسن كثيرا في مؤلّفاته الفلسفية.

كنتُ قرأت عن الإنسان السوبرمان الذي اشتهر به نيتشة، قرأته في كتابات ولسن وآخرين من الكتاب والفلاسفة، وخطرَ في ذهني حينها أنني لكي أتخلص من ضآلة شخصيتي، وبلوغي مرتبة الاحترام الذاتي الأهم من احترام الآخرين لي، لابد أن أقرأ (هكذا تكلّم زرادشت)، وهو كتاب نيتشة الذي يدور في لبّهِ حول فلسفة الإنسان (السوبرمان)، وبالفعل اقتنيت هذا الكتاب، وتفرّغتُ له بشكل تام، ودخلتُ في عالمه الذي يصطخب بالجنون، ومع تعاقب صفحات الكتاب وتعاقب الأيام، رحتُ أغوص في لجّة الجنون، فقد تحوّلت إلى إنسان آخر يختلف عمّا كنتُ عليه، وأخذَ ذلك الشخص الضئيل المغلوب على أمره يتحوّل بالتدريج إلى الـ (السوبرمان) الذي يطرحه نيتشة بكتابه هكذا تكلم زرادشت.

في غرفتنا التي تضم أربعة جنود معي، كان لدينا مخزن مربع الشكل أبعاد أضلاعه متر ونصف المتر، دخلتهُ وأقفلتهُ عليَّ من الداخل، وواصلتُ الغوص في عوالم نيتشة، كنتُ أقضي طوال ساعات الليل فيه، ومعظم ساعات النهار غائصا في القراءة وتدوين الملاحظات والهوامش، لم يعكّر عليَّ زملائي الجنود عزلتي، تركوني مع نفسي وعالم القراءة، حتى الطعام الذي كانوا يجلبونه لي يبقى مكدّسا فوق بعضه، لم أكن أرغب بالأكل، جسدي لم يشعر بالجوع، ما كنتُ أشعر به هو الأفكار الغريبة التي اقتحمت رتابة حياتي.

ومع الوقت بدأتُ أتحوّل إلى إنسان (سوبرمان)، وتغيّرت ضآلتي إلى شعور متفاقم بالقوة، صرتُ متمردا على كل شيء، نسيتُ تماما بأنني جنديّ محكوم عليه بالانضباط التام طالما كان جنديا، لم أعد أحضر (تعداد العرضات الصباحي ولا المسائي) حيث كان (العرفاء) يعدّون الجنود كي يتأكّدوا من تواجدهم في الثكنة، كذلك لم أتواجد في الدوام العملي، ولم أختلط بالجنود في المطعم، ولا في البهو المخصص للتسلية والراحة ومشاهدة شاشة التلفاز، عشتُ عزلتي كنوع من الاحتجاج ضد الظلم والصرامة وقلّة الاحترام بحجة الضبط والالتزام.

ثم استجدَّت رؤية جديدة لي بسبب نيتشة، فقد تحوّلت إلى سوبرمان، ورحتُ أحلّقُ في خيالي عاليا، فوق رؤوس الضباط الأمراء، وكنتُ أنظرُ إليهم من أعالي فضاء (وحدتي العسكرية)، فأراهم (ديدان) صغيرة كما كان (سوبرمان) نيتشة يرى الناس الآخرين، لم تعد الأوامر العسكرية تخيفني أو ترهبني، ولم أعدْ أخاطب الضابط بكلمة (سيدي) كما تنص الأوامر، ألقوا بي في السجن لمخالفتي الأوامر، لكنني وجدتُ بالسجن فرصة لمواصلة القراءة مع انعدام الواجبات داخل السجن، وأثناء ذلك قمتُ بوضع خطة ذاتية حياتية خاصة بي بعد الانتهاء من قراءة (هكذا تكلم زاردشت)، وهذه الخطة تمتد على ساعات اليوم (24 ساعة)، وبعضها يتجاوز الإطار اليومي إلى الشهري، ويتم تطبيقها على مدار الوقت.

تضمنت خطة حياتي الجديدة ما يلي:

–           يُسمَح لي بتناول وجبة طعام واحدة طوال اليوم.

–           يُسمح بالخروج من الصومعة عشر دقائق باليوم فقط.

–           لا يُسمح بالحديث إلى الآخرين إلا إذا كانوا من نوع (سوبرمان) وهم ليسوا كذلك.

–           لا يُسمح بصرف الوقت في أي نوع من الملّذات أو التسلية.

–           يُسمح الاستحمام مرة كل عشرة أيام.

–           عدم الخضوع للأوامر العسكرية حتى لو كان مصدرها أعلى الضباط.

–           هناك فقرة شهرية، إذ يُسمح بممارسة الجنس مرة واحدة بالشهر فقط.

–           الاستعداد لأعلى قدر من التضحية لتطبيق هذه الخطة، ومواجهة ديدان الواقع لاسيما الضباط وأوامرهم.

 لقد مضت عشرات السنين على تلك الخطة، وانطفأ وهج الجنون بعد أقل من سنة، وبعد تدريب شاق لنفسي، استطعت أن أفهم عالم الكتب، وأتعامل مع القراءة على أنها مقترحات وليست ثوابت، وأن الخيال من المحال تحويله إلى واقع، ولكن لازلت أؤمن بأن جنون القراءة، تمكّن من تغيير عقليتي، وحفّز عندي رغبة الاطلاع وشراهة القراءة والكتابة بوصفها علاجا وملاذا، والهروب بعيدا من طوق الحياة الروتينية البائسة.