
شعر راتب سكر بين الحرير والحجر
معاناة ومحنة مستلهمة من حكمة الإبداع
علي كمال الدين الفهادي
هي الحيرة تشتعل بدم البدء، كيف تخطو أولى خطاك للحديث عن إبداع شعري في ديوان جديد للشاعر ” راتب سكر” وسمه ” ملاءة الحرير” ؟ ، ينطوي على أحلام طفولة سعيدة ببراءتها، حزينة بأشواق العودة إلى أزمنتها المفقودة، لا يكتمل تأويلها وتعبيرها إلا بتعبير أحلام رائدة لها، تتماهى معها في غفوة طفل رومانسي يرسم خياله نصف العالم في لوحة ديوان ” ملاءة الحرير”، لا يكتمل عالمه إلا في لوحة أبحر بها من قبل في مياه الإبداع بديوان ” أبي ينحت الحجر” .
تتسع الفجوة بين الحجر والحرير، ويشاكس لين الحرير ونعومته صلابة الصخر وخشونته، فتصالحهما ربة الشعر وشفافية الإبداع، أو ” قمر باب المساء” على حد تعبير الشاعر راتب سكر، فالحجر ينحته الأب برنين حديد في صخر، فيشرق من قميص النحت طفلاً من الشعر يحلم بالشمس والقمر. أما الحرير فتتزين به الأم سوار إبداع يرن في معصمها ومعاصم النساء وسوسة ووشاية حب يكشف سرّ الوشم للطفل الذي انبثق من القميص حالماً بالشمس والقمر.
هذان الديوانان حلم ذو جناحين يرودان الرؤى التي يستثمر الشاعر في رحابها إيحاءات وإشارات يستقيها من قصة يوسف عليه السلام، فيجعل الشاعر عدد قصائد ديوانه ” أبي ينحت الحجر” اثنتي عشرة قصيدة بعدد أولاد يعقوب عليه السلام -ويوسف منهم- ، فكل في الرؤيا كوكب من كواكب ” نبوة وحكمة ” ، والشمس الأب الذي ينحت الحجر، والإشارات إليه كثيرة في ديوانه “أبي ينحت الحجر”، وربما تداخلت مقولة النقاد العرب القدماء: “الفرزدق ينحت من صخر” في عنوان الديوان، فأسفرت عن ابن شاعر من ذلك الأب القوي، أما القمر –الأم فالإشارات إليها ملهمة إبداع كثيرة في الديوانين، ولا سيما في ديوان “ملاءة الحرير” .
ظل المولود الذي غادر قميص البصيرة طفلاً، مرت السنون تعقبها السنون، وشابت الذوائب بتجارب الحياة ورحيل الأحبة والأزمنة والفصول، وظل الطفل المسكون بالحلم والخبايا البكر والأسرار على براءته وجلاء هواه. حمل وشم الأب الشمس الذي عاهد نفسه أن ينطق الحجر في المقالع مع رفاقه المبدعين الذين رمز لهم الشاعر بأصدقاء الشمس –الأب، بقوله في إهداء القصيدة(1): ” إلى أصدقاء الشمس في مهنة النحت والبناء” قبل أن ينشد:
” بالحديد يرن على أذن النهار
والمقالع أنشودة في يديه
سرحت شعرها بالغبار
رقصت بالمزاهر
تحمل طيباً ونوراً إليه
وأبي سيّد في الحوار
بالحديد يرن
ويصغي إليه النهار “
يسرد الشاعر راتب سكر أسرار العلاقة بين المبدع الابن والمعلم الأب –الشمس الذي يعلمه فنون الإبداع، فيصرح بكلمة “يعلمني ” صراحة أكثر من مرة في المقطع السادس من القصيدة الذي يبدأ:
” خطوة خطوة
كان يأخذني من يدي
خمره سره
والخوابي كلام “
أليس الإبداع خفاء مسكراً ؟. “خمره سره، والخوابي كلام” . أليس الإيقاع جوهر الشعر وفيصل جنسه الأدبي ؟. “واهباً ضحكتي رنّة، من رنين الحديد” ، إنه الرنين الذي تصوغ منه الأم –القمر بعد صياغة الحجر، طفلها الحالم من لين لغة الحرير ورنين الأساور ووسوسات الحلي في المعاصم. إن الحجر الذي نحته الأب، بناه الحلم في “ملاءة الحرير” فجاء “مآذن من بياض شاهق” في افتتاح القصيدة التي تحمل عنوان الديوان (2)? ليحيل على تناص رائع في بناء الصورة المتضمنة حياة الأسرة والطفولة التي نحتها جبروت الأب وكساها حنان الأم حريراً ناعماً منساباً، يقول الشاعر:
“مآذن من بياض شاهق
مسحت جبيني
في عطافات المسيرْ
أهذي أنت يا أمي؟
عرفتك من ملاءتك الحرير”
وتأتي الإحالة على صورة الأب المكافح ليوفر لطفل الحلم ديمومة اللعب، فيدخل القارئ مع الشاعر راتب سكر إلى عوالم من الإبداع البكر الذي يبدو خارجاً من صندوق الأحلام بلغة لا يعرف تعبيرها إلا من أوتي الحكمة وتأويل الأحاديث وتعبير الرؤيا التي أوتيها يوسف عليه السلام من قبل فحسده عليها إخوته، لذلك يخاف الطفل الحلم على حكمته المودعة في صندوقه بعد رحيله من الأيام ومن إخوته “خشيت على صناديقي/ من الأيام أو من إخوتي” إخوة الكيد والحسد.
ديوان “ملاءة الحرير” ديوان تسكنه الغربة المتوهجة بشوق مسكر بالحنين على رنين الإبداع المرسوم بصورة السوار في أيدي الغيد الحسان الجميلات، سوار في يد بيروت، مربع الفتى الذي ألقى في بحرها صناديق الأسرار فساءلته عن سر العودة وموعدها.
ثم يأتي سوار آخر للحبيبة بعد سوار بيروت، يجمع سحر الإبداع في أيدي حسان كُثر، فيفيض نور الإشعاع إبداعاً على الكون “غموضاً ساحراً ” . إن سحر الرنين في هاتيك الأساور ليحيل على سحر رنين الحديد الذي ينحت به الأب الحجر الشامخ في بناء العمارات والأديرة والقصور، فيتحد الرنينان في أسرة واحدة تتقاسم الضحك والرغيف، ويسيطر حلم العودة إلى الأسرة الوطن. الأب “الشمس” والأم “القمر” سيطرة سؤال حائر بالحنين
“فأين ملاءة الأم التي ضيعتها ؟
أين الخوابي
نشرة الأخبار
ألعابي
وصندوقي الصغير ؟ “
وأنت تقرأ المقطع الأخير من حلم الطفولة العذب البريء تمسك بكف قلبك أن يخفق خفقاناً يعيدك طفلاً حالماً عودة راتب سكر إلى طفولته العذبة الغافية.
حاذراً أن تقرأ هذا الديوان إن كنت غريباً أو مغترباً، ففيه طلاسم تنشر بالسحر أشرعة هواك على زورق العودة ممسكاً بوصلة القلب نحو جزيرة الوهم، وقد يأخذك الضباب فلا تبين، فلغة الطفل المشاكس الحزين السعيد يقظة يقِظة حالمة تغفو على صور من الرحيل والسفر الدائم في فجاج الأرض ولجة البحر، تصوغ لك صوراً تؤثر درب العودة أو درب الغياب الغريب:
” شراعي ناحب في الريح
عذبه الفراق
فباح للأمواج بالأسرار
تحمله مشردة تفاصيلي
إلى مدن تناءت في قبائلها “
ولا يزال حلم العودة يسكن الطفل الشاعر، حلم يستمده أملاً من اجتماع شمل يوسف عليه السلام بأمه وأبيه وإخوته، فيبدع بناء صوره لقميص الإبداع الذي يكشف الحقيقة بين قميص متهم بدم كذب وقميص يعيد البصر إلى الأب المكفوف الكظيم: ” هذا قميص الفجر ” . إنه قميص يناقض قميص العودة، فهو قميص بوار لا يخصب الإبداع، يسير قائلاً في “ملاءة الحرير”:
” في قميص من بوار
عاثراً في خطوتي
أفتح باباً لغنائي “
ولا يبقى الأمل معقوداً بالعودة، فالشاعر يستلهم في التعبير عن اليأس من عودة الماضي الحالم السعيد، يأس الشاعر من قلبه إذ يقول: مذكراً بأبيات الشاعر ابن قيس الرقيات الذي تعذب قبله بآلام الفقد والفراق، فيقول راتب سكر في “ملاءة الحرير”
” ليست عشيات الحمى برواجع
هي أمعنت في الليل
يطويها بعتمته العنيدة
ساحباً أوزارها السوداء
هذا الدهر أمعن
في العناد وفي الجفاء “
ولكي ترى مثالاً للتماهي بين الديوانين، ديوان الأب والأم في شخصية الوليد الابن، فانظر الإحالة على ديوان “أبي ينحت الحجر” :
كلما قلت: ليست عشيات الحمى
كسر الحزن بابي
بكينا معاً
أدمعاً أدمعاً أدمعا “
وبعد ففي الديوانين معاناة ومحنة مستلهمة من معاناة الأنبياء في الدعوة التي تعتمد حكمة الإبداع وقبس النور وتوهج الكلمة، والشاعر راتب سكر يتلبس وهج الإبداع بإشارة قابسة إلى محنة يوسف عليه السلام في حكمة تعبير الكلمة الرؤيا، وحكمة إنضاج الشخصية عبر مساق الحدث في امتحان الإخفاق في غياهب الجب كالقمر الذي تخفيه الغيوم ويبلعه الحوت نبياً كيونس عليه السلام، أو قمراً كالخرافة التي تزعم أن الحوت يبلعه عند السكون، يقول راتب سكر في صدد الحديث عن قمر الكلام “الإبداع” الذي يكرر ذكره غير مرة في قصيدة ” قمر في باب المساء” من ديوان “ملاءة الحرير” .
فالشاعر لا ينسى طفولة هي مصدر إبداعه وأحلامه ومواجده في الغربة والحنين، لذلك يتخذ حنينه إلى طفولته صورة القمر الذي يعود بأسرار اللغة إلى “سرير هلاله” كما يعود إلى الأم ذات الملاءة الحرير لتلاعب طفولته المبدعة: ” ملاعب من حرير الغيم
في نجوى السماء “
ثم تأتي صورة النبي الذي التهمه الحوت، فيتقمص القمر دوره في الخفاء، ” قمر على بابي.. الخ” ،
فراتب سكر يشير ببراعة إلى الأغنية الشعبية المأثورة التي يغنيها العراقيون وربما السوريون واللبنانيون أيضاً عند كسوف القمر: “يا حوته يا منحوته: طَلْعِي قمرنا العالي” ، ويضربون الصفائح المعدنية بالعصي لإرهاب الحوت حتى يطلق القمر ومن هنا تأتي وصية القمر في القصيدة:
” الأصوات ترجعني
فأطلقها تدوي في العراء “
إنه استثمار بارع للحكاية الشعبية المبنية على الخرافة، وهذه المحنة تشير من طرف آخر إلى محنة يوسف عليه السلام في خفائه في الجب بعد أن ألقاه إخوته فيه: ” أفهمت معناي الغريق ؟ ” ص66 .
ثمة حديث بكر عن لغة بكر تجمع محنة التهمة على الرغم من البراءة الجلية المعلنة، براءة السيدة العذراء “مريم عليها السلام” وبراءة “يوسف عليه السلام” فنرى الشاعر يقول في ديوان “ملاءة الحرير” ص68: ” ساحباً لغتي البتول
تهز نخلتها
وتكتبني ظلالاً
غاب يوسفها
وغابت في عياء”
لا أدري إن كنت قد عرّفت بديوان “ملاءة الحرير” الذي صدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق أواخر العام 2000م، وهل أنا بحاجة إلى القول بأن الديوان ينتظم في ست عشرة قصيدة على سبع وتسعين صفحة من الحجم المتوسط. والحق أن حيرة البدء تكتنفني في الختام، فأقول: لا تقرأ هذا الديوان، فقد لا يكون جديراً بالقراءة، ولكن انظر قيمة ذلك الطفل الحالم المشاكس الذي ولدته شهر زاد من غير صلب شهريار في ليلتهما السادسة عشرة قبل أن يصيح عليك ديك الفجر، فيبدد سحر لياليها. فإن أبيت وصايتي، وقرأت الديوان فاحذر أن يبحر بك راتب سكر على قارب الشعر بشراع الشوق والحنين إلى جزيرة لا تعرف أطراف غربتها.
هامش
1- اقتصرت هذه القراءة على المجموعتين الشعريتين “أبي ينحت الحجر” و “ملاءة الحرير” لغاية فنية نقدية، ولم تهتم بمجموعتي راتب سكر: “وجهك وضاح، ثغرك باسم” و “في حضرة العاصي”. وقد صدرت هذه المجموعات الشعرية ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب في دمشق.
2- د. علي كمال الدين الفهادي: أستاذ الأدب العربي في جامعتي الموصل وصنعاء.
























