
شجرة الخريف
صبا مطر
لا شيء يوقف دوامة الأفكار المُتَحفزة على الدوام.. لا شيء يقف في وجهها مطلقاً..
لا تعرف افكاري المكوث في مكان واحد.. إنها أكثر من حرة أنْ صحَ التعبير..
تحلق إلى مكانات لم يصلها بشر..
تشعرني بالخوف حيناً والرهبة حيناً آخر.. تصعد بي وتنزل بي عِبر طبقات من تقلبات ورؤى تبدو مشوشة، لكنها تتحول إلى مثمرة ومنتجة على الأغلب..
كنتُ أتوق الوصول إلى المنطقة التي تُصنَعُ فيها الأفكار.. فما أشد حاجتنا لبناء منظومة جديدة، نبني بوعيها حياة جديدة تليق بنا. لا أدري منذ متى ونحن عالقين بنفس المنظومة القديمة.. بلا تجديد أو خلق يليق بالتحرر والانبعاث من جديد..
أليست الحياة ولادة؟
أليست الحياة فرصة وهدية؟
أليست الحياة حديقة من الأفكار والرؤى؟
يتساقط منها ما هو قديم وأصفر.. وينمو ما هو جديد وجميل.
تماماً مثل أوراق الخريف التي تحمل في قلب حزنها افراحاً لولادة جديدة..
كيف لنا أن نصنع فكرة جديدة؟؟
حين أغوص في عمق لا يمكنني تَبيّن بعده عن السطح أرى كل شيء واضح أمامي.. إنها أشياء لا يمكنني التعريف عنها باللغة.. إحساس من نقاء مذهل يعتري روحي المحاطة بأفكار وتطلعات مُزهرة..
أنزل إلى مكاني السري بمفردي.. اعترف بأن النزول إلى هذا المكان يتطلب تعزيز الإحساس بالوحدة والصبر والتأني. إذ لا يمكن قطف فكرة ما تتلألأ فوق شجرة عظيمة من دون التمتع بخواص متفردة. ولا يمكن أن تتصاحب في تلك المهمة بالذات مع من لا قدرة له على تتبع خطوات ثقيلة وواثقة باتجاه عالم مذهل..
لم اصادف إلى الآن من يستطيع مشاركتي جنون التجربة.. وإنْ وجد فأنني أخاف مصارحته بالأقدام على المغامرة..
هناك .. حيث ترتقي الحياة و تترقرق بوداعة متمازجة مع شجرة الأفكار العظيمة.. هناك حيث الصمت لغة الكون المطلقة والتألق ميزة البصيرة الأبدية.. تنطلق الروح لتشرب ما تتيحه الحكمة والمحبة والجمال من رحيق بطعم خلودٍ سهل المنال..
هناك .. حيث يكون الموت مجرد فكرة قابلة للدحض. والحياة مُنحة قابلة للتجديد والادامة..
هناك.. حيث تتوازن الأفعال السامية مع الشرور المطلقة.. كل شيء خفيف بلا وزن..
كل شيء تضحك منه الروح بقهقهة عالية..
الأمور المتعادلة تتيح للتأمل أن يفتح ابوابه كلها باتجاه نبع يتدفق دون انقطاع..
الأمور المتعاركة تتيح للصبر أنْ يهنأ قليلاً بفرصة استراحة لمحارب قديم مُنهك بالانتظار..
ارض واحدة
هناك.. تفور الولادات بقوة. كل شيء يولد وينمو على أرض واحدة، سيمتها التعافي والارتشاف من نهر افكارٍ على وشك ولادة حقيقية.. وكل ما دون ذلك يسقط كدمعة ندم لا معنى لها. الأفواه التي تثرثر دون انقطاع.. الألسن التي تلوك الماضي دون ملل… الأسنان التي تطحن الأجساد والعظام المتألمة.. الأصوات التي تزعق في الميديا والشاشات العملاقة دونما فائدة .. العيون التي ترى الحقائق وتغض البصر.. الآذان التي تستمع لآلام الناس دون أن تفعل شيئاً.. الوجوه التي ترتدي أقنعة لتخفي ملامحها المخزية.. الأجساد التي تتحرك من دون وعي باتجاه الشهوة.. الايادي التي تضرب وتسرق وتصادر حيوات وحقوق ليست لها.. الأرجل التي تعدو بقوة نحو الحروب والخراب.. الأمعاء التي تلوك الجثث المتفسخة .. كل تلك الفظائع لا بد من إعادة النظر فيها..
حسناً.. لا بد من طرد ذلك الإرث البائس وإلى الأبد..
ستطالبنا اعضاءنا بالبدائل التي ستغيب عن المشهد.. إنها الأفكار الجديدة التي ستصنع البدائل..
لا بد من حل العقد القديمة دون الاتكاء على عنف مشاهد لم يغيرها الزمن بعد.
فما حاجتنا اليوم لنسخ من قابيل مثلا؟
وما حاجتنا لنيرون جديد يحرق قلب المدن وجوهر الحياة؟
لن تكون الحياة لعبة بائسة تقوم على العنف مثلما ارادوها الأقدمين..
وما فات قد فات وولى.. واليوم هو وقت النهوض من جديد.. ليس نهوضاً على أعتاب الماضي مثلما هو متعارف..
بل نهوض من نوع خاص.. جديد ولا يتكأ على شيء غير بذرة إنسانية صغيرة.. نجعلها تنمو بكل ما فيها من محبة ودفقات خيرة، فقد نحصد ثمارها الطيبة ولو بعد حين..
























