سمر أبو عاصي لـ (الزمان):الألوان القوية ٰتعبر عن واقعي

حوار‭ ‬كاظم‭ ‬بهية‭ 

أكدت‭ ‬الفنانة‭ ‬التشكيلية‭ ‬اللبنانية‭ ‬سمر‭ ‬أبو‭ ‬عاصي‭ ‬في‭ ‬حديثها‭ ‬لـ«الزمان‮»‬‭ ‬بأنها‭ ‬شغوفة‭ ‬وتعشق‭ ‬المدرسة‭ ‬التعبيرية‭ ‬لأنها‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬الألوان‭ ‬القوية‭ ‬والفكرة‭ ‬الهادفة‭ ‬المعبرة‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬معين‭.‬

ووصفت‭ ‬بدايتها‭ ‬مع‭ ‬الفن‭ ‬التشكيلي‭ ‬بأن‭ ‬بداية‭ ‬الفن‭ ‬موهبة‭ ‬وهبها‭ ‬الخالق‭ ‬لها،‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬على‭ ‬مقاعد‭ ‬الدراسة‭ ‬الابتدائية،‭ ‬وبعدها‭ ‬دخلت‭ ‬إلى‭ ‬الجامعة‭ ‬وتخصصت‭ ‬بدراسة‭ ‬الفن‭ ‬التشكيلي‭ ‬وتعرفت‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التقنيات‭ ‬والمدارس‭ ‬الفنية‭. ‬فهي‭ ‬خريجة‭ ‬الجامعة‭ ‬اللبنانية‭ ‬معهد‭ ‬الفنون‭ ‬الجميلة‭ ‬فرع‭ ‬رابع‭ ‬‭ ‬دبلوم‭ ‬دراسات‭ ‬عليا‭ ‬2013‭-‬2014،‭ ‬والجامعة‭ ‬اللبنانية‭ ‬معهد‭ ‬الفنون‭ ‬الجميلة‭ ‬الفرع‭ ‬الرابع‭ ‬‭ ‬ماستر‭ ‬في‭ ‬الفنون‭ ‬التشكيلية‭ ‬سنة‭ ‬ثانية‭ ‬2009‭-‬2019‭.‬

وقالت‭ ‬أبو‭ ‬عاصي‭ ‬إنها‭ ‬تأثرت‭ ‬بعدة‭ ‬فنانين‭ ‬في‭ ‬البدايات‭ ‬أمثال‭ ‬دا‭ ‬فينشي،‭ ‬مونيه،‭ ‬فرانز‭ ‬مارك،‭ ‬غوتيه‭ ‬فان‭ ‬غوغ،‭ ‬موديلياني‭ ‬وماتيس،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬للفكرة‭ ‬واللون‭ ‬دوراً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬إنجاز‭ ‬اللوحة،‭ ‬ودائماً‭ ‬تستمد‭ ‬أفكارها‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬والبيئة‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬فيها،‭ ‬ولكونها‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬شرقي‭ ‬تقليدي‭ ‬تراثي،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬خلابة‭ ‬في‭ ‬جبل‭ ‬لبنان‭ ‬طبيعي‭ ‬جداً،‭ ‬فهي‭ ‬تتأثر‭ ‬بالبيئة‭ ‬والطبيعة‭ ‬المحيطة،‭ ‬وهنا‭ ‬تتكون‭ ‬الفكرة‭ ‬وبعدها‭ ‬تأتي‭ ‬الألوان‭ ‬التي‭ ‬تصقل‭ ‬الفكرة‭ ‬لتنتج‭ ‬عملاً‭ ‬فنياً‭ ‬رائعاً‭. ‬وأشارت‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬تعشق‭ ‬الألوان‭ ‬وكل‭ ‬لون‭ ‬له‭ ‬معنى،‭ ‬ولكن‭ ‬أفضل‭ ‬الأزرق‭ ‬لون‭ ‬السماء،‭ ‬والبرتقالي‭ ‬اللون‭ ‬الحار،‭ ‬والأخضر‭ ‬طبعاً‭ ‬له‭ ‬حيز‭ ‬كبير‭ ‬فهو‭ ‬الطبيعة‭ ‬والحياة‭. ‬وعن‭ ‬سؤالها‭ ‬كفنانة‭ ‬تشكيلية،‭ ‬كيف‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬اللوحة‭ ‬بعد‭ ‬إنجازها‭ ‬أجابت‭: ‬بالنسبة‭ ‬لها‭ ‬اللوحة‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬روحها‭ ‬وتتعامل‭ ‬معها‭ ‬بكل‭ ‬شغف،‭ ‬ولكن‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬الفكرة‭ ‬الهادفة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬فني‭ ‬تقوم‭ ‬به‭. ‬وفي‭ ‬سنة‭ ‬2016‭ ‬أقامت‭ ‬معرضاً‭ ‬فردياً‭ ‬كان‭ ‬يتناول‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬انفعالات‭ ‬أنثوية‮»‬‭ ‬وكانت‭ ‬جميع‭ ‬اللوحات‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬عمل‭ ‬تلمس‭ ‬انفعالاً‭ ‬معيناً،‭ ‬وبعدها‭ ‬تأتي‭ ‬الألوان‭ ‬لتصقل‭ ‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬ليصبح‭ ‬جاهزاً‭ ‬وتقيم‭ ‬عملها‭ ‬دائماً‭ ‬لتكون‭ ‬راضية‭ ‬عما‭ ‬تنجز‭. ‬وأوضحت‭ ‬أن‭ ‬التشكيل‭ ‬بالنسبة‭ ‬لها‭ ‬هو‭ ‬النبض‭ ‬والوجود‭ ‬والحياة‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬المكنونات‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬تجول‭ ‬في‭ ‬خاطرها،‭ ‬تعبر‭ ‬عنه‭ ‬بالخط‭ ‬واللون‭ ‬حتى‭ ‬تنجز‭ ‬عملاً‭ ‬فنياً‭ ‬قيماً،‭ ‬فتهتم‭ ‬بكل‭ ‬التفاصيل‭ ‬باللون‭ ‬والفكرة‭ ‬والمواد‭ ‬المستخدمة‭ ‬على‭ ‬أكمل‭ ‬وجه،‭ ‬والأهم‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تشعر‭ ‬بالوقت‭ ‬كيف‭ ‬يمر‭.‬

وقالا‭: ‬وأنت‭ ‬تفرغ‭ ‬أحاسيسك‭ ‬ومشاعرك‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الفني،‭ ‬فدائماً‭ ‬تكتسب‭ ‬طاقة‭ ‬وتجدد‭ ‬بالألوان‭ ‬فتشعر‭ ‬بالسلام‭ ‬الداخلي‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭.‬

وتُعد‭ ‬المدرسة‭ ‬التعبيرية‭ (‬Expressionism‭) ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬المدارس‭ ‬الفنية‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ألمانيا،‭ ‬وتركز‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬المشاعر‭ ‬الداخلية‭ ‬والعواطف‭ ‬الإنسانية‭ ‬بطريقة‭ ‬مشوهة‭ ‬ومكثفة،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬التصوير‭ ‬الواقعي‭. ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬الألوان‭ ‬الجريئة‭ ‬والخطوط‭ ‬الحادة‭ ‬والتشويه‭ ‬المتعمد‭ ‬للأشكال‭ ‬لإيصال‭ ‬رسالة‭ ‬عاطفية‭ ‬أو‭ ‬اجتماعية‭ ‬قوية‭. ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬روادها‭ ‬فرانز‭ ‬مارك‭ ‬وإدوارد‭ ‬مونخ‭ ‬وإرنست‭ ‬كيرشنر،‭ ‬وقد‭ ‬تأثر‭ ‬بها‭ ‬فنانون‭ ‬كبار‭ ‬مثل‭ ‬فان‭ ‬غوخ‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬العربي،‭ ‬فلم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬‮«‬مدرسة‭ ‬تعبيرية‭ ‬عربية‮»‬‭ ‬موحدة‭ ‬بشكل‭ ‬رسمي‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬المدرسة‭ ‬التعبيرية‭ ‬تياراً‭ ‬مؤثراً‭ ‬تبناه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفنانين‭ ‬العرب‭ ‬‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬والعراق‭ ‬وسوريا‭ ‬‭ ‬كوسيلة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭ ‬المضطرب،‭ ‬والصراعات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬والهوية‭ ‬الثقافية‭. ‬انتقلت‭ ‬التأثيرات‭ ‬التعبيرية‭ ‬إلى‭ ‬الفن‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬مع‭ ‬انتشار‭ ‬الحداثة‭ ‬الفنية‭ ‬بعد‭ ‬الاستقلال،‭ ‬حيث‭ ‬مزج‭ ‬الفنانون‭ ‬العرب‭ ‬بين‭ ‬التقنيات‭ ‬الغربية‭ ‬والتراث‭ ‬الشرقي‭ ‬والواقع‭ ‬المحلي‭.‬

في‭ ‬لبنان‭ ‬تحديداً‭ ‬‭ ‬بلد‭ ‬الفنانة‭ ‬سمر‭ ‬أبو‭ ‬عاصي‭ ‬‭ ‬برزت‭ ‬بيروت‭ ‬كمركز‭ ‬ثقافي‭ ‬حيوي‭ (‬‮«‬باريس‭ ‬الشرق‮»‬‭) ‬جذب‭ ‬الفنانين‭ ‬الذين‭ ‬استلهموا‭ ‬التعبيرية‭ ‬ليعبروا‭ ‬عن‭ ‬تجارب‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية،‭ ‬النزوح،‭ ‬والانفعالات‭ ‬الإنسانية‭. ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأمثلة‭ ‬الفنان‭ ‬اللبناني‭ ‬بول‭ ‬غيراغوسيان‭ (‬1926-1993‭) ‬الذي‭ ‬يُعتبر‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬رموز‭ ‬التعبيرية‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬العربي‭ ‬الحديث؛‭ ‬فقد‭ ‬ركز‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬على‭ ‬الوجوه‭ ‬والأجساد‭ ‬الممدودة‭ ‬والمشوهة‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬معاناة‭ ‬الإنسان‭ ‬العادي‭ ‬واللاجئ،‭ ‬مستخدماً‭ ‬ألواناً‭ ‬قوية‭ ‬وخطوطاً‭ ‬تعبيرية‭ ‬تعكس‭ ‬التوتر‭ ‬الداخلي‭ ‬والخارجي‭. ‬كما‭ ‬يستمر‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬اليوم‭ ‬مع‭ ‬فنانين‭ ‬معاصرين‭ ‬مثل‭ ‬أيمن‭ ‬بعلبكي‭ ‬الذي‭ ‬يعتمد‭ ‬الألوان‭ ‬الجريئة‭ ‬والملمس‭ ‬الثقيل‭ ‬ليرسم‭ ‬ذاكرة‭ ‬الحروب‭ ‬والفوضى‭ ‬في‭ ‬لبنان‭.‬

هكذا‭ ‬أصبحت‭ ‬التعبيرية‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬العربي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أسلوب‭ ‬جمالي،‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬المكنونات‭ ‬الداخلية‭ ‬والواقع‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬وصفتها‭ ‬سمر‭ ‬أبو‭ ‬عاصي‭: ‬ألوان‭ ‬قوية‭ ‬وفكرة‭ ‬هادفة‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬البيئة‭ ‬الشرقية‭ ‬والطبيعة‭ ‬اللبنانية‭.‬

‭ ‬