سلاح أبيض لمواجهة الأنظمة المتسلطة

قراءة في كتاب الكاريكاتير في الصحافة

سلاح أبيض لمواجهة الأنظمة المتسلطة

مؤيد السعدي

ان البحث عن الترفيه والمتعة اقترن بالرغبة الملحة للفرد بالخروج من اجواء التوتر ومحاولة للتعبير عن اسعاد النفس، وقد تعددت الاساليب وتلونت حسب طبيعة المجتمعات، ونجد ان افراد المجتمع يسعون لهذا النوع من المتعة، على الرغم من الظروف المزرية التي قد يمرون بها لكنهم يجدون الوقت الكافي للهو.

يطل علينا الدكتور حمدان خضر السالم من نافذة جديدة عبّر كتابه (الكاريكاتير في الصحافة) مسلطاً الضوء على نوع من الترفيه الذي تحول الى سخرية لاذعة وهراوة مسلطة على اشكال الاستبداد والفساد والممارسات غير الانسانية من قبل السلطة، وانا لا اخفي اعجابي بهذا العمل الجميل فقد قرأت سابقا لنفس الكاتب كتاب  (صحافة السخرية والفكاهة في العراق 1909-1939م) وكان من الكتب المثيرة للاهتمام كونه كتب بشكل علمي.

في اصداره الجديد انطلق الكاتب من اساسيات فن الكاريكاتير وبداياته التاريخية التي كان لها دور في ترفيه المجتمع عبّر السخرية فيورد مانصه ” لقد كان الأدباء الساخرون هم صناع النكتة، لذلك فالأديب الساخر لم يكن هدفه في وصفه الناس والاحداث أو صنعه النكت، استدرار الضحك وانما كانت من وراء ذلك فلسفة هي نتاج مزاجه أو تجاربه في الحياة ، كأن يرى تقليد المجتمع سفها، أو يرى المثل الاخلاقية رياءً واصطناعاً . وهذا ما جعله يسلك طريق السخرية ليضحك من العيوب والانحرافات ويحاول التخلص منها”.

ان حاجة الفرد للسخرية كانت مقترنة كما يصورها الكاتب بطبيعة سلوك الحاكم على الرغم من انها كانت امتداداً للمسرح اليوناني في القرن السادس قبل الميلاد، ويسوق الكاتب الكثير من تجارب السخرية على مر العصور مشيراً الى أن سخرية الالمان من الفروسية ورجال الحرب، تمثلت في مغامرات البارون فون مونشهاورن التي تعد إنموذجاً رائعاً للادب الشعبي الذي لا ينسب الى مؤلف معين وبقيت كما هي الحال في اقاصيص الف ليلة وليلة. ولم يكن الادب العربي بمعزل عن هذا الفن فقد ظهرت السخرية من خلال استخدام الشعراء لها في قصائدهم وكان الهجاء هو اللون الساخر الذي شاع وحفظه التاريخ، كما امتاز الجاحظ بهذا اللون حيث كانت سخريته لاذعة ومن خلال رسائل الجاحظ حول المعلمين والبخلاء يتضح لنا الاسلوب الساخر في معالجة هذا الموقف، فقد صور كتاب البخلاء الحياة بصور ساخرة ضاحكة وتعرض لكل ظاهرة لافته في مجتمع البصرة. ولقد ظهر في العصر الحديث نوع من الشعر الساخر سمي ” الشعر الحلمنتيشي أنشأه حسين شفيق المصري وقلده شعراء اخرون ولقد استخدم حسين شفيق كلمات عامية في قصائده التي لم تكن مجرد قصائد هازلة، بل كانت نقداً اجتماعياً وسياسياً لاذعاً. إن السخرية بحسب نظر الكاتب كانت تمثل صوت الشعب الذي غيب في ادراج الحكام والسلاطين، وكان ضحك الناس هو استهجان لممارسات لا يقبلها ولا يستطيع رفضها وكأن صوت ضحكه هو الصراخ بوجه الفساد. وقد برز شعراء في العراق تصدوا للاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية من خلال قصائدهم الساخرة التي نشرتها صفحات الصحف الهزلية وغير الهزلية وكانوا اشد نقداً وأقوى عزيمة في الموقف بوجه التفسخ والتحلل الاخلاقي والفساد السياسي وماتزال قصائدهم الساخرة في ذاكرة الناس ومن بينهم الشاعر الملا عبود الكرخي والشاعر عبد الرحمن البناء وغيرهم.

ان السخرية لم تقتصر على الشعر والنشر بل ظهر شكل جديد هو الكاريكاتير  الذي يتفق معظم الكتاب على ان هذه الكلمة تعود الى اصول ايطالية وهي مشتقة من كلمة” كاريكاتورا” والتي تعني رسم يغالي في ابراز العيوب فقــــــــد وردت في Encyclopedia, Britannica بهذا المعنى حين عرفتها بانها ” العرض المشوه لشخص او نموذج او فعل وعادة ما نتمسك بملمح بارز ثم نغالي في ابرازه او نجعل اعضاء الحيوانات او الطيور او النباتات بدلا من الذات الانسانية ، او نقوم بعمل تناظر وظيفي للافعال الحيوانية”.

وقد اورد الكاتب مجموعة من التعاريف التي غطت اغلب جوانب هذا الفن لكنه يصيغ تعريفاً مختصرا وجامعا فيقول : ان (الكاريكاتير هو مصطلح فني يعني الرسم الذي يغالي في إبراز خصوصيات الأشخاص او الأشياء بأسلوب ساخر).

أن هذا الفن على الرغم من بساطته لكنه ذو عمق معبر عن رفض للواقع بشكل ساخر ويمتاز بالقدرة على التوصيل والفهم من قبل الجمهور فهو لا يحتاج الى تفسير لانه ينبع من الحاجة والرغبة في النقد الفاضح في بعض الاحيان لذلك فهو فن صعب وهذا ما يؤكده الكاتب ( يخطأ من يظن ان الكاريكاتيرية  امر سهل ، ذلك انها  اصعب من كتابة المقال، لانها يجب ان تكون مركزة وان يكون لها هدف وان تساير التطورات السياسية او الاقتصادية او الاجتماعية بالاضافة الى انها يجب ان تثير ابتسامة القارىء).

كما ان الكاريكاتير له وظيفة صحفية أهم واعمق من اضحاك القراء يفترض معها الا يكون مضحكاً بالضرورة ولعل هذا ما جعل الكاريكاتير قوة إعلامية مؤثرة لا غنى عنها في حياتنا اليومية سياسياً واجتماعياً على حد سواء. ويكفي للتدليل على ذلك انه خلال الازمات والاوقات العصيبة كان الحكام يلجأون الى الكاريكاتير لتعبئة الرأي العام ضد الاخطار. ولقد تعرض العديد من رسامي الكاريكاتير الى ضغوط من قبل السلطات الحاكمة نتيجة نشرهم رسوماً كاريكاتيرية تنتقد وتسخر من بعض الظواهر، حيث اقتيد الرسام المصري صلاح جاهين الى المحاكم على نشره رسماً في الأهرام  يتعرض لازمة سكائر كليوباتر، كما حكم على الفنان “رخا” بالسجن مع الشغل لمدة خمس سنوات بتهمة العيب في ذات الملك فؤاد. وقد تطرق الكاتب الى تطور الكاريكاتير واشكاله التي منها الكاريكاتير الصامت، والكاريكاتير الرمزي، و الكاريكاتير المباشر، والكاريكاتير التسجيلي، واشار الى التعليق على الكاريكاتير حيث يقول ( وتاتي كلمات التعليق لتكمل الفكرة التي يعبر عنها الفنان بريشته، وقد تكون كلمات التعليق على  شكل عنوان او فقرة او تأخذ شكل حوار او تصريح ينطق به احد أشخاص  الكاريكاتير.

وقد افرد الكاتب فصلاً عن نشأة الكاريكاتير في الصحافة العالمية والعربية والعراقية مفصلاً ذلك بشكل علمي دقيق ولم يفت الكاتب ان يعرج على النشأة الاولى لهذا الفن وكيف ارتبط بالصحافة مسلطاً الضوء على التعبير السياسي لهذا الفن (اتخذ الكاريكاتير اتجاهاً سياسياَ منذ القرن السادس عشر، فأثار الفنان الساخر كما اثار الكاتب الساخر ثورة في وجه الاستبداد وفضائح الحكم كما حدث ابان حكم لويس الرابع عشر في فرنسا وجورج الثالث في انكلترا.

اما فيما يخص الصحافة العربية فإنها لم تسجل ميلاد فن الكاريكاتير الا في الربع الاخير من القرن التاسع عشر حيث عرفت الصحافة هذا الفن عام 1877م على يد الشيخ ” يعقوب صنوع” الذي وصف بأنه ” سيد الساخرين” في العصر الحديث.

ومن خلال جريدته الهزلية الاسبوعية ” ابو نظارة زرقاء” التي صدرت في القاهرة وصار اسمها ملازما لصاحبها الذي اطلق عليه منذ ذلك الوقت ” الشيخ أبو نظارة ” . وتعرضت هذه الجريدة بعد ظهور العدد الخامس عشر الى الاغلاق من قبل الخديوي اسماعيل الذي هاجمته بشدة. وتطور هذا الفن مع تطور ادوات الطباعة واساليب الاخراج الصحفي ولقد عم فن الكاريكاتير بعد ذلك جميع البلدان العربية منذ الحرب العالمية الثانية وزاد انتشاره في الصحافة العربية حتى أصبحت كل صحيفة لابد أن تخصص للكاريكاتير ركناً أو صفحة فيها.

اما في العراق فعلى الرغم من ان العراق شهد نشوء الصحافة في وقت مبكر أسوة بالاقطار العربية الأخرى الا ان نشوء صحافة الكاريكاتير كان متأخراً بنحو أربعين عاماً. حيث كانت جريدة ” مرقعة الهندي” . وقد تطور هذا الفن في العراق وكانت بعض الصحف تستعيض عن الرسوم الكاريكاتيرية بنشر رسوم غير كاريكاتيرية لرسامين معروفين مثل فائق حسن وناصر عوني. كما ساهم في رسم الكاريكاتير غازي عبد الله وحميد المحل وغيرهم سيما بعد ان تطور فن الكاريكاتير واتسع استخدامه صحفياً من خلال ازدياد اعداد الصحف التي لم تقتصر على الصحف الساخرة وانما اصبح فناً صحفيا لا غنى عنه لاي صحيفة.

ان اهم ما اورده الكاتب تأثر هذا الفن بالوضع السياسي العراقي فأصبح سلاح مؤثر وفاعل بوجه السلطة التي عمدت في الكثير من الظروف الصعبة الى غلق الصحف كما حدث عام 1936م مع تصاعد الاحتجاجات على الحكومة التي مارست العنف ضد عشائر الدغارة من ناحية وموافقتها على اتفاقية سكة الحديد مع بريطانيا فأغلقت جريدة صوت الاهالي بعد مداهمة بنايتها لمواقفها الرافضة للحكومة وكذلك الحال مع جريدة البيان. وقد كان للاوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة أثر واضح على الصحافة التي سلطت الضوء من خلال السخرية اللاذعة في بعض الاحيان للحكومة.

في هذا الكتاب الممتع يتوصل الكاتب ومن خلال ادواته العلمية التي يبرع في استخدامها للوصول الى النتائج التي تكشف عن استخدام مؤثر لفن الكاريكاتير في العراق حتى ان الكثير من الصحف ما تزال اسمائها عالقة في الذاكرة لاقترانها بالسخرية ولم يستخدم الكاتب اللغة الصعبة بل كان موفقا في التصوير بإستخدام المصادر التي جاءت داعمة لرؤية الكاتب، الكاتب لم يتطرق الى الصحف المعاصرة بالتحليل ولم يشر الى طبيعة هذا الفن مع انتشار الكم الهائل من الصحف بعد عام 2003م ولعله لم يجد فيها التوظيف السليم ولربما ان هذا الفن لم يقتصر على الصحافة الورقية بل انتشر في وسائل الاعلام المرئية . اجد في هذا العمل العلمي بداية صحيحة لكتابات كثيرة تخص هذا النوع من التعبير الفني والصحفي . لانه بحق السلاح الابيض لمواجهة الانظمة المتسلطة.